![]() |
الدكتور مصطفى الفقى وهؤلاء
[align=center]الدكتور مصطفى الفقى
لمن لايعرفه هو مدير مكتب رئيس الجمهوريه لشئون المعلومات سابقا وسفير مصر فى النمسا سابقا ورئيس لجنة الشئون العربية بمجلس الشعب والعديد من الوظائف الاخرى وهو يعتبر احد مثقفى الوطن العربى وكتابه . وقد اتاحت له الوظائف التى شغلها ان يكون له لقاءات وحوارات كثيره مع اعلام فى المجتمع الدولى والعربى والمصرى بين رجال سياسة او اقتصاد او دين وحتى فى الفن .. وقد قام بطرح جزء من الحوارات والمقابلات فى جريدة مصر اليوم القاهرية فى شكل مقال يصدر كل يوم خميس من كل اسبوع وبدات هذة المقالات منذ عام 2007 وحتى تاريخة . وقد قمت بتجميع هذة المقالات وانشرها لحضراتكم حتى نتعرف على بعض الشخصيات التى ربما يجهلها البعض. [/align] |
رد: الدكتور مصطفى الفقى وهؤلاء
[COLOR="Blue"]نبيل العربى»
بقلم د.مصطفى الفقى ٨/ ١/ ٢٠٠٩ إنه ذلك الفقيه القانونى الضليع، والسفير المصرى المرموق، ومندوب بلاده لدى الوفدين الدائمين فى «جنيف» ثم «نيويورك»، وقبل ذلك سفير مصر فى العاصمة الهندية، ويمثل الرجل فى ظنى ظاهرةً استثنائية تستحق الإعجاب والتقدير، فهو ابن الأستاذ الدكتور «عبدالله العربى» أستاذ القانون الشهير فى حقوق «القاهرة» و«بغداد» كما خدم قبل ذلك فى «روما» و«الخرطوم» وشق طريقه فى الإدارة القانونية لوزارة الخارجية من بدايته إلى نهايته. إنه ذلك المصرى الوطنى الذى يتمتع بالخلق الرفيع والضمير النظيف وعفة اليد واللسان، إلى جانب صفاتٍ أخرى ليست شائعة فى الوسط الدبلوماسى، فهو لم يذق الخمر فى حياته، ولم يدخن، ولم ير منتصف الليل، فهو ينام قبل الثانية عشرة كحدٍ أقصى ليستيقظ مبكرًا، يأكل قليلاً ويقرأ كثيرًا، ومازلت أتذكر بالاعتزاز فترة عملى معه فى «نيودلهى» وكيف كان السفير «نبيل العربى» ودودًا معى وصديقًا للجميع وواجهةً مشرفة لبلاده هو والسيدة قرينته فى عاصمة عدم الانحياز، وبلد الثقافات المتعددة واللغات المختلفة والديانات المتباينة، وعندما زارنا أبو القصة العربية القصيرة الراحل «د.يوسف إدريس» والتقى السيدة «أنديرا غاندى» رئيسة الوزراء، وفى مساء ذلك اليوم دعانا السفير الدكتور «نبيل العربى» إلى عشاءٍ على شرف الكاتب المصرى الكبير الذى كان على العكس تمامًا من الدكتور «نبيل العربى» فهو يهوى السهر وتتجلى موهبته الإبداعية مع صمت الليل، والسفير لا يستطيع أن يجاريه فى ذلك ويريد أن يأوى إلى فراشه قبل منتصف الليل حتى يبدأ عمله مع ساعات الصباح الأولى كعادته، نشيطًا رقيقًا كطبيعته، واضطررت يومها إلى استكمال السهرة مع الأديب المصرى الكبير نثرثر فى موضوعات شتى، بدءًا من السياسة الدولية وصولاً إلى المرأة العربية، وأتذكر أن «يوسف إدريس» قال لى يومها إن هذا السفير عظيم ولكنه مبرمج مثل «الكمبيوتر» الذى كنا نسمع عنه فقط فى ذلك الوقت من مطلع الثمانينيات من القرن الماضى، وضحكنا معًا ونحن نحمل للدكتور «نبيل العربى» كل الاحترام والتقدير لشخصيته الفريدة وخصوصيته المعروفة، فهو على سبيل المثال لا يتحمس لتقبيل الرجال بعضهم لبعض عند السلام، مكتفيًا بالمصافحة بالأيدى كما كان العهد بنا منذ عدة عقود، قبل أن تأتينا عاداتٌ وفدت إلينا وهى غريبة علينا!.. إنه الدكتور «نبيل العربى» الذى يرتبط بمصاهرةٍ مع شخصيةٍ مرموقة ذات وزنٍ دولى وعربى ومصرى، ولكن تلك المصاهرة مثلما كانت له أحيانًا كانت عليه غالبًا، وهو أمرٌ قد لا يتنبه إليه الكثيرون؛ لأن كفاءة الرجل ومكانته الذاتية لا تحتاج إلى دعمٍ أو سند، فهو باحثٌ مدقق يعبِّر بقلقه الدائم عن رغبته فى استجلاء الحقيقة وفهم الأمور، وفى أثناء سنوات عملى معه فى «الهند» تعلمت منه صفاء النفس ورقة الشعور والبعد عن الصغائر والإحساس العميق بالآخرين ومجاملتهم دائمًا فى كل المناسبات وجميع الظروف، ولست أنسى ذات مساءٍ عندما كنا فى ضيافة «د.حسن نعمة» سفير «قطر» فى العاصمة الهندية، وهو مثقفٌ رفيع الشأن كان يدعونا لحفلاتٍ نستمع فيها إلى الموسيقى الهندية القديمة، ونحن جالسون على السجاد الأنيق، ولكن عندما خرج «د. نبيل العربى» لم يجد حذاءه، وهو بلا شك كان حذاءً قيمًا لأن الرجل اعتاد أناقة الملبس وحسن الذوق، المهم أننا لمحنا الحذاء المفقود مصادفةً بعد عدة أيام فى قدم دبلوماسيٍ كبير من دولة أخرى، ولكن «د. نبيل» أبى أن يلفت نظره حياءً منه وترفعًا! وهو أيضًا «د.نبيل العربى» الذى يسجل تاريخه أمرين بارزين يستحيل تجاهلهما: الأول هو دوره أثناء التحكيم حول «طابا»، حيث كان يمثل الرأى القانونى الرسمى للدولة المصرية، باعتباره رئيس القطاع القانونى فى وزارة الخارجية. أما الأمر الثانى الذى نحنى له الرأس احترامًا فهو دوره فى إصدار رأى محكمة العدل الدولية فى قضية «الجدار العازل»، حيث كان إسهامه كبيرًا ودوره مشهودًا حتى إن الدوائر الصهيونية ضاقت به وتحاملت عليه، فلقد كانت مواقفه دائمًا انعكاسًا لقدرته على توظيف كفاءته القانونية لخدمة الأهداف القومية العادلة والقضايا الوطنية البارزة. إنه الدكتور «نبيل العربى» الذى ترك موقعه قاضيًا فى «محكمة العدل الدولية» طواعيةً ودون ضغوط، فلقد كانت الفرصة متاحةً أمامه للتجديد فى الموقع الذى كان فيه ثالث شخصيةٍ مصرية تشغله منذ إنشاء المحكمة، فقد سبقه إليه الدكتوران «عبدالحميد بدوى باشا»، والسفير «عبدالله العريان» ـ رحمهما الله. تحيةً إلى «د. نبيل العربى» الصديق الذى أُحب، والسفير الذى أَحترم، والفقيه الذى أُجِّل، والإنسان الذى يتحلى بأرقى الصفات وأجمل السجايا محمد فائق» بقلم د. مصطفى الفقى ١/ ١/ ٢٠٠٩ إنه نموذج يبدو لى مختلفاً عن غيره من رفاقه، فلقد بدأ حياته ضابطا فى القوات المسلحة، ثم التقطته ثورة يوليو ١٩٥٢ ليلعب أدوارا متميزة، حيث أوكل إليه الرئيس «عبدالناصر» الملف الأفريقى، الذى حقق فيه نجاحات تاريخية، مازالت سياسة مصر الأفريقية تعتمد على بعضها حتى الآن، ولقد رأيت بعينىّ المناضل الأفريقى الكبير «نيلسون مانديلا» وهو يتحدث عن محمد فائق بإكبار وتقدير شديدين، بعد قرابة سبعة وعشرين عاما قضاها المناضل التاريخى «مانديلا» فى سجنه الأفريقى وقضى منها أيضا «محمد فائق» عشر سنوات فى السجون المصرية متمسكا بمبادئه، رافضا الاعتذار عن خطأ لم يرتكبه. ولقد كان اللقاء بين «مانديلا» و«فائق» بعد ذلك مثالا رائعا، أعاد إلى الأذهان أمجاد مصر فى القارة الأفريقية خلال العصر الناصرى، عندما تبنت «القاهرة» سياسة ذات شقين فى القارة السوداء، تقوم على التحرير والتنوير معا، لذلك ظلت أفريقيا رصيدا قويا لمصر فى الأزمات التى مرت بها السياسة الخارجية المصرية، وفى سنوات القطيعة المصرية العربية، بعد توقيع «اتفاقية السلام» مع إسرائيل كانت القارة الأفريقية هى الداعمة لمصر فى المحافل الدولية، فى وقت كان العرب يطاردون فيه عضوية مصر فى جميع المنظمات العالمية والإسلامية والعربية، بل حركة عدم الانحياز التى أسستها مصر مع الهند ويوغوسلافيا! ومازلنا نذكر لسياسة «عبدالناصر» الأفريقية التى جسدها المناضل المصرى «محمد فائق» ذلك المشهد التاريخى لخروج عدد من قادة حركات التحرير الأفريقية من الفيلا رقم ٥ بشارع «أحمد حشمت» بالزمالك «مقر الجمعية الأفريقية الآن»، ليقودوا بلادهم الحرة غداة الحصول على الاستقلال، ولعله من المواقف الطريفة التى يذكرها جيلى أنه فى ليلة التنحى «٩ يونيو ١٩٦٧» هرع الوزراء إلى مقر الرئيس «عبدالناصر» وكان من بينهم الوزير «محمد فائق»، الذى خلطت الجماهير المتدفقة على «منشية البكرى» بينه وبين السيد «زكريا محيى الدين»، وكادت تفتك به بسبب التشابه بينهما فى صلعة الرأس، وكان «عبدالناصر» قد رشح السيد «زكريا محيى الدين» خليفة له فى تلك الظروف شديدة الصعوبة بالغة التعقيد! إن «محمد فائق» هو ذلك الذى خدم قضايا بلاده فى «الصومال» و«زنزبار» وغيرهما، ولعب دوراً مصرياً تاريخياً فى مواجهة حركة «بيافرا» الانفصالية، حتى إن الرئيس النيجيرى السابق «يعقوب جوون» عندما هبط بطائرته فى القاهرة قدمه أمامه على سلم الطائرة قبل مصافحة الرئيس «عبدالناصر»، تكريماً لذلك الرجل هادئ الطبع عالى الكفاءة شديد الحكمة صاحب الخبرات الواسعة والبصمات الواضحة فى كل مجال عمل فيه، وعندما أوفد مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لجنة دولية للتحقيق فى «دارفور»، من بضعة أشخاص فقط، يمثلون العالم كله لمعرفة نوعية الجرائم التى ارتكبت هناك والبحث فيما جرى حتى السنوات الأخيرة كان «محمد فائق» هو العربى الوحيد الذى حظى بعضوية تلك اللجنة الدولية العليا رفيعة المستوى، رغم أنه لا يملك نفوذ سلطة ولا جاه منصب، ولكنه يملك التاريخ الناصع والسمعة الدولية النظيفة والاسم الكبير الذى يحترمه الجميع، وهو الرجل الحصيف الذى إذا اختار من يعمل معه تصرف بشفافية وتجرد، وفى موضوعية كاملة، وأذكر له أنه اختار مساعداً فى أحد مشروعات حقوق الإنسان الأخيرة دبلوماسياً مصرياً رائعاً نحترمه جميعاً، هو السفير السابق «شكرى فؤاد ميخائيل» ولا عجب فالطيور على أشكالها تقع.. إنه «محمد فائق» الذى كان أول لقاء لى به عندما جاء إلى كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، حيث كنت أدرس فى النصف الأول من ستينيات القرن الماضى، وكان يتحدث يومها - على ما أتذكر - عن إدخال خطوط إنتاج جديدة فى مصانع «المحلة الكبرى» و«كفر الدوار» لإنتاج أقمشة ذات ألوان زاهية ورسوم كبيرة تناسب الذوق الأفريقى، الذى كان معنياً به ومهموماً بشؤونه، ولقد كرس الرجل جهوده فى العقدين الأخيرين حول قضايا حقوق الإنسان، وترأس المنظمة العربية المعنية بذلك، وأسهم بجدية فى رفع المعاناة عن المقهورين فى المنطقة كلها، داعماً قضايا الحرية والتطور الديمقراطى ومكافحة التعذيب ورعاية المسجونين، إنه «محمد فائق» الذى كلما رأيته زميلاً فى المجلس القومى لحقوق الإنسان شعرت دائماً أننى أمام قطعة غالية من تاريخ هذا الوطن المعطاء، رجل تاريخه مشرف، وحاضره متألق، وغده مشرق. يتبع»![/ COLOR] |
رد: الدكتور مصطفى الفقى وهؤلاء
لـويـس عوض
بقلم د.مصطفى الفقى ٤/ ١٢/ ٢٠٠٨ إنه ذلك المفكر المصرى الذى مضى على درب الكبار من «العقاد» إلى «طه حسين» إلى «سلامة موسى»، ولعله يتميز بانتصاره لقضايا الإنسان ودفاعه عن الحريات، وقدرته الباهرة على استخدام هامش الحرية المتاح فى كل العصور. وقد ربطتنى بهذا المفكر العظيم –ابن المنيا عروس الصعيد- صلاتٌ مستمرة على امتداد الخمسة والعشرين عامًا الأخيرة من حياته، بل لقد عرفته قبل ذلك عندما كنت رئيسًا لاتحاد طلاب كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، ودعوته لكى يحضر مهرجان «الشعر والزجل» فى يوم ثقافى بالكلية، وأذكر أنه قال لأحد الشعراء الشباب الذى كان يملك لغةً زاعقة لتبرير بعض المواقف السياسية فى الستينيات من القرن الماضى، قال له «لويس عوض»: يا بنى إنك تبدو كمن يستعدى «الاتحاد الاشتراكى» على الناس بلا تمييز! وكانت المرحلة الثانية من علاقتى به، حين استقدمه الدكتور «أسامة الباز»، المشرف على تدريبنا بالمعهد الدبلوماسى فى نهايات ستينيات القرن، لكى يكون محدثنا حول القضايا الفكرية والسياسية، واستهوانى كثيرًا منذ ذلك الحين حديث ذلك المفكر الرصين وكتاباته العميقة فى صحيفة «الأهرام»، وهو يؤرخ للفكر السياسى المعاصر فى مصر، ويطرق أبوابًا لم يطرقها غيره، بدءًا من كتابه عن اللغة العربية، مرورًا برصده التاريخ الاجتماعى والثقافى لمصر الحديثة، وصولاً إلى مقاله الشهير عن العائلة المالكة المصرية ولقائه الملكة «نازلى» - أم الملك «فاروق» - فى منفاها الاختيارى بالولايات المتحدة الأمريكية هى وبناتها و«رياض غالى» قبل رحيلهم جميعًا فى ظروف مأساوية متفاوتة بعد ذلك بسنواتٍ قليلة. إنه ذلك المفكر الشامخ الذى أطاح به الضباط الأحرار ضمن حركة التطهير فى الجامعات بعد قيام الثورة بعامين فقط، ولكن ظل أستاذ الأدب الإنجليزى طافيًا على سطح الحياة الثقافية خارج الجامعة، يحمل مصباح التنوير، يخترق به ظلام التخلف والتعصب والرجعية. إنه «لويس عوض»، الذى زارنى فى «لندن» فى بداية السبعينيات ولاأزال أذكر طريقة تذوقه النبيذ «روزيه»، الذى كان يعشقه على مائدة طعامه، وأفكاره المضيئة وعقليته المتوهجة التى كانت تقذف بومضات ضوء يبهر الأبصار ويخطف الألباب ويأسر العقول. لقد قال لى يومًا فى أحد لقاءاتنا: إن نظام الرئيس «عبدالناصر» كان يبعث ببعض عيونه لمتابعة ما يجرى فى الكنائس، فقلت له: ألم يكن الأمر ذاته معمولاً به فى المساجد أيضًا!، عندئذٍ تدارك د. لويس وقال: إن «عبدالناصر» لم يكن طائفيًا ولكنه كان شموليًا. كما لاأزال أتذكر مناقشاتى معه حول دور السيد «جمال الدين الأفغانى» ورأى «د. لويس عوض» فيه، باعتباره إيرانيًا يعمل لصالح الاستخبارات البريطانية ـ من وجهة نظره ـ والحديث الطويل الذى كان يدور بيننا حول تلك الشخصية الغامضة وتأثيرها فى الفكر الإسلامى الحديث، فما أكثر معارك الدكتور «لويس عوض»، وما أكثر خصومه أيضًا، شأن المفكرين الكبار الذين يثيرون الجدل ويحرضون على التفكير، ولقد كان ـ رحمه الله ـ شديد الوضوح والصراحة كامل الشفافية، ويكفى أن نراجع اعترافاته الصريحة فى مذكراته عن «سنوات التكوين»، التى تحدث فيها عن قريبته التى تحولت من المسيحية إلى الإسلام، ووصفه الصادق لمشاعر العائلة تجاه ذلك الحدث المفجع لديهم، ثم إشارته إلى شعوره بأن أخاه الدكتور «رمسيس عوض» –وهو أستاذ جامعى مرموق فى تخصصه، أمد الله فى عمره - كان يشعر بأن شهرة أخيه «لويس» قد ظلمته وأضاعت منه عددًا من الفرص فى حياته الفكرية والعلمية، ولقد ناقشت د. «رمسيس» فى ذلك بعد رحيل شقيقه «د. لويس»، فبدا مشفقًا على أخيه الأكبر محبًا له عارفًا بفضله فى تواضع وبساطةٍ زائدين. إنه «لويس عوض» ذلك العملاق الفكرى الذى ملأت زوجته منزلهما بالقطط والحيوانات الأليفة، ويبدو أنه كان يفرِّ من ذلك إلى عالمه الخاص فى سياحة ثقافية دائمة، أفادت الفكر والأدب العربيين على نحوٍ غير مسبوق، وعندما جاءنى الأديب الأستاذ «نسيم مجلى» - بعد رحيل المفكر الكبير بفترة وجيزة - ليصدر كتابه عن «لويس عوض ومعاركه الفكرية والأدبية» طالبًا منى كتابة مقدمته لم أتردد فى أن أفعل ذلك، لمعرفتى الدقيقة بالمفكر «لويس عوض» والأديب «نسيم مجلى» فى الوقت ذاته، ولقد سعى إلىَّ الأستاذ «مجلى» بكتابٍ جديدٍ له منذ شهور عن «الدكتور بطرس بطرس غالى» ومعاركه السياسية، وقد كتبت مقدمته أيضًا، ودفعنا به إلى «دار الشروق» ليأخذ طريقه إلى حبر المطابع. إننى لا أنسى أبدًا جلساتى المستمرة فى حجرة الدكتور «لويس عوض» بمستشفاه قبيل الرحيل، وهو يصارع ورمًا سرطانيًا فى المخ، ولكن الابتسامة لم تكن تفارقه، والحديث العذب لا يختفى من جلسته، وبريق الأمل ظل ينطلق من عينيه، مع أنه كان يودع الحياة مفكرًا بارزًا، ومصريًا رائعًا، وعلامةً فارقة فى حياتنا الأدبية والفكرية بنت الشاطئ بقلم د.مصطفى الفقى ١١/ ١٢/ ٢٠٠٨ لدى الأمم أسماءٌ تعتز بها، وفى الشعوب شخصيات تخلع عليها الجماهير ألقاباً يختصون بها ويتميزون عبر التاريخ بذكرها، لذلك كانت «بنت الشاطئ» هى الدكتورة «عائشة عبد الرحمن» مثلما كانت «باحثة البادية» هى «ملك حفنى ناصف» و«ذات النطاقين» هى «أسماء بنت أبى بكر» و«كوكب الشرق» هى «أم كلثوم»، والأمر ذاته فى عالم الرجال فعندنا «عميد الأدب العربى» هو «طه حسين» و«شاعر النيل» هو «حافظ إبراهيم» و«أمير الشعراء» هو «أحمد شوقى» و«شاعر القطرين» هو «خليل مطران» .. نعود إلى «بنت الشاطئ» ابنة إقليم دمياط المنجب التى تألقت فى رحلتها العلمية وتميزت فى رؤيتها الثقافية، منذ أن التقت بأستاذها الشيخ «أمين الخولى» مبعوث الملك «فؤاد» إلى «برلين»، ذلك المفكر الكبير، الذى خرج من الأزهر الشريف إلى العالم الخارجى ضمن حركة «الابتعاث»، التى اعتمدت عليها مصر الحديثة فى مواصلة مسيرة عصر النهضة والتنوير، إنه رائد «الأمناء»، تلك الجماعة التى انتمت إلى فكره واعتنقت مبادئه، ولقد ربطتنى بالدكتورة «عائشة عبد الرحمن» صلات مستمرة ليس أولها أنها والدة زميلة دراستى فى كلية الاقتصاد جامعة القاهرة الأستاذة «أديبة أمين الخولى» وليس آخرها لقاءاتى بالدكتورة «عائشة»، وحواراتى معها والاتصالات الهاتفية بيننا فى مناسبات مختلفة، فأنا لا أخفى إعجابى الشديد بلسانها العربى الفصيح، خصوصاً أننى ممن يشاركون فى الحفاوة باللغة المتميزة، أما أسلوبها الذى يمكن التعرف عليه حتى لو احتجب اسم صاحبته فهو نموذج آخر فى الرصانة والجزالة والتألق، ولو لم يكن لـ«بنت الشاطىء» إلا كتابها الشهير عن زوجات النبى (صلى الله عليه وسلم) لكفاها ذلك وحده تميزاً وفخاراً، وسوف تبقى مقالاتها فى «الأهرام» فصولاً فكرية مستقلة يعود إليها المثقفون العرب، كلما عازتهم نسمات رقيقة من تاريخ الحضارة العربية الإسلامية، ولن أنسى أبداً متابعتها لبعض ما كتبته أنا شخصياً رغم أننى أقع منها موقع التلميذ من الأستاذة ولكن بشاشتها وحفاوتها بجيلى كانت تعطينى زاداً من نور المحبة ورحيق الأمل، وعندما كنت سفيراً لبلادى فى «فيينا» كنت شديد الحرص على وجود زميلتى «أديبة الخولى» وزوجها النمساوى المسلم فى دار السفارة أثناء الاحتفال بجميع المناسبات المصرية والدينية، حيث ظل التواصل بيننا فى إطار ذكريات جامعة القاهرة والانتماء المشترك لفكر «بنت الشاطئ» ومدرسة «أمين الخولى»، وعندما جاءنى العالم المصرى الراحل «أسامة أمين الخولى» ممثلاً لمصر فى أحد المؤتمرات العلمية فى «فيينا»، كان اهتمامى به كبيراً وحرصى على الاستماع إلى ما يقول عن أبيه الراحل وزوجة أبيه «بنت الشاطىء» أمراً لاحظه كل زملائى الذين شاركونى السعادة بتواجده بيننا لعدة أيام فى العاصمة النمساوية، وهو ينتمى إلى جيل من علماء مصر من أمثال «إبراهيم حلمى عبد الرحمن» و«مصطفى كمال طلبة» و«عبد الفتاح القصاص» و«محمد الحلفاوى» وقد كنت أعتبر الأخير عميداً للجالية المصرية فى «فيينا»، وأعتز كثيراً بما كان يحكيه لى عن الذكريات العلمية لمصر فى الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضى وأصدقاء عمره الذين تساقطوا على طريق رحلة العلم والعمل، ولقد استمر تواصلى أيضاً مع «بنت الشاطئ» من خلال علاقتى العائلية بزميلى بالسفارة المصرية فى لندن الأستاذ «رزق طعيمة» الذى كانت زوجته الفاضلة السيدة «عائشة» أختاً غير شقيقة لبعض أبناء الشيخ «أمين الخولى» فتجمعت لدى دائماً خيوط متشابكة عن تلك العائلة الثقافية المتميزة فى الأدب والعلم والفن الذى جسدته شخصية مثل واحدة من أبناء الشيخ «أمين الخولى» وأعنى بها الدكتورة «سمحة الخولى» (رحمها الله)، إننى أحنى الرأس اليوم احتراماً لأسم «عائشة عبد الرحمن» وعطائها المتصل للثقافة العربية والفكر الإسلامى ودورها المرموق فى تاريخ الأدب الحديث، بل وأشرك معها عائلة أستاذها وزوجها الشيخ «أمين الخولى» الذى عاشت «بنت الشاطئ» على ذكراه بقية عمرها، تردد بين سطور كتاباتها شجن الأيام الجميلة ومظاهر الحب العميق، الذى حملته له وعاشت به وتعايشت معه.. لقد كان زمناً جميلاً احتفظت فيه الكلمة بجلالها والفكرة بعمقها والنظرة بموضوعيتها.. زمن الشوامخ من أمثال تلك السيدة الرائعة الأستاذة «بنت الشاطئ» أو الدكتورة «عائشة عبد الرحمن |
رد: الدكتور مصطفى الفقى وهؤلاء
عبدالحميد السراج
بقلم مصطفى الفقى ١٨/ ١٢/ ٢٠٠٨ تميز «العصر الناصرى» بالخبطات الشهيرة التى كان يطلق على كل منها «ضربة معلم»، وفى أحد الأعياد الدينية مع مطلع الستينيات أذاع التليفزيون المصرى بعد وقوع الانفصال وانهيار الجمهورية العربية المتحدة بعدة شهور، نبأ وصول السيد «عبدالحميد السراج» وحارسه «منصور رواشدة» إلى «القاهرة»، بعد أن تمكنت الأجهزة الأمنية من إخراجهما من «دمشق» عن طريق «بيروت»، حيث كان نائب رئيس الجمهورية العربية المتحدة الأسبق، أو حاكم الإقليم الشمالى كما كان يطلق عليه خصومه، قيد الاعتقال فى العاصمة السورية بعد الانفصال والتنكيل بعدد لا بأس به من القيادات الموالية للرئيس «عبدالناصر» أو حتى للمشير «عامر»، وترجع قصة «عبدالحميد السراج» مع الجمهورية العربية المتحدة منذ قيامها إلى قدراته التنظيمية المعروفة وخبراته الاستخباراتية المشهودة، حيث كان واحداً من أبرز ضباط «المكتب الثانى» كما ظل محل ثقة «عبدالناصر» من البداية إلى النهاية، ولم يفرق أبداً ـ وهو القادم من الإقليم السورى ـ بين انتمائه الأصلى وولائه للقيادة الناصرية أو لدولة الوحدة، ولقد هاجمه الكثيرون، بل بلغ الشطط بالبعض أن اعتبر ممارساته السياسية والأمنية هى أحد دوافع الانفصال وأسباب انهيار دولة الوحدة.. والذى لا يعرفه الكثيرون أن الرجل كان مستقل الرأى، منفرد الإرادة، حتى إنه اختلف مع الرئيس «عبدالناصر» عبر أزمات صامتة، ولو أن القائد العربى الكبير استمع إلى بعض ملاحظات رجله الأول فى سوريا، لربما أمكن تفادى وقوع جريمة الانفصال التى أطاحت بالحلم العربى العظيم فى ٢٨ سبتمبر ١٩٦١ قبل وفاة «عبدالناصر» بتسعة أعوام بالتمام والكمال، قضاها الرجل وحلم العودة يطل من عينيه، متذكراً ذلك اليوم الذى حمل فيه الشعب السورى، العروبى بفطرته، القومى بطبيعته، ذلك الثائر الأسمر القادم من صعيد مصر يقاوم الاستعمار ويتحدى أعوانه متجهاً بأمته نحو حلمها الكبير، أقول لو أن «عبدالناصر» وأجهزته قد استمعوا إلى نصائح «السراج» فى السنة الأخيرة لدولة الوحدة لربما اختلفت الصورة وتغير مشهد النهاية، وقد شدتنى إلى شخص السيد «عبدالحميد السراج» صلة بدأت يوم أن كانت بيننا الزميلة الراحلة «رشا زلفو مدينة» شقيقة زوجته ومعها شقيقة أخرى وأخ ثالث فى كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة منذ عام ١٩٦٢، حيث عرفنا وقتها أن الثلاثة هم من أشقاء زوجة النائب السابق لرئيس الجمهورية «عبدالحميد السراج»، وأنهم سوريون ينتمون إلى أصول كردية من الإقليم الشمالى للجمهورية العربية المتحدة، ولقد ظلت السيدة «رشا» مذيعة لامعة فى التليفزيون المصرى حتى رحيلها إلى عالم الأبدية منذ سنوات قليلة، وتمتعت هى وعائلتها بصداقات واسعة بل أنساب مشتركة مع عدد من العائلات المصرية، حيث اندمجوا فى المجتمع المصرى وانخرطوا فى صفوفه وذابوا فى كيانه حتى اليوم وربما يرجع الفضل فى ذلك إلى أن ذلك الرجل الذى كان وراء قدومهم من الشمال إلى الجنوب وهو السيد «عبدالحميد السراج»، لم يفرق يوماً بين انتمائه السورى وانتمائه المصرى، بل ظل وفياً لقضيته القومية بغير مزايدة أو ادعاء، فلم يكتب مذكرات للنشر ولا أحاديث للإعلام، واعتبر أنه قد أدى رسالة فى فترة حاسمة من تاريخ الأمل العربى، وأن عليه أن يحتفظ بها لنفسه وللتاريخ، واكتفى بأن يكون موظفاً كبيراً فى الإدارة المصرية كرئيس لشركة إعادة التأمين، ولقد كان آخر لقاء لى به منذ عدة سنوات فى أحد المحال التجارية فى حى «مصر الجديدة»، ورأيته يومها شامخاً متماسكاً متألقاً ولقد تهلل كثيراً مرحباً بى، وتحدثنا يومها وكان السؤال الرئيس فى ذهنى الذى ألححت عليه به هو: لماذا لم تكتب مذكراتك، خصوصاً أننى واثق من أنها سوف تكشف الكثير من الحقائق وتجلى الغموض عن فترة مهمة فى التاريخ العربى الحديث احتشدت فيها على قمة السلطة العربية أسماء مثل «عبدالناصر» و«عامر» و«الحورانى» و«البغدادى» و«السادات» و«الشافعى» و«صلاح البيطار» وأيضاً «ميشيل عفلق»؟ ويومها كان رد السيد «عبدالحميد السراج» على رداً هادئاً واثقاً حيث قال لى: «إن الكل يعلم أننى أعرف الكثير لكننى لا أحب أن تتضمن مذكراتى الصادقة إساءة لأحد، خصوصاً إذا كان قريباً إلى قلبى، عزيزاً على نفسى»، عندئذ أدركت أن شموخ الرجال يجعلهم يمضون واقفين كالأشجار حتى نهاية رحلة العمر!.. ذلك هو «عبدالحميد السراج» الذى يمثل فصلاً مهماً من فصول كتاب الوحدة القومية ودولة الجمهورية العربية المتحدة. المستشار حسن كامل بقلم د.مصطفى الفقى ٢٥/ ١٢/ ٢٠٠٨ يشترك فى هذا الاسم عدد من الشخصيات المهمة كان أحدهم رئيساً للديوان الجمهورى فى عصر الرئيس الراحل «السادات» بعد أن كان سفيراً مرموقاً فى وزارة الخارجية المصرية وقبلها ضابطاً متميزاً فى القوات المسلحة، أما الذى أعنيه اليوم فهو يمثل شخصية فريدة ذات تاريخ حافل قد لا يعرفه الكثيرون، وأعنى به المستشار «حسن كامل» الذى يعتبر واحداً من الأعمدة الأساسية التى قامت عليها سياسة دولة «قطر» الشقيقة، فقد كان هو مستشار الأمير الأب الشيخ «خليفة بن حمد»، و«حسن كامل» هو واحد من أبناء الارستقراطية المصرية تخرج فى الجامعة عام ١٩٢٨ ثم التحق بالسلك الدبلوماسى المصرى، وكان واحداً من الدبلوماسيين القريبين من الدكتور «محمد صلاح الدين» وزير خارجية حكومة «الوفد»، ولقد عرفت الرجل عبر أمسية طويلة امتدت لأكثر من ست ساعات فى القصر الأميرى بـ«الدوحة» فى أواخر الثمانينيات من القرن الماضى، حيث كنت عضواً فى الوفد المصرى أثناء زيارة رئاسية لدولة «قطر»، وبعد العشاء الرسمى انفردت بذلك الرجل الوقور الذى كان قد تخطى الثمانين من العمر فتراكمت لديه التجربة، وتكدست فيه الخبرة وبدا لى كأنه مستودع كبير لأسرار كثيرة وخزانة مغلقة لمعلومات بغير حدود، وكان قد لفت نظرى يومها أن أمير «قطر» ذاته كان يحترمه بشكل ملحوظ، بل يقدمه أحياناً أمامه، ولاحظت أن الجميع حول الأمير يوقرون المستشار «حسن كامل» وينظرون إليه نظرة الأب معترفين بفضله مدركين لقدره، ولقد ظللت أستمع إلى ذلك المصرى العظيم حتى الساعات الأولى من الصباح فى تلك الأمسية القطرية الهادئة، وحكى لى الرجل تفاصيل المهمة الشهيرة التى أوفده فيها الملك «فاروق» لمقابلة شقيقته الإمبراطورة «فوزية» فى «طهران» ـ وهى بالمناسبة واحدة من أرقى أميرات الأسرة العلوية على الإطلاق، أطال الله فى عمرها، وقد اقترنت بعد طلاقها من الشاه بالسيد «إسماعيل شيرين» الذى كان آخر وزير للحربية فى العصر الملكى والذى أمد الوفد المصرى بخرائط ومعلومات أفادت فى قضية التحكيم حول «طابا» بسبب وطنيته المفرطة، رغم سنه المتقدمة فى منتصف الثمانينات ـ وكان الهدف من تلك المهمة هو أن يستطلع الدبلوماسى المصرى رأى الأميرة المصرية التى كانت وقتها إمبراطورة إيران فيما تردد حول المتاعب التى تعانيها، والسعادة التى تفتقدها وقد رأى شقيقها ملك مصر والسودان أن يوفد إليها مبعوثاً خاصاً يكون أهلاً للثقة والاحترام، فلم يجد أفضل من ذلك الدبلوماسى المصرى المحترم، ولقد قال لى المستشار «حسن كامل» إنه استغرق وقتها فى رحلته ما بين ثلاث وأربع ليال بالطائرة من «القاهرة» إلى «دمشق» ثم من «دمشق» إلى «بغداد» ثم من «بغداد» إلى «طهران» حيث أتاحت له المراسم الإمبراطورية فى قصر الشاه «محمد رضا بهلوى» أن ينفرد بالإمبراطورة فى حديث مباشر ينقل فيه إلى الأميرة الجميلة رسالة شفهية خاصة من شقيقها العاهل المصرى، ويقول المستشار «حسن كامل» إن الإمبراطورة ردت عليه بأدب الملوك فى إشارة غير مباشرة إلى معاناتها بسبب بعض تصرفات زوجها وقلة إخلاصه لها، فضلاً عن الفارق الكبير فى ذلك الوقت بين حياة القصر الملكى فى مصر ـ وقد كانت واحدة من أغنى ملكيات الشرق وأعرقها ـ وحياة القصر الإمبراطورى فى «طهران» التى كانت تبدو أكثر انغلاقاً وأقل تحضراً، وقد عاد المستشار الدبلوماسى المصرى من رحلته الفريدة فاستقبله الملك «فاروق» ليستمع منه إلى رد شقيقته على رسالته، والغريب أن الملك قال للمستشار بعد أن عرف بمعاناة الإمبراطورة الوحيدة «عجيب أن تضيق شقيقتى بتصرفات الشاه، فكلنا ذلك الرجل، وأنا شخصياً لى تصرفات مماثلة وربما أكثر منه»! ولقد طوى المستشار النفس على ذلك الرد الذى أسرَّ إلىَّ به فى تلك الليلة الرائعة من ليالى «الدوحة» العامرة، وظل الرجل يحكى لى من ذكرياته الدبلوماسية وعلاقاته التاريخية ما جعلنى أعيش معه لعدة ساعات فى حالة تركيز وإعجاب شديدين خصوصاً أن الرجل كان يجسد أمامى نموذجاً للخلق المصرى الرفيع والسمو الأخلاقى النادر فى وقار وهدوء وشفافية تذكرنا بعصر ولى وقد لا يعود، ولقد انتهت خدمة المستشار «حسن كامل» الدبلوماسية فى الخارجية المصرية مع أول حركة تطهير بعد الثورة حيث جرى التخلص من عدد لا بأس به من الدبلوماسيين أصحاب الخبرات الرفيعة بسبب انتماءاتهم للعهد البائد! وفى ذلك اليوم من مطلع الخمسينيات جمع ذلك الرجل النادر أوراقه بعد أن تلقى دعوة كريمة من أمراء «قطر» الذين كانوا يعرفون فضله ويقدرون مكانته لكى يعمل مستشاراً فى القصر الأميرى، ولقد ظل الرجل مقيماً هناك حتى رحل فى هدوء حاملاً معه خزينة أسراره المغلقة، وحقيبة معلوماته الوفيرة، ابناً باراً للدبلوماسية المصرية التى قدمت دائماًً أعرق الكفاءات وأفضل الخبرات. يتبع |
رد: الدكتور مصطفى الفقى وهؤلاء
ثـروت عـكاشـة»
بقلم د.مصطفى الفقى ٢٧/ ١١/ ٢٠٠٨ إنه ظاهرة من نوعٍ خاص فى تاريخ ثورة يوليو وحركة «الضباط الأحرار»، فهو مثقفٌ من طراز فريد يقف على قمة هرم الثقافة المصرية، ولقد ربطنى به إعجابٌ شديد - من جانبى - كضابط فذ يتعاطى الثقافة منذ شبابه، ويتحدث الفرنسية بطلاقة، ويقتحم جوهر المعرفة الإنسانية ويبحر فى كل روافدها، ولو لم يكن فى تاريخه إلا ذلك الإنجاز التاريخى الكبير فى الحملة الدولية لإنقاذ آثار النوبة، التى غمرتها المياه المحتجزة خلف «السد العالى»، لكان ذلك فى حد ذاته كافيًا لأن يضعه فى الصف الأول من أبناء مصر العظام. إن الضابط «ثروت عكاشة» يمثل نموذجًا لا مثيل له فى تاريخ العسكرية المصرية الشامخة، ولم يكن غريبًا عليه أن يكون عنصرًا مؤثرًا فى حركة «الضباط الأحرار» موظِّفًا كفاءاته الفكرية ومهاراته الثقافية فى خدمة أهداف «ثورة ٢٣ يوليو»، مع الأخذ فى الاعتبار صلته المباشرة «بآل أبوالفتح» أصحاب «المصرى» ودورهم معروفٌ فى تاريخ الصحافة المصرية، وهو أيضًا «ثروت عكاشة» السفير اللامع فى عاصمة الفن والجمال «روما» الإيطالية، وهو أيضًا «ثروت عكاشة» صاحب المؤلفات الرائعة فى المكتبة العربية التى تعمَّق عبر صفحاتها فى تاريخ الحضارات ومذاق الثقافات، فجعل «العين تسمع والأذن ترى» كما قال عنوانًا لأحد كتبه، ولم يتوقف عند ثقافات أوروبا، ولكنه غاص فى أعماق الفلسفات الهندية، وتعمق فى أغوار الفنون الآسيوية. ولقد ربطتنى بهذا الرجل العظيم صلاتٌ مستمرة منذ سنواتٍ طويلة حتى أرسل إلىَّ وأنا سفيرٌ لدى «النمسا» طالبًا الحصول على بعض الصور القديمة والوثائق النادرة من متحف «فيينا» الشهير، ولقد فعلت ذلك بحبٍ وفخرٍ شديدين، وعندما أرسلت إليه ما أراد وجدته مصممًا على أن يبعث إلىَّ بتكاليف ذلك، رغم أن الأمر لم يكن يزيد على عشرات الدولارات، إلاَّ أنه أصرَّ على أن يرسلها لى، ربما لأنه يستعذب أن ينفق من ماله الخاص على ثقافته وعلمه، ولقد تكرَّم علىّ فأهدانى جميع مؤلفاته الصادرة عن «دار الشروق»، ولقد حدثنى صديقى المهندس «إبراهيم المعلم» صاحب الدار عن دقة الدكتور «ثروت عكاشة» فى مراجعة مؤلفاته، والوقت الذى يقضيه فى اتصالاتٍ مع الأستاذ «أحمد الزيادي» مساعد رئيس «دار الشروق» يراجع ويحذف ويضيف، وتلك دقة العلماء وسمة المثقفين رفيعى القدر، ولعلنا نذكر أن صلة «ثروت عكاشة» بالرئيس «عبدالناصر» قد شهدت حالاتٍ من الصعود والهبوط لأسبابٍ لا مجال للغوص فيها الآن، ولكن الرجل ظلَّ على ولائه لقائد ثورته ولم ينزلق – مثل غيره- إلى ساحة الحياة السياسية، متراشقًا بالألفاظ الضخمة أو مستعرضًا بالمذكرات المنحازة، ولكنه انصرف فى كبرياء إلى رصيده الباقى وهو الفكر والثقافة، ولعل الكثيرين لا يعلمون أن الدكتور «أحمد عكاشة» أستاذ أساتذة الأمراض النفسية ورئيس جمعيتها الدولية هو الشقيق الأصغر للدكتور «ثروت عكاشة» بتاريخه العريض، ويبدو أن فيروس التميز يصيب أحيانًا بعض العائلات فيدفع منها إلى الصفوف الأمامية بشخصياتٍ متميزة فى تخصصاتٍ متباينة! وعندما أفتش فى ذكرياتى الآن فإننى أتذكر أننى قمت – وأنا نائبٌ للقنصل فى لندن عام ١٩٧٢ – بعقد قران النجل الأكبر لمثقفنا الكبير «ثروت عكاشة» فى احتفال بسيط بمبنى القنصلية العامة رقم ١٩ بـ«الكنزنجتون بالاس جاردنز» وهو المبنى الذى كان قد آل إلينا بالمقاصة مع الحكومة السورية بعد الانفصال، ويهمنى أن أسجل هنا أن أجيالاً ثلاثة على الأقل من تاريخ مصر الحديث تنظر بانبهارٍ وإكبار إلى هذه الشخصية رفيعة الشأن، وعندما أقيم حفل كبيرٌ لتكريم «ثروت عكاشة» منذ سنوات قليلة، وشرفنى منظمو الحفل بدعوتى لكى أكون متحدثًا فيه وسط حشدٍ رفيع من المثقفين المصريين والعرب والأجانب، وجدته مناسبة مواتية لكى أتحدث عن الرجل وفضله على الثقافة المصرية وشخصيته الفريدة فى تاريخنا الوطنى الحديث، وعندما دعوت الدكتور «ثروت عكاشة» لكى يكون متحدثًا فى صالون «إحسان عبد القدوس» الذى كنت أشرف عليه فى أواسط التسعينيات من القرن الماضى اعتذر الرجل بأدبه الشديد ورقته المتناهية متعللاً بظروفٍ صحية، ولكننى أدركت من خلال معرفتى له أنه لا يريد الغوص فى أوحال السياسة العربية والظروف الدولية، لأنه ينأى بكبريائه عن الدخول فى سجالٍ مع الآخرين فى غير الموضوعات المتصلة بالفكر والثقافة.. تحيةً «لثروت عكاشة» الضابط والوزير والسفير، وقبل ذلك كله المفكر العملاق، والمثقف الضخم، والوطنى البارز، والإنسان العظيم بنيتا فريرو فالدنر» بقلم د.مصطفى الفقى ٢٠/ ١١/ ٢٠٠٨ إنها وزيرة الدولة للشؤون الخارجية فى النمسا، إذ كان يتولى وزارة الخارجية زعيم حزبها السيد «شوسل» الذى أصبح مستشارًا للنمسا بعد ذلك، وهو المنصب الذى يعادل «رئيس الوزراء» ويستأثر بذلك اللقب النظامان الألمانى والنمساوى، وقد جمعتنى بالسيدة «بنيتا» علاقة ودية مستمرة منذ أن هبطت إلى العاصمة النمساوية والتقيتها فى اليوم التالى لتسليم صورةٍ من أوراق اعتمادى، وقد أسعدنى أنها شديدة القرب من بلادى وتضع «مصر» فى موقعٍ خاص على خريطة اهتماماتها، وحاولت أن أبحث فى الأسباب وأن أحفر قليلاً فى تاريخها الشخصى، فقيل لى إنها ارتبطت فى مطلع حياتها بقصة حبٍ مع شابٍ مصرى كان يدرس لدرجة الدكتوراه فى «فيينا» وهو الآن أستاذٌ بإحدى الجامعات الإقليمية فى مصر، وحيث إننى لا أستسلم للتفسير المادى للتاريخ فإننى أيضًا لا أرفض التفسير «العاطفى» للبشر، واللافت فى ظنِّى هو أن تلك الدبلوماسية الذكية التى خدمت كسكرتير أول لسفارة بلادها فى «داكار» ثم مستشارة فى السفارة النمساوية «بباريس»، قد قفزت فجأة إلى موقع أمين عام مساعد للأمم المتحدة لشؤون «البروتوكول» خلفًا للسفير المصرى المرموق «على تيمور»، وكان ذلك فى عهد الأمين العام ـ صاحب الرؤية البعيدة والمواقف المستقلة ـ الدكتور «بطرس بطرس غالى»، لذلك كانت تحمل له من الود والاحترام ما يفوق التصور، وكان يكفينى أن أحدثها ببضع كلماتٍ عنه وعن أخباره ومحنته فى المواجهة الشهيرة بينه وبين الإدارة الأمريكية لكى أفتح شهيتها للحوار وتدعونى إلى مكتبها فى اليوم التالى لاستكمال الحديث، وكانت تحمل أيضًا مشاعر الود العميق والصداقة القوية للوزيرة المصرية «فايزة أبوالنجا» فقد تزاملتا فى أروقة الأمم المتحدة عندما كانت السيدة «فايزة أبوالنجا» هى المساعد الخاص للأمين العام للأمم المتحدة وصاحبة الخبرة الرفيعة فى الشؤون الدولية، ولقد كنت أشعر دائمًا بأن السيدة «بنيتا» شديدة الطموح فهى تتحدث الألمانية والإنجليزية والفرنسية بطلاقةٍ واضحة، وهى متزوجة من إسبانى يهوى الموسيقى والفنون التشكيلية، لذلك أصبحت تتحدث أيضًا الإسبانية وتجيدها كلغةٍ رابعة، ولقد صعد بها طموحها القائم على كفاءتها العالية لكى تكون مرشحة حزبها فى الانتخابات العامة لمنصب رئيس الجمهورية، الذى حصل عليه منافسها السيد «فيشر» رئيس البرلمان النمساوى السابق والذى أصبح رئيسًا للجمهورية بفارق أصوات ضئيل للغاية يتأرجح بين ١% و٢%، ولكن السيدة «بنيتا» لم تستسلم للخسارة ولم تقف أمام منصب رئيس جمهورية دولة «النمسـا» الذى لم تحصل عليه بفارقٍ محدود، بل اتجهت إلى القارة الأم واتحادها القوى لكى تصبح مفوضة الاتحاد الأوروبى للشؤون الخارجية وهو منصب متميز، ولقد زارت «مصر» أكثر من مرة بحكم منصبها الجديد وكان لى دائمًا شرف استقبالها والالتقاء بها، وكانت كعهدها ودودةً يقظةً محبةً لبلادى وتربطها صلاتٌ طيبة بوزراء الخارجية المصرية، خصوصًا السيد «عمرو موسى» ـ صاحب الكاريزما المعروفة لدى الرجال والنساء على حدٍ سواء ـ ولقد وقفت تلك السيدة الفاضلة وراء منحى الوسام الأعلى لدولة النمسا، رغم أننى كنت قد حصلت قبل ذلك بعامٍ واحد على الوسام النمساوى الرفيع الذى يمنح لمن يسهم بخدماتٍ ثقافية متميزة على المستويين الدولى والإقليمى، وقد جاء ذلك فور انتهاء خدمتى فى بلادها حين حضر إلى القاهرة أحد وزراء الحكومة النمساوية وسلمنى ذلك الوسام فى حفلٍ كبير ضمَّ عددًا من الشخصيات المصرية المرموقة وقد ألقى الوزير النمساوى خطابًا رقيقاً كما تحدث أيضًا فى تلك المناسبة سفير النمسا الأسبق الصديق «فردناند تراوتمانس دورف» وهو سليل أصحاب الدماء الزرقاء، لأنه أحد أحفاد إمبراطور النمسا، ولست أنسى أيضًا أن الوزيرة «بنيتا» أقامت على شرفى حفل توديع كبيرًا فى مبنى وزارة الخارجية النمساوية، وألقت فيه كلمة رقيقة أعطتنى فيها ما أستحق وما لا أستحق، ومازلت أتذكر عندما ذهبت إليها ذات يوم فى مقر وزارة الخارجية طالبًا دعم بلادها لترشيح الدكتور «إسماعيل سراج الدين» لمنصب مدير عام «اليونسكو»، وكانت التعليمات الواردة لنا من الخارجية المصرية هى ألا نقول عنه أنه مرشح «مصر» بل نقول أنه مرشحٌ من «مصر»!، ذلك لأننا كنا نعانى فى ذلك الوقت من انقسامٍ فى المجموعة العربية، حيث كان ينافسه الوزير السعودى الشاعر الدكتور «غازى القصيبى»، ولقد ضحكت الوزيرة يومها كثيرًا وقالت إننا سنؤيد المرشح من مصر حتى لو لم يكن المرشح الرسمى لها، وأتذكر أيضًا خطبتها فى افتتاح المؤتمر الدولى «للمعاهد الدبلوماسية» فى مقر الأكاديمية الدبلوماسية «بفيينا»، والذى حضرته فى الأسبوع الأول لوصولى إلى «فيينا» كمدير سابق لمعهد الدراسات الدبلوماسية فى وزارة الخارجية المصرية، حيث تجلى إلمامها الواسع بالقضايا الدولية والمشكلات الإقليمية لذلك فأنا أظن أن تلك السيدة قد علمت نفسها كثيرًا حتى اتسمت مواقفها بالموضوعية، إلى جانب تعاطفٍ حذر مع الجانب العربى والشعب الفلسطينى، ولقد كانت بوابتها إلى المنطقة منذ بدايتها الأولى هى «مصر» ومازال عطاؤها يتواصل دون توقف على المستويين الأوروبى والدولى، لذلك فإننى أتذكرها دائمًا كصديقة لبلادى، ومسؤولة عالية الكفاءة، وشخصية رفيعة الشأن |
رد: الدكتور مصطفى الفقى وهؤلاء
«أنيس منصور»
بقلم د.مصطفى الفقى ١٣/ ١١/ ٢٠٠٨ كنت دبلوماسياً صغيراً فى العاصمة البريطانية عندما زارها ذلك الكاتب الأسطورى الكبير، والتف الشباب المصرى حوله فى أحد الفنادق القريبة من مبنى القنصلية المصرية فى منطقة «بيزووتر» يستمعون إلى حديثه الجذاب وقصصه المثيرة وعباراته الساخرة، وأتذكر أيضاً عندما كنت مستشاراً للسفارة المصرية بالهند أننى كنت أنتظر «الحقيبة الدبلوماسية» كل أسبوع، لكى أقرأ الحلقات التى كان يكتبها الأستاذ «أنيس منصور» فى مجلة «أكتوبر» ـ التى أنشأها ـ وقد جمع تلك المقالات بعد ذلك فى كتابه الرائع «فى صالون العقاد كانت لنا أيام» وكنت أستمتع كثيراً بتلك الحلقات لأنها تندرج تحت ما نطلق عليه عملية التأريخ الفكرى والثقافى والاجتماعى لمصر فى فترة ازدهر فيها الأعلام الموسوعيون، وفى مقدمتهم «صاحب العبقريات»، وقد يختلف الكثيرون مع الأستاذ «أنيس منصور» فى بعض مواقفه السياسية خصوصاً ما يتصل منها بانتقاداته الحادة للعصر الناصرى وموقفه من قضية السلام والتطبيع مع إسرائيل، ولكن يظل ذلك كله محكوماً بإطار القيمة الرفيعة لذلك المفكر الفذ الذى أثر فى ثلاثة أجيال ـ على الأقل ـ عبر تاريخنا الحديث، فهو صاحب أكبر عدد من الكتب التى أصدرها كاتب «مصرى» فى حياته، كما أنه يتمتع بقاعدة عريضة من القراء من الرجال والنساء من مختلف شرائح العمر لم يتمتع بها سواه. إنه كاتب مقروء، ومحدّث مسموع، يملك مساحة واسعة من حرية التعبير عن الرأى انتزعها بقيمته ومكانته، خصوصاً فى السنوات الأخيرة، وهناك من لا يتحمسون لبعض آرائه ويرون فيه أحياناً ـ رغم قامته الفكرية العالية ومكانته الثقافية الرفيعة ـ كاتباً عدمياً، يميل إلى التشاؤم ويستغرق طويلاً فى جلد الذات، كما أنه يبدو فى بعض الأحيان يائساً من محاولات الإصلاح، متحفظاً تجاه بعض الشخوص والأفكار والمواقف بصورة جريئة، بل وأسلوب لاذع، وسوف يظل كتابه «حول العالم فى ٢٠٠ يوم» سفراً رائعاً يجمع بين المعلومة الجغرافية والنظرة الثقافية والمتعة الذهنية، فكتبه تقدم فائدة مزدوجة لقرائه وتلاميذه، لأنها زاد ثقافى وجرعة نفسية ومادة للتسلية. كل ذلك فى وقت واحد، إنه «أنيس منصور» صاحب المواقف المثيرة الذى كتب عن «تحضير الأرواح»، وقام بعملية تشريح واعية لأمراض المجتمع وهمومه، وهو أستاذ الفلسفة فى الجامعة الذى تأثر بالعظماء فى المجالات الأكاديمية والثقافية فى مصر والعالم لعشرات السنين، وهو قارئ نهم يستطيع أن يهضم الكتاب الذى بين يديه قبل أن ينتهى من قراءة صفحاته. إنه موسوعى موهوب يملك جاذبية هائلة فى الحديث، حتى أطلق عليه المقربون منه لقب «الساحر»، ولست أنسى أبداً ذلك الجدل المستمر الذى ثار حول كتاباته أحياناً ومواقفه أحياناً أخرى، وأتذكر أنه قال لى ذات مرة إن «عبدالناصر» ظاهرة «هيكلية» صاغها كاتبه ومفكره ومستشاره الأول «محمد حسنين هيكل»، ولدى «أنيس منصور» عشرات بل ومئات القصص والطرائف، فضلاً عن المشاغبات والمداعبات مع أصدقائه من مختلف الأجيال، بدءاً من «بطرس غالى» وصولاً إلى «زاهى حواس»، وبينهما عشرات من المفكرين والسياسيين من أنحاء العالم. وقد رافق كاتبنا الرئيس «السادات» طوال فترة حكمه وكان بمثابة مستشاره الثقافى ومحاوره الفكرى.. صداقته ممتعة، وعداؤه شديد، تربطنى به شخصياً صلة ممتدة عبر عشرات السنين، عرفته فيها مفكراً هادئاً وناقداً يقظاً وقارئاً نهماً وكاتباً لديه معين لا ينضب حول تاريخ الأدب وثقافات الشعوب وحضارة العرب والغرب على حد سواء، يستمد منها خصوصاً عندما يكتب عن أساتذته العظام «العقاد» و«طه حسين» و«الحكيم» و«منصور فهمى» و«عبدالرحمن بدوى» وغيرهم من رموز الفكر المصرى المعاصر، وهناك قيمة أخرى لـ«أنيس منصور» تتجسد فى إيمانه بمصر المنفتحة المزدهرة التى احتضنت الجاليات الأجنبية بها وصنعت منها تجربة رائعة للتعايش المشترك بين المسلمين والمسيحيين واليهود وطوائف الأرمن واليونانيين والإيطاليين والشوام، ممن أكسبوا مصر مذاقاً خاصاً فى النصف الأول من القرن العشرين، وأنا أظن أيضاً أن ذلك المفكر الموهوب قد قطع فى مسيرة حياته مسافة مرهقة من الشك إلى اليقين، من الوجودية إلى الإيمان، من ثقافات الغرب إلى حضارة الإسلام، وكلما التقيته فى جلساتنا الخاصة أجد لديه أسئلة يطرحها وأخباراً يحققها، وذلك شأن الفلاسفة المجددين والمفكرين الكبار، فتحية لذلك الكاتب العبقرى والصحفى المرموق الذى قد يختلف الناس معه ولكنهم لا يختلفون حول قيمته كمفكر ومثقف وكاتب أديب ومؤلف روائى وناقد مسرحى ومؤرخ اجتماعى ارتبط اسمه بالحركة الفكرية والبيئة الثقافية فى الشرق الأوسط على امتداد العقود الخمسة الأخيرة. أمد الله فى حياته كاتباً ثرى الفكرة، غنى النظرة، دافئ العبارة، قوى الحجة، حاد القلم، يتأرجح بين الوجود والعدم، بين البرج العاجى والشارع العادى، بين الأسطورة والحقيقة، بين الواقع والخيال!. عبد العزيز حجـازى» بقلم د.مصطفى الفقى ٦/ ١١/ ٢٠٠٨ لم أدرس على يديه مباشرةً ولكننا ـ ونحن طلاب الجامعة ـ كنا طوال فترة الدراسة فى كلية «الاقتصاد والعلوم السياسية» خلال النصف الأول من ستينيات القرن الماضى ندرك أن اسم «عبد العزيز حجازى» ملء السمع والبصر، يتحدث عنه طلاب كليات التجارة والكليات الأخرى بالإعجاب الممزوج بالهيبة، فمن متحدثٍ عن شخصيته القوية إلى منبهرٍ بعلمه الغزير إلى مقدرٍ لدوره النشيط فى الحياة الجامعية. وكأنما استجاب الرئيس «عبد الناصر» لمطلب تلاميذ الدكتور «حجازى» فاختاره وزيرًا للخزانة فى فترة عصيبة بعد نكسة ١٩٦٧، فاقترن اسم هذا المصرى المرموق بفترة الإعداد لمعركة الثأر من بدايتها حيث قدم لوطنه خدماتٍ جليلة فى مرحلة إعداد الدولة للحرب ورد العدوان، ولم يكن ذلك أمرًا هينًا خصوصًا على الصعيد الاقتصادى. وقد اقترن اسمه أيضاً بواحدٍ من الوثائق المهمة فى تاريخ الثورة المصرية وأعنى به بيان ٣٠ مارس ١٩٦٨ الذى كان بمثابة الانطلاقة للتحول نحو مجتمع الحريَّات والخروج من دائرة الحراسات، كما أن ذلك البيان كان مقدمةً مبكرة وتمهيدًا تاريخيًا لسياسة تحرير الاقتصاد المصرى والدخول فى مرحلة الانفتاح الإنتاجى التى يعتبر الدكتور «حجازى» بطلها الحقيقى، ولا يمكن أن نتذكر سياسة الانفتاح إلا وهى مقترنة باسم ذلك العالم الكبير. والدكتور« حجازى» يمثل نموذج الفلاح المصرى «ابن الشرقية» الذى درس فى «بريطانيا» وحاز أعلى الدرجات العلمية وظل محتفظًا بكبرياء الريف المصرى وأصوله وقواعده معتزًا بنفسه محافظًا على كرامته مترفعًا حتى فى حضرة الملوك والرؤساء! لذلك لم يكن غريبًا أن يستعين به الرئيسان «عبد الناصر» و«السادات»، فهو مهندس إعداد الدولة لحرب ١٩٧٣ الظافرة، وهو الذى استطاع أن يضع الاقتصاد المصرى فى إطار العملية التعبوية الشاملة لحشد موارد الدولة لتحقيق النصر المجيد، وقد اختاره الرئيس «السادات» رئيسًا للوزراء ـ بعد حرب اكتوبر ـ فانتقى الدكتور «حجازى» مجموعة معاونيه من الكفاءات التى يعرفها فى المجالات المختلفة، وقد كان تركه لمنصب «رئيس الوزراء» تصرفًا مبهمًا لا يخلو من غموض صراعات القوى فى الدائرة الضيقة المحيطة بالرئيس الراحل «أنور السادات»، ولقد ظل الدكتور «حجازى» محتفظًا بمكانته وقيمته، متألقًا فى كل مراحل حياته، بالمنصب وبدونه، بالموقع المتميز وبشخصيته وحدها، وظل مكتبه الشهير مزارًا لأصحاب الحاجات وطالبى دراسات الجدوى. كما لم يغمض الوطن عينيه عنه أبداً فكان طرفًا فاعلاً فى العديد من المؤتمرات المحلية والإقليمية والدولية وظل اسمه متوهجًا فى سماء مصر خصوصًا فى المنظمات غير الحكومية والأعمال الخيرية. وأتذكر أنه دخل علينا ذات يوم فى اجتماع أعضاء السفارة المصرية فى «لندن» وهو رئيسٌ للوزراء وكان بسيطًا رقيقًا واعيًا، وحدثنا يومها عن هموم الوطن ومشكلاته، وقال لنا إن الظروف الاقتصادية صعبة والمرتبات ضئيلة، وأن بعض الوزراء فى حكومته لو عرض عليه منصب مستشار السفارة فى لندن فسوف يقبله، وبذلك سد علينا الطريق بذكائه وفطنته حتى لا تكون لنا مطالب من ميزانية دولة أرهقتها الحرب ولم تستثمر بعد نتائج الانتصار. وقد زاملت هذا الأستاذ العظيم فى مؤتمرات وندوات خارج الوطن وداخله واقتربت منه على امتداد العشرين عامًا الأخيرة، ووجدت فيه حكمة المفكرين وهيبة العلماء ووطنية المقاتل من أجل وطنه وأمتيه العربية والإسلامية، وعندما كنت أستكمل دراسة الدكتوراه فى جامعة« لندن» كان «المستر فيولنج» سكرتير المكتب الثقافى المصرى، وهو ألمانى الأصل استشراقى النزعة ـ يحدثنى عن النجباء من أبناء مصر الذين درسوا تحت إشراف المكتب الذى قضى فيه هو أكثر من أربعين عامًا ويتذكر دائمًا بالتقدير والاحترام اسم «عبدالعزيز حجازى» طالب بعثة الدكتوراه فى« لندن» فى خمسينيات القرن الماضى. ويجب أن أسجل هنا أن الدكتور« عبدالعزيز حجازى» يحظى باحترامٍ عربى وإسلامى ودولى لا نكاد نجد له نظيرًا لدى شخصية مصرية عامة أخرى، وهو أيضًا هادئ الطبع خفيض الصوت إلا إذا استنفر لسببٍ يتصل بوطنه أو دينه. وهو يترأس حاليًا اتحاد الجمعيات الأهلية المصرية بما فيها جمعيات الصداقة مع الدول الأجنبية ويكرس جل وقته لجمع التبرعات للأعمال الإنسانية والأنشطة التطوعية، ويترأس كذلك جمعية خريجى جامعة القاهرة التى يعد هو واحدًا من أبرز أبنائها. ولقد جمعتنى به منذ أسابيع قليلة ندوة فكرية ثقافية فى قاعة «أحمد لطفى السيد» تحت قبة الجامعة العريقة، وتحدثنا يومها كلٌ من زاوية تخصصه، فكان فى شرحه لظروف حرب أكتوبر وملابساتها الاقتصادية والمالية ما يؤكد الدور العظيم لذلك الوطنى المتألق فى كل الظروف، وأمام التحديات كافة. ولقد دعانى يومًا - منذ سنواتٍ قليلة - إلى العشاء فى منزله على شرف الأمير« الحسن» الذى كان وليًا لعهد الأردن وحضر لإلقاء محاضرة فى النادى الثقافى المصرى الذى يترأسه الدكتور «حجازى» منذ سنوات، ويومها كانت «عصمت هانم» هى المضيفة الراقية للجميع بلا استثناء، وعندما رحلت رفيقة العمر التى كانت تلميذته فى الجامعة تسلل الحزن الهادئ إلى وجه العالم الجليل وأصبح يتوكأ أحيانًا على عصاه، يخاطب الزمن الذى مضى والرفيقة التى رحلت، ولكن ظل الشموخ والكبرياء يتمثلان فى خطواته الثابتة وكلماته الواثقة. أمدَّ الله فى عمره خادمًا لوطنٍ يحبه وأمةٍ تقدره وشعبٍ لا ينسى فضل أبنائه العظام. |
رد: الدكتور مصطفى الفقى وهؤلاء
محمد حافظ إسماعيل
بقلم د.مصطفى الفقى ٣٠/ ١٠/ ٢٠٠٨ فى تاريخ الأمم وحياة الشعوب شخصياتٌ استثنائية قد لا يشعر الناس كثيرًا بوجودها ولكنهم بعد حين يفتقدون بشدة غيابها، وهذا النمط الرائع من البشر يعمل غالبًا فى صمت ويتحمل مسؤولياته فى كفاءة، ويقدم النموذج الرفيع الذى يجب أن يحتذى به الآخرون وأن تتعلق به الأجيال الجديدة بعيدًا عن أجواء الفساد والتخلف والذاتية، فلقد كان «محمد حافظ إسماعيل» مثالاً للمصرى الوطنى رفيع القدر مرفوع القامة عالى الهامة يتميز بالشموخ والكبرياء فى لحظات الانتصار والانكسار على حدٍ سواء، فلقد وصل إلى رتبة «لواء» بالقوات المسلحة المصرية فى أواخر الثلاثينيات من عمره، وعمل مديرًا لمكتب المشير «عبدالحكيم عامر» وكان مختصًا فقط بجوانب العمل العسكرى البحت من تدريب وتسليح وتنظيم وإدارة، وهو يعتبر الخبير الأول فى مفاوضات صفقة الأسلحة «التشيكية» فى منتصف الخمسينيات من القرن الماضى، والتى كانت بمثابة نقلة نوعية فى تسليح الجيش المصرى الحديث، وتميز دائمًا بالكفاءة المطلقة والجدية الكاملة ونظافة اليد وعفة اللسان، وعندما جاء إلى وزارة الخارجية المصرية فى مطلع الستينيات كان هو بحق العقل المنظم الذى أعطى الخارجية المصرية شخصيتها المطلوبة، فهو الذى قسمها إلى إدارات متخصصة ووضع قواعد محددة للتعيين والترقى والنقل إلى الخارج من حيث المناطق الجغرافية والمدد المرتبطة بكلٍ منها، ومازالت أجيال سبقتنا بسنواتٍ قليلة تتذكر «محمد حافظ إسماعيل» رئيس لجان الامتحان الشفهى للتعيين فى الخارجية، وأسئلته الدقيقة وملاحظاته الواعية بل ومداعباته الرقيقة، وعندما ذهب إلى باريس سفيرًا فى المرة الأولى وهو لا يتحدث الفرنسية لم تمض إلا شهور قليلة وكان «محمد حافظ إسماعيل» يدخل فى حوارٍ بالفرنسية مع الرئيس العملاق بطل التحرير «شارل ديجول»، وقد عمل أيضًا سفيرًا فى «لندن» وسفيرًا فى «موسكو»، ثم تم ترشيحه سفيرًا فى «الهند» ولكن الرئيس الراحل «أنور السادات» أجرى تعديلاً على الحركة الدبلوماسية قبل مغادرة «حافظ إسماعيل» القاهرة بأيامٍ قليلة لكى ينقله إلى«باريس» سفيرًا لدى فرنسا للمرة الثانية، وقد عمل «محمد حافظ إسماعيل» رئيسًا للديوان الجمهورى، ثم مستشارًا للأمن القومى فى فترة شديدة الحساسية بالغة الصعوبة من تاريخنا الوطنى وكنَّا نتندر، نحن شباب الدبلوماسيين، على صرامة «حافظ إسماعيل» وجبينه المقطب دائمًا وابتسامته الغائبة، فكنا نطلق عليه اسم «كيشنجر» على وزن نظيره الأمريكى «كيسنجر»، ولقد أبلى الرجل دائمًا بلاءً حسنًا فى المفاوضات والمباحثات والمنظمات لأنه كان صاحب عقلية مرتبة للغاية وشخصية جادة فى كل الظروف، وعندما أولانى السيد «عمرو موسى» وزير الخارجية - آنذاك - موقعى مديرًا لمعهد الدراسات الدبلوماسية عام ١٩٩٣ اقترحت تكريمًا سنويًا لإحدى الشخصيات البارزة فى تاريخ الدبلوماسية المصرية حتى يرى فيهم الدبلوماسيون الجدد قدوة تحتذى ونموذجًا يقتفى، ومازالت هذه السنة الحميدة تتواجد سنويًا مع زملائى السفراء من مديرى المعهد الدبلوماسى حتى الآن، ولقد بدأت هذه السلسلة من التكريم بالسيد «محمد حافظ إسماعيل» حيث دعوته متحدثًا إلى أبنائه من شباب السلك الدبلوماسى المصرى فى حضور مساعدى وزير الخارجية وعدد من البارزين الذين عملوا إلى جواره فى المواقع العسكرية والمدنية المختلفة، وأذكر ممن حضروا التكريم الدكاترة «أسامة الباز» و«على السمان» والسفيران «أحمد ماهر» و«على ماهر»، وقد حاول الدكتور «عصمت عبد المجيد» حضور تلك المناسبة، ولكن حالت ظروف ارتباط عمله أمينًا عامًا لجامعة الدول العربية دون ذلك، والجدير بالذكر أن الدكتور«عصمت» بتاريخه الطويل وخبرته العريقة قد عمل مديراً لمكتب «حافظ إسماعيل» فى مرحلة معينة، ومازلت أتذكر أن السيد «حافظ إسماعيل» فى يوم تكريمه بالمعهد الدبلوماسى كان ودودًا رقيقًا، كما أهديته يومها باسم الدفعة التى كانت تدرس بالمعهد «شهادة تقدير» تتضمن أسباب تكريمه والمحطات البارزة فى تاريخه النقى النظيف والمتألق المزدهر فى ذات الوقت، وتواصلت علاقتى بذلك الرجل العظيم خصوصًا أثناء عضويتنا معًا فى «لجنة العلوم السياسية» بالمجلس الأعلى للثقافة وكان معنا مديرٌ سابقٌ لمكتبه أيضًا هو السفير «عبد الهادى مخلوف» أطال الله فى عمره .. وذات يوم انسحب ذلك المقاتل «محمد حافظ إسماعيل» من ساحتى الحرب والدبلوماسية معًا ليزوى فى مقبرةٍ تذكِّر المصريين جميعًا بأن رجلاً عظيمًا قد رحل عن عالمنا تاركًا مدرستين ناجحتين فى القوات المسلحة ووزارة الخارجية، لقد مضى ولكن ذكره سوف يبقى بين الشوامخ من أبناء الكنانة. محمود نور الدين» بقلم د.مصطفى الفقى ٢٣/ ١٠/ ٢٠٠٨ إنها شخصية جدلية حار بشأنها المقربون منها واختلف حولها البعيدون عنها، إنه «محمود نور الدين السيد» قائد تنظيم «ثورة مصر» الذى تعقب عدداً من المسؤولين الإسرائيليين فى مصر من العاملين بسفارتها بالقاهرة، أو من شاركوا فى أحد الأعوام فى المعرض الدولى للكتاب بها. وترجع صلتى به إلى سنوات عملى فى السفارة المصرية بلندن مع بداية سبعينيات القرن الماضى فعندما بدأت العمل هناك لاحظت أن ذلك الشاب طويل القامة لطيف المعشر المعروف بالكرم والمروءة هو موظف محلى بالبعثة، ولكنه يتمتع بنفوذ أكبر من ذلك بكثير، فعلاقاته الشخصية واسعة وزواره الكبار كثر، ودعواته متكررة لحفلات الغداء والعشاء لى ولزملائى على شرف المسؤولين القادمين من مصر، كما أننى أتذكر أنه كان يقوم بمجاملة معروفة عندما يصل زميل جديد إلى السفارة فيقدم «محمود نور الدين» سيارته الشخصية الثانية ليستخدمها القادم الجديد حتى تصل سيارته المشتراة بعد عدة أسابيع. وقد عزز من صلتى به معرفته الواسعة بالناس، كما أن قرينته وأم بناته الثلاث السيدة «نادية سري» كانت زميلة عزيزة لى فى كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، وهى تنتمى إلى عائلة مرموقة تأكد لى من زواجها به أن أهميته تفوق ما نراه عليه فضلاً عن ثرائه الظاهر وجاذبيته الواضحة. وأتذكر له مواقف تتسم بالرجولة والشهامة معى ومع زملائى أيضاً فعندما مكثت فى لندن عامين إضافيين بعد انتهاء خدمتى الرسمية فى السفارة كى أستكمل دراستى للدكتوراه كان على أن أبعث إلى مصر بمنقولاتى وأثاث منزلى حتى أستفيد من الإعفاء الجمركى الخاص بالعودة إلى الوطن والمرتبط بفترة محددة، ولقد فوجئت به يبعث إلى بقطع أثاث مؤقتة على سبيل الإعارة لعدة أسابيع حتى أتمكن من تأثيث شقة الطالب الجامعى بديلاً عن مسكن المسؤول الدبلوماسى، وأتذكر عندما كنت أعمل فى الهند مع نهاية السبعينيات من القرن الماضى أن عدت إلى العاصمة البريطانية فى زيارة عائلية وفوجئت به يأتينى من العاصمة السويدية حيث كان يقيم فى تلك الفترة قائلا إنه عرف بوجودى فى لندن من صديق مشترك يعمل فى أحد البنوك وكان وقتها متورطاً فى حملة معارضة قوية ضد سياسات الرئيس الراحل «السادات» بعد توقيعه على «معاهدة السلام» مع إسرائيل، حيث أصدر «محمود نور الدين» صحيفة «٢٣ يوليو» تحت إشراف الكاتب المصرى الكبير «محمود السعدنى» ـ شفاه الله وعافاه ـ وكان هدف لقاء «محمود نور الدين» بى أثناء زيارتى الخاطفة للندن هو تحميلى رسالة للتوسط وإصلاح ذات البين مع المسؤولين الذين يمكن أن أصل إليهم فى القاهرة، وبالفعل قابلت السفير «حسن أبو سعدة» سفير مصر فى لندن حينذاك ـ شفاه الله وعافاه ـ وأطلعته على تفاصيل اللقاء وأهدافه فأبدى السفير ـ وهو أحد أبطال حرب أكتوبر ـ تفهماً لما فعلت ووعد بتأييد المسعى. ولقد سمعت عن «محمود نور الدين» روايات كثيرة فمن قائل أنه قد قتل أحد أصدقائه السابقين فى لندن تعذيباً على مدى ثلاثة أيام انتقاما من خيانته له، ومن قائل آخر إنه كان رجل المخابرات المصرية فى العاصمة البريطانية وقائل ثالث إنه كان مقامرا ومغامرا جاءته الثروة بعد أن عمل فى المكتب التجارى المصرى فى لندن قبل أن يلتحق بوظيفته المحلية فى السفارة المصرية، ولكننى أشهد الله أننى لم أر من ذلك الرجل إلا كل الخصال الحميدة والصفات الطيبة، وعندما جرى اقتحام مسكنه فى القاهرة للقبض عليه كمتهم بقيادة «تنظيم ثورة مصر» الذى مارس سلسلة من محاولات الاغتيال ضد بعض الشخصيات الإسرائيلية طالب «محمود نور الدين» فى بداية التحقيق معه بضرورة حضور شخصية يثق فيها وذكر اسمى تحديدا رغم موقعى الحساس حينذاك كسكرتير للسيد رئيس الجمهورية للمعلومات، حتى ظهرت صحيفة «الأهالي» فى اليوم التالى بعنوان هو «محاولة الزج باسم مسؤول برئاسة الجمهورية فى قضية أمنية كبرى» ولقد انقطعت صلتى د »محمود نور الدين« فى سنواته الأخيرة، وعندما جاءتنى ابنته ـ وهو يقضى عقوبة السجن المؤبد بعد أن خانه شقيقه وأبلغ عنه السفارة الأمريكية بالقاهرة ودل على محل إقامته ـ تطلب منى شهادة شخصية للسلطات البريطانية وتوقيعاً على استمارة طلبها جواز سفر بريطانى تستحقه بحكم المولد لم أتردد لحظة واحدة فى أن أفعل ذلك، وقد علمت منها بعد ذلك أن والدها قد تأثر كثيراً من موقفى وأرسل لى من محبسه بخالص تحياته وصادق دعواته، ثم فوجئت ذات صباح بنبأ رحيله عن عالمنا وهو فى محبسه رافضاً للتطبيع مقاوماً للوجود الإسرائيلى فى المنطقة. وقد يختلف البعض عليه أو يتفق معه ولكنه يبقى فى النهاية ظاهرة تستحق الدراسة والبحث على المستويين الشخصى والرسمى .. رحمه الله وهو فى رحاب ربه يحكى قصته فى الملأ الأعلى ويفتح صندوق أسراره الذى لم نتمكن من معرفة خباياه فى عالمنا الزائل. |
رد: الدكتور مصطفى الفقى وهؤلاء
الملكة إليزابيث الثانية
بقلم د. مصطفي الفقي ١٦/ ١٠/ ٢٠٠٨ التحقت بالسلك الدبلوماسي المصري في نهاية عام ١٩٦٦، ونُقلت بعدها بأربع سنوات إلي القنصلية العامة في لندن، ثم السفارة المصرية بها.. وكانت التقاليد الملكية البريطانية ـ ولا تزال ـ تقضي بلقاءين سنويين بين صاحبة الجلالة وأعضاء السلك الدبلوماسي الأجنبي في بريطانيا، من خلال حفلتين إحداهما شتوية داخل قصر «باكنجهام»، والثانية صيفية في حدائق القصر، وكان نظام السفارة المصرية يقضي بأن يصطحب السفير المصري معه الملحق العسكري واثنين أو ثلاثة من أعضاء السفارة. من بينهم أحدث دبلوماسي فيها، وبذلك أتيحت لي الفرصة في سنٍ مبكرة أن أدخل قصر «باكنجهام» ضمن وفد السفارة، المصرية الذي تستقبله الملكة، ويتشرف أعضاؤها بمصافحتها وهم يتقدمون نحوها خلف سفيرهم، وأمضينا عدة أيام قبل الحفل نستأجر بدلة التشريفة الرسمية التي سوف نرتديها يوم لقاء الملكة، مع بعض التعليمات البروتوكولية الخاصة بالانحناءة الخفيفة أمام جلالتها علي أن نخاطبها في البداية بـ «صاحبة الجلالة»، فإذا استطردت في الحديث تكون مخاطبتها بعد ذلك بعبارة «سيدتي». وفي يوم الاحتفال تقدمنا سفيرنا الراحل السيد «كمال الدين رفعت» لنقف وجهًا لوجه ـ في حديثٍ قصير ـ مع الملكة «إليزابيث الثانية» وزوجها الأمير «فيليب»، الذي بادرنا بصوتٍ مرتفع، وهو من أصلٍ يوناني ويتحدث مثل شعوب البحر المتوسط دون التقيد كثيرًا بآداب الخطاب الملكي: «ما معني الجمهورية العربية المتحدة؟»، وكان ذلك لا يزال هو الاسم الرسمي للدولة المصرية قبل صدور دستور ١٩٧١ الذي جعل اسم الدولة هو «جمهورية مصر العربية»، ثم أضاف زوج الملكة، بلهجة جادة لا تخلو من انفعال، قائلاً : «إن اسم مصر هو واحدٌ من أقدم الأسماء في تاريخ البشرية، ولا يجوز أن يختفي أبدًا»، وأضاف الأمير «فيليب»: من قال لكم إنكم عرب؟، إننا عندما نتحدث عن منطقتكم نقول «مصر والدول العربية» تمييزًا لتاريخكم واحترامًا لحضارتكم! وبدت الملكة محرَجة من حديث زوجها الذي يفتقد اللياقة، وقد لا يخلو أيضًا من شبهة التدخل في الشؤون الداخلية لدولة محورية في العالم العربي، ولقد علمت أن الأمير «فيليب» قد كرر نفس السؤال علي وفد السفارة المصرية الذي ذهب في العام التالي للمناسبة ذاتها وعندما علم أن كلمة «مصر» قد ظهرت من جديد في الاسم الرسمي للدولة أبدي ارتياحه لذلك، وتمني التركيز المستمر علي الهوية الأولي للدولة المصرية، وعندما ذهبت في عام آخر إلي الحفلة الصيفية في حدائق القصر، ألزمنا البروتوكول البريطاني بأن ترتدي زوجات الدبلوماسيين قبعاتٍ لابد منها عند لقائنا الأسري بالملكة، في ذلك الحفل السنوي الصيفي المفتوح الذي تبدو فيه القيود البروتوكولية أقل من الحفل الشتوي داخل القصر، ثم شاءت الأقدار أن أعمل بعد ذلك بسنوات في مؤسسة الرئاسة بالقاهرة، وأن أكون ضمن الوفد المصاحب لرئيس الجمهورية في زيارته الرسمية (زيارة دولة) إلي العاصمة البريطانية في الثالث والعشرين من يوليو عام ١٩٩١، وتابعت عن قرب واحدة من طرائف تلك الملكة العريقة التي تتصف بالرقي والوداعة والهدوء، فقبيل وصول «الرئيس مبارك» والسيدة قرينته إلي قصر «باكنجهام» للإقامة في الجناح المخصص تكريمًا لهما في الضيافة الملكية، كان لابد أن يتولي الحرس الجمهوري المصري تفتيش الجناح وحراسته قبل وصول الرئيس بيومٍ كامل علي الأقل، وقد فوجئ ضابط المفرقعات المصري بأن الأميرة «مارجريت» شقيقة الملكة ـ التي توفيت منذ سنوات ـ تدخل الجناح من بابٍ خلفي لتستخدم حمام السباحة فيه، فيضطر الضابط المصري إلي إجراء عملية التفتيش من جديد فور مغادرة الأميرة له، فوقف علي باب الجناح محتجًا بسبب تكراره لعملية التفتيش بشكل مرهق، ثم رأي سيدة وقوراً تمضي من أمامه وهي تلبس رداءً أبيض وحذاءً خفيفًا، وتبتسم له في بساطة، فظن أنها إحدي مشرفات القصر فاتجه إليها قائلاً بإنجليزية بسيطة: (يا سيدتي إنني كلما انتهيت من تفتيش الجناح فتحته الأميرة «مارجريت» من الجانب الآخر، فأضطر إلي إعادة التفتيش مرة أخري)، فابتسمت له قائلة: (لا تقلق.. سوف أحل لك المشكلة)، وكان يتابعه علي الجانب الآخر من الردهة أعضاء مقدمة سكرتارية الرئيس المصري الضيف، وأدركوا علي الفور من ملامحها أن التي تحدث إليها الضابط هي الملكة «إليزابيث الثانية» ذاتها وصاحوا ينبهونه إلي ذلك، فكاد ينهار من فرط المفاجأة حتي فوجئ بها تعود إليه بابتسامة حانية والضابط الشاب ينظر إلي الأرض في اضطراب ويردد كلمة «الملكة.. الملكة»، وقالت له: (لن تتعب بعد الآن فقد أغلقنا الباب الخلفي للجناح)، ثم داعبته بكلمات قليلة، بينما كاد هو يفقد الوعي، وزملاؤه ينظرون إليه علي الجانب الآخر بضحكات مكتومة ودهشة شديدة. تلك هي ملكة بريطانيا، التي تعيش في بلاط «سان جيمس»، وتتربع علي عرش المملكة المتحدة منذ عام ١٩٥٣ حتي الآن، وتأبي التنازل لابنها الأمير «تشارلز» ـ الذي تجاوز هو الآخر الستين من عمره ـ عن العرش، لأن دفء الكرسي يجذب صاحبه إليه حتي النهاية.. إنها الملكة التي تصرفت بهدوء وشجاعة أمام الأزمات العاصفة التي اجتاحت عرش الإمبراطورية، التي كانت «لا تغرب عنها الشمس»، وعرفت المآسي الكبري في حياة تلك العائلة التعيسة أحيانًا، رغم أبهة الحكم وجلال العرش، فمن شقيقة مدمنة رحلت عن عالمنا، إلي أميرةٍ متمردة أطاحت بسمعة ولي العهد، إلي زوجةٍ جديدة له لا تملك جاذبيةً تشدها مع زوجها نحو العرش المنتظر.. إنها إليزابيث الثانية الصامدة التي رحلت أمها منذ سنواتٍ قليلة بعد أن جاوزت المائة من عمرها.. فأبشري يا صاحبة الجلالة بطول العمر، أما أنت أيها الأمير «تشارلز» فإن انتظارك قد يطول كثيرًا! الفريق «الليثي نـاصف» بقلم د. مصطفي الفقي ٩/ ١٠/ ٢٠٠٨ في الصباح الباكر لأحد أيام صيف ١٩٧٣ كنت قنصلاً لمصر بالإنابة في العاصمة البريطانية واتصل بي المرحوم الدكتور «عبدالغفار خلاَّف»، المستشار الطبي للسفارة المصرية في لندن ليبلغني بسقوط الفريق «الليثي ناصف» قائد الحرس الجمهوري السابق والسفير المصري المرشح لدولة اليونان من شرفة الشقة التي يقيم بها في برج «ستيوارت» بمنطقة «ميدافيل»، وأن الفريق قد توفي بالفعل فور ارتطامه بأرض الشارع، وأن البوليس يطوِّق المنطقة، كما بدأ توافد بعض الصحفيين إرضاءً للفضول الإعلامي بسبب أهمية الفريق الراحل، فتوجهت علي الفور إلي مكان الحادث، وما إن وصلت وصعدت إلي الطابق الحادي عشر، حيث كان يقيم، وجدت المشهد الحزين لأرملته وابنتيه، وكان واضحًا أن عنصر المفاجأة الأليمة قد أطاح بتوازن رفيقة حياته، التي كانت تبكي في حرقة، وتطالب بدفنه بعد الاتصال بالملك «حسين» عاهل الأردن والملك «الحسن» عاهل المغرب لأنهما من سلالة «النبي صلي الله عليه وسلم»، وتضيف السيدة الحزينة التي تنحدر من أصول تركية واضحة أن هناك مؤامرة هي التي أودت بحياة الفريق «الليثي ناصف»، ورددت كثيرًا أنه تم الخلاص منه بسبب اعتزازه الشديد بالرئيس «عبدالناصر» حتي إنه أطلق اسم «هدي» و«مني» علي ابنتيه تيمنًا بابنتي الرئيس الراحل، وظلت السيدة المكلومة تتحدث بطريقة تلقائية أقرب إلي الهذيان منها إلي الكلام الواضح، عندئذٍ وصل السفير «كمال رفعت» سفير مصر لدي المملكة المتحدة حينذاك والوزير المفوض «نبيل حمدي»، فحاولت زوجة الفريق الراحل إجراء مكالمتين تليفونيتين مع «عمَّان» و«الرباط»، ولكنها لم تنجح في ذلك حتي وصل ابنها الكبير من زواجٍ سابق لها، والذي كان يبكي بطريقة غير مسبوقة ويقول: «إن الفريق هو الذي رباني بعد وفاة والدي، فهو أبي الحقيقي»، وهذا يدل علي شخصية «الليثي ناصف» النقية الطيبة، ولقد علمت يومها أن الفريق وأسرته قد انتقلوا إلي هذه الشقة قبل الحادث بيوم واحد، وأنها مملوكة لابن أحد المسؤولين في رئاسة الجمهورية المصرية وشريكه الراحل «نور الدين السيد» قائد «تنظيم ثورة مصر» الذي توفي بالسجون المصرية منذ سنوات قليلة. وقد بدأت إجراءات التحقيق في الحادث للتفرقة بين احتمالات ثلاثة أولها أنه سقوط لا إرادي، لأن الفريق كان يعاني ضمورًا في المخ ولا يستطيع الاحتفاظ بتوازنه مع طول قامته، والاحتمال الثاني هو الانتحار، وهو احتمالٌ يكاد يكون معدومًا لمن يعرفون الفريق وإيمانه وخلقه، أما الاحتمال الثالث فيحوم حول الشبهة الجنائية بقذف الفريق من الشرفة من الدور الحادي عشر في برجٍ عرف فيما بعد حالاتٍ مماثلة، منها سقوط الفنانة المصرية الشهيرة «سعاد حسني»، ولقد اهتم الرئيس السادات كثيرًا بالحادث وكان رئيس الديوان الجمهوري السيد «حافظ إسماعيل» يجري اتصالات يومية معنا في لندن لمتابعة التحقيق البريطاني في الحادث وجري إيفاد كبير العائلة المرحوم «النبوي ناصف» وهو والد صديقي اللواء «نبيل» الذي عمل سنواتٍ في الأمانة العامة لمجلس الشعب بعد انتهاء خدمته في مباحث أمن الدولة والذي تربطني به صلة تمتد إلي أكثر من خمسةٍ وثلاثين عامًا كما حضر أيضًا الدكتور «صلاح سليمان» ابن أخت الفريق وهو أستاذ «السمعيات» الشهير بجامعة عين شمس، ولكن الجانب البريطاني احتجز الجثمان قرابة أسبوعين كاملين لمزيدٍ من التحقيقات، وعقد جلسة حضرتها في المحكمة بالنيابة عن القنصلية المصرية وجري فيها الاستماع إلي أقوال ابنته الكبري «مني» وكانت فتاة عاقلة وهادئة، كما استمع إلي أقوال شاهد عيان كان يقف في شرفةٍ قريبة من شرفة الفريق حيث رآه وهو يترنح بجوار حافة شرفته حتي اختل توازنه وسقط مرتطمًا بأرضية الشارع، عندئذٍ وافقت السلطات البريطانية علي الإفراج عن جثمان الفريق ليجري دفنه في وطنه عبر موكبٍ حزين توديعًا لقائدٍ عسكري تميزت حياته بالشرف والنزاهة واحترام الشرعية، فهو البطل الحقيقي لانقلاب ١٥ مايو ١٩٧١ الذي جري فيه اعتقال خصوم الرئيس «السادات» ليستقر له الحكم وتستتب له الأمور وكأنها «مذبحة القلعة»، ولكن دون إراقة دماء، فلقد التزم «الليثي ناصف» بقسم الولاء لرئيس الجمهورية وتصرف كما يتصرف الكبار احترامًا للمنصب وتمسكًا بالشرعية الدستورية، ولكن يبدو أن من يري الكبار في لحظة ضعف فإن إبعاده يصبح مطلوبًا في كل الظروف! ولقد تناولت الغداء ذات مرةٍ مع الفريق «الليثي» قبل وفاته بأسبوع تقريبًا علي مائدة القنصل العام السفير «محب السمرة»، ولاحظت أن ذلك القائد العسكري هادئ الطبع رقيق الخلق يمثل نموذجًا للعسكري المحترف، الذي لا تبدو له صلة بالسياسة من قريبٍ أو من بعيد، وبرحيله طويت صفحةٌ غامضة من صفحات التاريخ المصري المعاصر، رحم الله «الليثي ناصف» ابنًا بارًا للوطن ونموذجًا محترمًا للعسكرية المصرية |
رد: الدكتور مصطفى الفقى وهؤلاء
المشير أحمد إسماعيل
بقلم د. مصطفي الفقي ٢/ ١٠/ ٢٠٠٨ لم يجمعني بذلك القائد العسكري العظيم إلا أسبوع النهاية، عندما كنت أعمل بالسفارة المصرية في «لندن»، ووصل الصديق «محمد أحمد إسماعيل»، الدبلوماسي الشاب، في صحبة والده المريض، بعد أن قاد القوات المسلحة المصرية في حرب أكتوبر الظافرة. ولقد وصل المشير إلي العاصمة البريطانية مرهقاً وقد نال منه المرض واستبد به الداء اللعين، فأُدخل علي الفور إلي مستشفي «ويلنجتون» في شمال غرب العاصمة البريطانية، علي مسافة خمس دقائق سيرًا علي الأقدام من منزلي حينذاك، وكان بصحبته أيضًا رفيقة حياته والدتنا الفاضلة السيدة «سماح شلقاني». ولقد استقبله في مطار «هيثرو» السفير المصري الفريق «سعد الدين الشاذلي» وقد كان ذلك هو واجبه الوظيفي والتزامه العسكري، برغم ما كان بين الرجلين من ود مفقود، بل وعداء معروف، وتعود علاقتي بالصديق «محمد إسماعيل» إلي عدة سنوات قبل ذلك. وهو بالمناسبة دبلوماسي هادئ ونابه، اختتم حياته الوظيفية مساعدًا لوزير الخارجية، بعد أن كان سفيرًا مرموقًا لمصر بالعاصمة السورية، كما أنه صاحب دور مهم عشية الخامس عشر من مايو ١٩٧١، فهو الذي أدخل والده الراحل إلي مبني المخابرات العامة، التي كان يعمل فيها الابن. وكان من الصعب دخول الرئيس الجديد لذلك الجهاز العريق فجأة ودون مقدمات، إلا إذا تم الأمر بالصورة التي حدثت، وهي أن يصطحب الابن أباه في سيارته في الصباح الباكر إلي مكتب رئيس الجهاز ليباشر مهام منصبه الجديد دون صدام محتمل أو مشاكل متوقعة، ويبدو أن ذلك التخطيط العبقري لعملية الاقتحام السلسة، في ظل ظروف ذلك الوقت العصيب، كانت واحدة من نتاج فكر «السادات» ودهائه الفطري، ولقد كان ارتباط الابن بأبيه قوياً وعميقاً، لذلك كانت عاطفة «محمد إسماعيل» تجاه والده شديدة وتأثره بمرضه كبيراً. ولحسن الحظ أن المشير «أحمد إسماعيل» لم يفقد وعيه إلا ما قبل وفاته بساعات قليلة، بل كان مبتسماً هادئاً طوال الأيام التي زرته فيها، وكان يسألني دائماً: ما هي أخبارك مع السفير «سعد الشاذلي»؟ وأعترف هنا بأنه كان يتحدث عنه باحترام، رغم أنه كان واضحاً لي أن تاريخ العلاقة بينهما لم يكن طيباً في مجمله، رغم أنهما عملا معاً في أهم مرحلة في تاريخ مصر الحديث، وهي مرحلة صنع انتصار أكتوبر العظيم. كما كان الرجل يتحدث عن مصر وأمله في العودة إلي عمله وتحمل مسؤولياته ومشاركة الرئيس الراحل «السادات» خطواته التي أعقبت عمليتي فك الاشتباك علي الجبهة المصرية، وذات صباح اتصل بي صديقي «محمد أحمد إسماعيل» وقال لي إن والده يتنفس بصعوبة وإن صدره يرتفع ويهبط بشدة. عندئذ شعرت بدنو الأجل وبأن ساعة الرحيل قد اقتربت، فذهبنا إليه في المستشفي وكان معنا زميلنا الثالث الدبلوماسي في السفارة «محمد أنيس»، وهو صديق قريب أيضاً إلي زميلنا ابن المشير وعندما صعدت روح القائد العظيم إلي بارئها احتشد العشرات من السفارة والمكتب العسكري والجالية المصرية. وانعكست المأساة علي وجه الأرملة الصامدة التي لم تتوقف دموعها لحظة واحدة، خصوصاً أنها شهدت إلي جوار زوجها لحظات الانكسار والانتصار، فالمعروف أن اللواء «أحمد إسماعيل» قد شغل منصب رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية عقب استشهاد الفريق «عبدالمنعم رياض». ثم ترك موقعه بعد حادث سرقة الرادار الشهيرة، ويومها ظلمته صحيفة «الأهرام» وكتبت أن اختيار اللواء «أحمد إسماعيل» لرئاسة الأركان كان قراراً متعجلاً، لأن الرجل أمضي جزءاً كبيراً من حياته في إدارة النقل بالقوات المسلحة! وأتذكر يومها أن التعليق لم يعجبني، لأنني كنت أعرف جدية الرجل وأدرك أن ملابسات سرقة الرادار كانت حادثاً عابراً لا يقاس عليه، حتي إن أحد زملاء دفعتي كان مجنداً في الوحدة العسكرية المسؤولة عن ذلك الجهاز، وأصدرت المحكمة العسكرية حكماً بإعدامه هو وعدد من زملائه وأقمنا الدنيا ولم نقعدها حينذاك، حتي تم تخفيف الحكم إلي السجن، وأعني بذلك زميلي الفاضل الأستاذ «مدحت أيوب».. تلك شهادة للتاريخ أقولها وأنا أتذكر تلك الأيام القليلة التي قضيتها إلي جوار فراش مرض ابن مصر البار المشير «أحمد إسماعيل»، ولحسن حظي فإن علاقتي لاتزال متواصلة مع صديقي المعروف بدماثة الخلق ونقاء القلب، السفير «محمد أحمد إسماعيل» ووالدته الفاضلة، التي أعمل نائباً لها في رئاستها لجمعية مرضي السرطان وأتشرف بعملها معي في مجلس إدارة جمعية الصداقة المصرية النمساوية، وقد كرست سنوات عمرها الباقية في خدمة المشروعات الخيرية في صمت وهدوء.. رحم الله واحداً من أبطال مصر.. إنه قائد القوات المسلحة في حرب العبور العظيم يوم السادس من أكتوبر عام ١٩٧٣ شمس بدران بقلم د.مصطفى الفقى ٢٥/ ٩/ ٢٠٠٨ كان يبدو كالشخصية الأسطورية الغامضة بحكم ارتباطه بالمشير «عبدالحكيم عامر» النائب الأول لرئيس الجمهورية، ونائب القائد الأعلي للقوات المسلحة، بل إن العقيد «شمس بدران» انفرد أيضاً من بين رجال المشير بقربه من الرئيس «جمال عبدالناصر» حتي إن البعض قد بلغ به الشطط فاعتبر أن «شمس بدران» كان عيناً «لعبدالناصر» علي «عامر»، لذلك تم تعيينه وزيراً للحربية متجاوزاً مئات الأقدميات باعتبار ذلك تعييناً سياسياً لا يخضع لقواعد روتينية، وكان «شمس بدران» ذا شخصية مهابة يتمتع بنفوذ واسع داخل القوات المسلحة والمكاتب الرئاسية في الدولة حتي بدأت تنسج حوله القصص ويتحدث العامة عن دوره باعتباره واحداً من أكبر مراكز القوي مع منتصف ستينيات القرن الماضي عندما كان العصر الناصري يتجه بسرعة نحو حالة الارتباك التي مهدت لهزيمة يونيو ١٩٦٧، ونحن نتذكر الزيارة الشهيرة لوزير الحربية المصري «شمس بدران» إلي «موسكو» لاستطلاع رأي السوفيت في دورهم المنتظر إذا نشبت الحرب في الشرق الأوسط عندما عاد ذلك المسؤول المصري الكبير بانطباع تشكل لديه ولدي أعضاء الوفد بأن الاتحاد السوفيتي السابق سوف يحارب جنباً إلي جنب مع القوات المسلحة المصرية لو تعرضت لعدوان إسرائيلي، وأن الروس لن يبخلوا بأي دعم عسكري أو «لوجيستي» تحتاجه مصر في مواجهتها مع إسرائيل، ولقد اتضح بعد ذلك أن الانطباع لم يكن صحيحاً وأن الموقف لم يكن واضحاً للطرفين بالشكل المطلوب! وقد جمعتني بالسيد «شمس بدران» عدة مناسبات في العاصمة البريطانية عندما غادر مصر في إطار صفقة سياسية يتفادي هو فيها التقديم للمحاكمة علي أن يغادر البلاد وأن يلزم الصمت، وقيل إن الرئيس «السادات» نفسه قد وافق علي هذه المعادلة لأن «شمس بدران» كان يعرف الكثير وفي جعبته ما هو أكثر، كما أن خزانته تضم من الأحاديث ما يكفي لابتزاز بعض القيادات إذا لزم الأمر، ويكفي أن نتذكر أن مكانة «شمس بدران» لدي المشير «عبدالحكيم عامر» قد بلغت درجة رشح فيها المشير مدير مكتبه السابق «شمس بدران» لكي يكون رئيساً للجمهورية إذا انسحب «عبدالناصر» و«عامر» معاً من المسرح السياسي بحكم مسؤوليتهما عن «النكسة»، وفي كل لقاءاتي مع السيد «شمس بدران» رأيته شخصية متحفظة وهادئة. وذات مرة كنت أقوم بتوصيله بسيارتي إلي إحدي محطات المترو الأرضي لأنه كان يسكن علي مشارف العاصمة البريطانية طلب مني تغيير مسارنا نحو المحطة المطلوبة ثلاث مرات! وقد قال لي أحد أصدقائه إن السيد «شمس بدران» كان يملأ سيارته بالوقود ذات مرة من إحدي محطات «البنزين» في العاصمة البريطانية وخرج منها فجأة عندما لاحظ وجود بعض الأشخاص من ذوي الملامح الشرق أوسطية فلقد كان الرجل شديد الحساسية تجاه أمنه الشخصي في تلك الفترة، وكان يخشي أن يكون هناك من يتعقبه من الأجهزة المصرية أو بعض الجماعات الدينية كنوع من تصفية الحسابات معه علي سنوات السلطة المطلقة التي كان هو أحد رموزها البارزة. وأذكر أيضاً أنه عندما قتل «علي شفيق» المدير السابق لمكتب المشير وكان ذلك في العاصمة البريطانية مع بداية النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي ـ وقد كان زوجاً للفنانة الراحلة «مها صبري» وملاكماً سابقاً إلي جانب سطوته ونفوذه الكبيرين ـ وأظن أنه قد قتل في شقته بعد مقاومة عنيفة مع شخصين قاما بزيارته واختلفا معه علي توزيع نسب العمولة في إحدي صفقات تجارة السلاح لواحدة من ميليشيات الحرب الأهلية اللبنانية، خصوصاً أنني أتذكر أن السيد «علي شفيق» كان قد قال لي بنفسه قبيل مصرعه بأيام عندما زارني في مبني السفارة إنه يقوم بإتمام «صفقة العمر» ويريد أن يتقاعد بعدها دون أن يحدد لي ما يقصده بالضبط من ذلك، ولقد تردد حينها أن الشرطة البريطانية قد وجدت مليون جنيه إسترليني نقداً في شقته لم يتنبه إليها القاتلان اللذان أصيب أحدهما إصابة بالغة بدليل وجود دماء من غير فصيلة السيد «علي شفيق» في مسرح الجريمة. أشير إلي ذلك كله لأنني أظن أن السيد «شمس بدران» قد انزعج لمصرع العقيد المتقاعد «علي شفيق» شريكه السابق في إدارة مكتب المشير وظن بحسه الأمني أن الجريمة قد تكون بداية لحملة تصفيات ضد بعض رموز عصر «ناصر ـ عامر» وقد اتصل بي هاتفياً قلقاً وقال لي أريد منك إجابة واضحة هل اغتيال السيد «علي شفيق» جريمة سياسية أم جنائية؟ فأكدت له أنها ليست سياسية بالمرة، ويجب أن أعترف هنا أن السيد «شمس بدران» كان يبدو لي شخصية قوية متماسكة في كل الظروف وكانت إلي جانبه زوجة فاضلة مثقفة من بيت مصري عريق عملت في الجامعة الأمريكية بالقاهرة لسنوات طويلة بعد انفصالها عنه. وقد حكي لنا السيد «شمس بدران» أن فنان الشعب الموسيقار الكبير «محمد عبدالوهاب» كان يأتيه في بعض الأمسيات ليدندن له علي العود، فتلك كانت سمة العلاقة بين أهل الفن ورجال السلطة في ذلك العصر! ولا يزال السيد «شمس بدران» يعيش في بريطانيا يلوك ذكريات العمر ويجتر أحداث الماضي ويعزف تماماً عن الحياة السياسية، بل يوجز في حياته الاجتماعية وأعترف أنني لم أسمع منه أو عنه كثيراً علي امتداد الثلاثين عاماً الماضية.. إنه عصر ولي برموزه ولكن بقيت آثاره في حياتنا المصرية وبصماته في تاريخنا الحديث حتي الآن. |
رد: الدكتور مصطفى الفقى وهؤلاء
[align=center]صالح سليم
بقلم د.مصطفى الفقى ١٨/ ٩/ ٢٠٠٨ لم أكن متهمًا في مراحل حياتي المختلفة بالاهتمام بالرياضة البدنية أو عشق كرة القدم، بل إن من النوادر التي أتذكرها جيدًا أن شقيقي الأكبر سألني مازحًا ذات يوم وهو يقرأ صفحة الرياضة بإحدي الصحف: هل تعرف من هو «ألدو»؟ فكانت إجابتي: ربما يكون ممثلاً أجنبيا لم أسمع عنه! والمعروف أنه كان أحد نجوم كرة القدم المصرية في ذلك الوقت، كما أنني أتذكر أيضًا أن اللاعب الشهير «محمود الخطيب» قد زار «لندن» في أوائل السبعينيات وفي مطلع سنوات شهرته ولم أكن أعرفه عندما قدمني إليه صديقنا المشترك المرحوم «أحمد سلطان»، ولاشك أن «محمود الخطيب» قد اندهش لأن مواطنًا مصريا لم يكن يعرفه، وقد توطدت علاقتي به بعد ذلك، وعرفت قدره في تاريخ الرياضة المصرية، أسوق هذه المقدمة لكي أقول أن اهتمامي بالرياضة يأتي دائمًا من منظور وطني ومن منطلق سياسي وليس من اهتمام بكرة القدم في إطارها الرياضي وحده فأنا أنظر إلي النادي «الأهلي» ـ مثلاً ـ باعتباره النادي الرياضي المرتبط بالحركة الوطنية وحزب «الوفد» والحركة الشعبية للجماهير، وهو النادي الذي عرف أسماء مثل «سعد زغلول» و«فؤاد سراج الدين» وغيرهما من رموز الوطنية المصرية، أما نادي «الزمالك» فإنني أنظر إليه أحيانًا علي أنه كان نادي الأجانب «المختلط» أو نادي القصر المسمي في مرحلة ما قبل الثورة «نادي فاروق»، مع اعتذاري لزميل دراستي الصديق «ممدوح عباس»، وقد لا يكون هذا التقسيم دقيقًا، بل قد يكون معيبًا، فالرياضة تجمع ولا تفرق وتساوي ولا تميز، كما أنها ليست انعكاسًا للسياسة، بل إن السياسة هي التي تستفيد منها أحيانًا وتوظفها لخدمة بعض حالات المصالحة الوطنية والدولية، حتي ظهر في العقود الأخيرة وعن حق تعبير «دبلوماسية الرياضة»، لذلك ظل اسم «صالح سليم» نجمًا ساطعًا في سماء مصر والعالم العربي باعتباره «كابتن مصر» لسنواتٍ طويلة، ثم رئيسًا للنادي الأهلي لعدة فترات، وصاحب الشخصية القوية ذات «الكاريزما» المشهودة والجاذبية التي جعلته شخصية عامة في تاريخ الوطن، وليس مجرد لاعب شهير لكرة القدم، بل لقد تجاوز عالم الرياضة إلي عالم الفن حتي بقي فيلم «الشموع السوداء» علامة في تاريخه وجزءًا من تاريخ السينما المصرية الحديثة، ولقد ربطتني بالبطل الرياضي الراحل علاقات قوية منذ مطلع السبعينيات من القرن الماضي، بدأت في مدينة «لندن» عندما كنت منتدبًا للعمل في «غرفة التجارة العربية البريطانية»، بعد انتهاء فترة عملي بالسفارة المصرية بلندن، وبقائي بالعاصمة البريطانية لاستكمال دراستي للحصول علي الدكتوراه في الاقتصاد والعلوم السياسية من «كلية الدراسات الشرقية والأفريقية»، وقد كنت رئيسًا لقطاع العضوية بالغرفة الوليدة وكان معي الصديق «فؤاد أبوغيدة» حارس مرمي النادي الأهلي في الستينيات من القرن الماضي وهو فلسطيني الأصل مصري الهوي، لذلك عندما زاره صديقه الراحل «صالح سليم» ومعه الصديق «مروان كنفاني» سنحت لي الفرصة للتعرف عن قرب بكابتن مصر والخروج مع مجموعته في جولات عديدة بالعاصمة البريطانية، وأتذكر أن سيارة أحدنا قد تعطلت في إحداها وظللنا ندفعها وكان «صالح سليم» أشدنا بأسًا مع أنه أكبرنا سنًا! ولقد أتاحت لي الظروف بعد ذلك التواصل معه عبر السنين، بل وحملت له عبر الهاتف ذات يوم تهنئة رئيس الجمهورية بمناسبة فوزه برئاسة النادي الأهلي في المرة الأولي، ولا يختلف اثنان علي الشعبية الكاسحة التي تمتع بها «صالح سليم»، حتي كان مشهد جنازته عالقًا في الذاكرة المصرية حتي اليوم، ولا عجب فهو أيضًا الصديق القريب من فنان مصر الراحل «عبد الحليم حافظ» إلي جانب كوكبة من المثقفين والفنانين اندمج فيهم «صالح سليم» وتعايش معهم وظل متألقًا بينهم بشخصية مرموقة تتسم بكبرياء واضح وتتصف باعتزاز شديد بالنفس والنادي الذي يترأسه، والوطن الذي ينتمي إليه بصورةٍ جعلت منه واحدًا من رموز مصر وجزءًا من ظاهرة شعبية إيجابية لا تغيب عن الوجدان. إنه «صالح سليم» الذي أتذكر دائمًا لقاءاتي معه وأحاديثنا المتبادلة وتندره الدائم علي جهلي بالرياضة وعالمها واهتمامي بكرة القدم في حالة واحدة فقط وهي حينما يلعب الفريق القومي مع فريقٍ أجنبي وكان يقول لي ساخرًا: حتي هذه تريد أن تلعب فيها السياسة؟! كما عرفت من نوادره وسجاياه الكثير من خلال من كانوا أكثر قربًا منه مثل المهندس «إبراهيم المعلم» رئيس اتحاد الناشرين والكابتن «حسن حمدي»، الذي تولي رئاسة النادي الأهلي بعد رحيل نجم النجوم «صالح سليم»، رحمه الله فلقد كان واحدًا من رموز العصر الجميل، الذي انتهي وقد لا يعود! فرانسوا ميتران بقلم د.مصطفى الفقى ١١/ ٩/ ٢٠٠٨ تعاودني بين حين وآخر عقدة مزمنة مردها أنني كنت أود أن أدرس القانون بدلاً من الاقتصاد والعلوم السياسية، كما أنني كنت أتمني أن أكون «فرانكوفونياً» أتحدث الفرنسية بطلاقة وأغوص في أعماق الأدب الفرنسي، مصدر الإلهام الكبير لمعظم الدراسات الإنسانية والفلسفات المعاصرة، ولكن شاء حظي غير ذلك، فحصلت علي دكتوراه الفلسفة في العلوم السياسية من بريطانيا وليست دكتوراه فلسفة القانون من فرنسا! وبقيت أشعر دائمًا بغصة في حلقي متوهمًا أنني لو كنت أستاذًا في القانون يجيد الفرنسية لتبدلت أحوالي، لذلك ظللت دائمًا أغوص في أعماق كل ما يتصل بالفكر اللاتيني والأدب الفرنسي والثقافة «الفرانكوفونية» فقرأت كل ما كتب عن «نابليون» وحروبه، وأعطيت الحملة الفرنسية علي مصر اهتمامًا خاصًا في دراستي التاريخ المصري الحديث، باعتبار أن مصر صحت من سباتٍ عميق، استغرقها عدة قرون من الحكمين المملوكي والعثماني علي دوي مدافع «نابليون»، الذي جاء ليدفع مصر نحو اللحاق بالعصر الحديث، مثلما فعل «عبد الناصر» في حرب اليمن عندما أراد أن يخرج - بذلك الشعب الشقيق - من غياهب العصور الوسطي، ولقد فطن المفكر المصري البارز د. «فؤاد زكريا» إلي ذلك التشابه بين الحملة الفرنسية وحملة مصر إلي اليمن في مقاله الشهير «دهاء التاريخ»، وأنا ممن يظنون أن فرنسا «نابليون بونابرت» و«شارل ديجول» هي أيضًا فرنسا «فرانسوا ميتران» ذلك السياسي الاشتراكي، الذي دخل الانتخابات الرئاسية أمام «شارل ديجول» في عز مجده وهو من هو، فـ«ديجول» قائد المقاومة الفرنسية ضد النازي وهو منقذ فرنسا من الوحل في حرب الجزائر، لذلك فإن «ميتران» يقف في الصف الأول من قادة فرنسا وساستها العظام، ولقد أتاحت لي فرصة عملي الأسبق أن أري الرئيس «ميتران» عن قرب في لقاءاته المتعددة مع الرئيس «مبارك»، وقد كان بينهما ودٌ متبادل واحترام ملحوظ، ولقد كان «ميتران» مستمعًا جيدًا يتحدث في آخر اللقاء كلمات قليلة تؤكد استيعابه كل ما قيل، ورؤيته لما هو قادم، وكان ذلك الرجل عميق النظرة، واضح الرؤية بعيد النظر، وقد أحب مصر كثيرًا، وخصها بزياراته المتكررة في عطلة أعياد الميلاد كل عام، حيث كان يقضيها مع صديقته التي عاشت علي هامش حياته سنوات طويلة، وأنجب منها ابنة كانت أثيرة إلي قلبه قريبة من وجدانه، وهو أيضًا «فرانسوا ميتران»، الذي ذكر اسم «يوسف شاهين» والفنانة مصرية الأصل «داليدا» في خطاب استقباله لرئيس مصر في مستهل «زيارة الدولة»، التي قام بها الرئيس «مبارك» في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي إلي الجمهورية الفرنسية، وربط بينهما وبين «شامبليون» مكتشف «حجر رشيد» في سياق حديثه عن العلاقات الثقافية والروابط الحضارية بين فرنسا ومصر، ولقد تردد كثيرًا أن «داليدا» كانت محظية الرئيس الفرنسي الراحل «ميتران»، ويقال أيضًا إن قصة حبهما كانت أحد أسباب انتحارها، شيءٌ يشبه دائماً عشق الرؤساء كما هو الحال في انتحار «مارلين مونرو» إثر التحول في علاقتها مع الرئيس الأمريكي الراحل «جون كيندي» وشقيقه «روبرت» أيضًا!! ولقد تردد كثيرًا أن «ميتران» كان قناصًا بارعًا في عالم النساء، وكان صيادًا ماهرًا يضع يديه بسهولة علي نقاط الضعف ومصادر الجمال في حواء، وكانت له نظرات هادئة وبعيدة ذات جاذبية خاصة، وعندما داهمه المرض اللعين الذي رافقه سنواته الأخيرة حتي دخل بذلك الداء العضال انتخابات الفترة الرئاسية الأخيرة وتعايش مع أوجاعه وآلامه وأوهامه، وبدا فيلسوفًا في شهوره الأخيرة يناقش لغز الموت ويتحدث عن الحياة الفانية، وأصرَّ علي أن يودع مدينته المحبوبة «أسوان» في آخر عيد للميلاد المجيد قبل رحيله عن عالمنا، إنه «فرانسوا ميتران» الذي يبدو لي دائمًا كالذئب الحذر الذي لا يتحرك إلا بخطوات محسوبة، ولا يقول إلا ما فكر فيه مليا، ولا يتخذ قرارات انفعالية، أو مواقف ارتجالية، إنه بحق أحد عظماء فرنسا في تاريخها الحديث. .. بقي أن أضيف أن ذلك الرجل كان داهية سياسية يتصرف «كالوعل» أمام خصومه ويستطيع أن يوجه لهم ضربات قاصمة دون أن يتحرك كثيرًا، وهو أيضًا رجل التوازنات داخل أوروبا الموحدة، والاعتدال في العلاقة الفرنسية الأمريكية دون اندفاع إليها أو ابتعادٍ عنها، وهو الرئيس الفرنسي الذكي الذي أعطي العامل الثقافي في السياسة الفرنسية الخارجية دوره الطبيعي، والطليعي حتي إنه شارك في احتفال افتتاح جامعة «ليوبولد سنجور» في الإسكندرية، وعندما تعطل به المصعد في تلك المناسبة ومعه رؤساء آخرون لم ينزعج، وظل أثناء تلك الدقائق الصعبة محافظًا علي وقاره متمسكًا بهدوئه، فتلك كانت سمة تميز بها ذلك الرجل الذي ترك بصماتٍ واضحة في سياسة بلاده ومواقفها من الأزمات الكبري والمشكلات الإقليمية، وترك من بعده فراغًا كبيرًا في «الإليزيه» إذ لا أظن أن «شيراك» بضعفه تجاه أصحاب الثروة والنفوذ ولا «ساركوزي» باندفاعه نحو الولايات المتحدة وإسرائيل قادران علي إعطاء «فرنسا» صورتها التقليدية في الذاكرة الإنسانية المعاصرة، رحم الله «ميتران» فقد كان زعيمًا من طراز فريد.[/align] |
رد: الدكتور مصطفى الفقى وهؤلاء
[align=center]«مارجريت تاتشر»
بقلم د. مصطفي الفقي ٤/ ٩/ ٢٠٠٨ في منتصف سبعينيات القرن العشرين أوفدتني السفارة المصرية في «لندن» إلي مدينةBlackpool لحضور المؤتمر السنوي لحزب المحافظين البريطاني، حيث اكتشفت أن الحديث في أروقة المؤتمر يدور حول وزيرة التعليم «مارجريت ثاتشر» المرشحة الأولي لكي تكون زعيمة الحزب، ثم جاءوا بها من الصفوف الخلفية لتجلس ابنة «البقال» البريطاني في الصف الأول علي مقعد «ونستون تشرشل»، لقد جاءت ويسبقها تاريخ طويل من العمل الجاد في المجالين الحكومي والحزبي كما كانوا يطلقون عليها باللغة الإنجليزية «Thatcher the Snatcher» أي «ثاتشر الخطافة»، وتلك كانت سخرية منها لإلغائها توزيع وجبة طعام وكوب لبن في بعض المدارس البريطانية لعدم جدواها بالنسبة لصغار التلاميذ في ذلك الوقت، لقد تركز اهتمامي يومها علي متابعة «آلية التصعيد» داخل ذلك الحزب العريق وكيف أن سيدة منه سوف تتقدم صفوفه للمرة الأولي في تاريخه، وتلك هي الأحزاب الحقيقية راسخة البنيان محكمة التنظيم موضوعية التصعيد التي ترفع الكفاءات الشعبية بغض النظر عن أي اعتبار آخر وبعد ذلك بسنوات قليلة وصلت زعيمة حزب المحافظين إلي ١٠ Dawning Street، لتصبح «المرأة الحديدية» أول رئيسة للوزراء في تاريخ المملكة المتحدة، وظللت أرقب بعد ذلك تلك السيدة القوية وهي تقلب الأوضاع داخل بريطانيا رأساً علي عقب وتنقذ اقتصاد بلادها من محنته ليصبح واحداً من أقوي الاقتصاديات الأوروبية علي الإطلاق، كما أنها نفذت برنامجاً حقيقياً للخصخصة نقلت به المؤسسات الفاشلة والهيئات الحكومية المتدهورة إلي عقلية القطاع الخاص في ظل إطار عام من المصلحة العليا للوطن ارتضته جميع الأطراف، كما أن تلك المرأة الجسورة دخلت حرب «الفوكلاند» لانتزاع الجزيرة التي حاولت «الأرجنتين» استعادتها في ظل أوضاع الإمبراطورية البريطانية التي غربت عنها الشمس وأرسلت مسز «ثاتشر» قطع أسطولها البحري لتقوم بعمل عسكري علي بعد آلاف الأميال من أرض الوطن وكان لها النصر الذي أرادته واستعادت بريطانيا الجزيرة ورفرف عليها علم التاج البريطاني من جديد وكان ذلك إيذاناً بدخول مسز «ثاتشر» إلي قائمة العظماء في التاريخ البريطاني الحديث حتي إن البعض يراها تالية مباشرة للداهية الكبير «ونستون تشرشل» بين عظماء بريطانيا في القرن العشرين كله وقد أقيم لها تمثال في ميدان البرلمان وهي لاتزال علي قيد الحياة في إجراء غير مسبوق في التراث السياسي البريطاني، ولقد جمعتني بهذه السيدة العظيمة ظروف عملي في المؤسسة السيادية المصرية الأولي كسكرتير لجلسات لقاءاتها مع رئيس الدولة المصرية وبهرني فيها ذكاؤها الحاد، وحرصها علي الاستماع إلي نصائح الرئيس القادم من الشرق الأوسط وإبداء آرائها في عمق واضح تغلفه لغة الدبلوماسية البريطانية المعهودة، ولقد كانت تبدي اهتماماً خاصاً بالقضية الفلسطينية وأبعادها المختلفة انطلاقاً من المسؤولية التاريخية التي تتحملها بريطانيا في إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين كما أن تلك المرأة الحصيفة كانت توازن بدقة بين الارتباط التقليدي بالولايات المتحدة الأمريكية والانتماء الجغرافي والسياسي لأوروبا الحديثة، وأذكر أنها أشادت في أحد اللقاءات بالدكتور «أسامه الباز» المستشار السياسي للرئيس المصري الذي كان قد أوفده إليها ليشرح لها بعض ملابسات تطور الأوضاع في الشرق الأوسط، ولقد تعددت لقاءات الرئيس «مبارك» برئيسة وزراء بريطانيا التي كانت تستمع إليه باهتمام في تقليد معروف اشترك معها فيه دائماً الرئيس الفرنسي «فرانسوا ميتران»، ولن أنسي أبداً ذلك التحول الكبير الذي أحدثته «مارجريت ثاتشر» في العاصمة البريطانية عندما أحالت الأحياء الفقيرة المتهالكة إلي أرقي الأحياء التي يتهافت عليها الوافدون إلي «لندن» لشراء العقارات، خصوصاً من الأثرياء العرب الذين باعت لهم الوحدات السكنية بأغلي الأسعار في فترة الازدهار الشديد، ثم باعوها هم في فترة التراجع لكي يكون الفارق مردوداً تلقائياً للخزانة البريطانية! ويكفي أن نتذكر كيف كانت أحياء مثل Earl's Court وNotting Hill Gate وكيف أصبحت الآن لكي ندرك قدرة هذه السيدة البريطانية العظيمة علي جذب الاستثمارات لبلادها في موازنة دقيقة بين الأهداف السياسية والمطالب الاقتصادية.. ولعله من المحزن حقاً أن تلك السيدة الملقبة بـ «المرأة الحديدة»، والتي كانت معروفة بصرامة الموقف وحدة الرأي، والمواجهة المباشرة مع النظام الشيوعي في الاتحاد السوفيتي السابق، ومن كانوا يدورون في فلكه، من المحزن حقاً أن تلك السيدة التي كانت معروفة بوقارها الشديد وأناقتها التقليدية أصبحت لا تستطيع الحديث الآن، وقد زالت السلطة ورحل رفيق الحياة وتقدم بها العمر، لقد قالوا لي في آخر زيارة للعاصمة البريطانية وأنا أتناول الغذاء في مطعم مجلس اللوردات إن ظهور مسز «ثاتشر» في المناسبات المهمة أصبح نادراً، ولم تعد تلك التي كانت خطيبة مفوهة قادرة علي مواصلة الحديث واستكمال العبارات!.. إنها دورة الزمن وفلسفة الوجود تجسدها سيدة دخلت سجل الخالدين في بريطانيا، ووقفت بين عظماء التاريخ في العالم المعاصر. خالد مشعل بقلم د. مصطفي الفقي ٢٨/ ٨/ ٢٠٠٨ في أمسية «دمشقية»، أثناء زيارتي هذا الأسبوع لسوريا، دعاني السيد «خالد مشعل»، رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» لعشاء خاص في منزله عندما علم بوجودي، حيث كنت أترأس إحدي جلسات ندوة مركز الدراسات الاستراتيجية بالأكاديمية العسكرية العليا في «دمشق»، وكنت قد ألقيت كلمة أمام الندوة أرد فيها علي بعض الأسئلة المستفزة حول الحدود المصرية مع إسرائيل، مسألة معبر «رفح»، حيث قلت بالنص: (إن الكثير من المصريين ـ وأنا منهم ـ نشعر بالقلق للعلاقة الوثيقة والارتباط القوي بين جماعة «الإخوان المسلمين» في مصر وحركة «حماس» في غزة)، وأضفت إلي ذلك: (إنني لا أستريح إلي قيام «إمارة إسلامية» علي حدود مصر الشرقية تكون نافذة لقوي إقليمية أخري للوصول إلي حدودنا)، وأشهد أن الضباط السوريين من حملة الرتب الرفيعة، يتقدمهم العماد وزير الدفاع والعماد رئيس الأركان، كانت لديهم السماحة وسعة الأفق ليستمعوا إلي آراء يختلفون معها، وتعود علاقتي بالسيد «خالد مشعل» لعدة سنوات منذ أول لقاء لنا في «طهران» عام ٢٠٠١، حيث كنت مبعوثاً من مجلس الشعب المصري لحضور ندوة برلمانية دعمًا لانتفاضة الأقصي، ثم كان لقاؤنا الثاني في جنازة «أبوعمار» بالقاهرة بعد ذلك بسنوات قليلة، واستمر الاتصال الهاتفي بيننا في مناسبات مختلفة إذ إنني لا أخفي إعجابي بشخصيته المتوهجة، رغم اختلافنا في الرأي وتباين وجهات نظرنا، لذلك قبلت دعوته الكريمة علي العشاء في منزله المحاط بحراسة مُحكمة وسط العاصمة السورية، ودعوت معي صديقي الدكتور «حسن أبوطالب»، الكاتب الصحفي بـ«الأهرام» الذي كان مشاركاً أيضاً في الندوة العسكرية بدمشق، خصوصًا أنني أعلم أنه يعرف السيد «خالد مشعل» من قبل والتقاه في مناسبات سابقة، وتفضل السفير المصري في سوريا فقبل دعوة العشاء معنا، خصوصًا أنه يتردد علي رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» من حين لآخر بحكم طبيعة عمله.. وبعد أن جلسنا في صالون المنزل وبانتهاء حفاوة الاستقبال، بدأ السيد «خالد مشعل» هو ورفاقه معاتبين لي عما بلغهم من حديثي صباح ذلك اليوم أمام الندوة، فأوضحت لهم أن هذه هي وجهة نظري المعروفة، فأكدوا أنهم حركة تحرير بالدرجة الأولي وأن علاقتهم بجماعة «الإخوان المسلمين» كانت علاقة تاريخية، وأنهم يتحاشون زيارة المرشد العام ومعاونيه أثناء زياراتهم القاهرة رفعًا للحرج عن الطرفين، وابتعادًا عن احتمالات التأويل، وقد ذكر السيد «خالد مشعل» أنه متابعٌ لما أكتب ولما أقول، وبدا موضوعيا في تقييمه، منصفاً في تحليله، وقد تأثرت كثيراً وأنا أستمع منه إلي قصة الأيام التي قضاها في «غيبوبة الموت» بعد أن قام عميلان من «الموساد» بتوجيه غاز خلف إحدي أذنيه للقضاء عليه خلال ساعات قليلة أثناء تواجده في العاصمة الأردنية، وظل يذكر للعاهل الأردني الراحل «الحسين بن طلال» وقفته الشهيرة عندما أجري اتصالاً هاتفيا عاجلاً بالرئيس الأمريكي السابق «بيل كلينتون» وطلب منه إبلاغ إسرائيل بأنه ما لم يصل إلي مستشفي «الحسين» في عمان المصل المضاد الذي ينقذ حياة «خالد مشعل»، فإن الملك الأردني سوف يغلق السفارة الإسرائيلية في «عمان»، ويقطع العلاقات مع الدولة العبرية، وقد يتراجع عن اتفاقية السلام معها أيضاً، وقد رضخت إسرائيل علي الفور وأرسلت المصل الذي أعاد نبض الحياة لذلك المناضل الفلسطيني، شديد المراس، صلب الإرادة، وقد تمني علينا السيد «خالد مشعل» أن تتدخل مصر بقوة للمصالحة بين «حماس» و«فتح»، وقال: (إنه لا يوجد إلا مصر وحدها هي القادرة علي ذلك) وأشاد بالرعاية الدائمة للرئيس «مبارك»، والجهود المخلصة للوزير «عمر سليمان»، ولقد شعرت من حديثه أنه يتفهم ظروف «القاهرة» ويدرك حجم الأعباء الإقليمية والدولية الملقاة علي عاتقها وقد اعترف السيد «خالد مشعل» بأن «حماس» أخطأت في بعض المواقف، وكانت لها تجاوزات غير مبررة علي الأرض، غير أنه أشار إلي الرفض الدائم من جانب الرئيس الشرعي للشعب الفلسطيني السيد «محمود عباس» لأي محاولة للتسوية مع حركة «حماس»، وقد نقلت له كلامًا طيبًا ذكره لي «أبومازن» من قبل عن رئيس المكتب السياسي وبعض عناصر حركة «حماس» ممن يظن بهم خيرًا، وقد قلت للسيد «خالد مشعل» إن حركات التحرير عبر التاريخ الحديث كله واجهت محنة الانقسام ومأساة التشرذم، ولكن عقلاءها خرجوا بها من المأزق وواصلوا النضال متحدين في إطار توزيع للأدوار لم نبرع فيه نحن العرب حتي الآن، ويجب أن أعترف هنا بأن الرجل كان مرنًا ومتفهماً وملماً بجميع الظروف، وقال في صراحة إن «إيران» تساعدهم مادياً وتحصد بذلك سياسياً لأن العرب لم يفعلوا ذلك، وأبدي ألمه من أن تكون الدولة الداعمة لحركته هي دولة غير عربية، وحدثته علي مائدة العشاء عن صلاة الجمعة التي أديتها في المسجد «الأموي»، كيف رأيت بسطاء سوريا وهم يتوافدون بالآلاف علي صحن المسجد الكبير، وخطبة الجمعة الرائعة التي ألقاها الدكتور «محمد سعيد البوطي» الداعية السوري الشهير، والتي ركز فيها علي رفضه الإرهاب وإدانته العمليات الانتحارية، وهو ما كان محل تقديرنا أنا وسفير مصر الذي سعدت برفقته لأداء الصلاة في الجامع الأموي. ذلك هو «خالد مشعل».. مناضل فلسطيني يعرف قدر مصر، ويتحدث عن فضل مصر، ويضع آماله أمانة في يد مصر، قائدة الحرب ورائدة السلام.[/align] |
رد: الدكتور مصطفى الفقى وهؤلاء
[align=center]محمود درويش»
بقلم د. مصطفي الفقي ٢١/ ٨/ ٢٠٠٨ إنه «شاعر القضية الفلسطينية» رغم أنها تسمية لم يكن يتحمس لها «محمود درويش» شاعر الثورة والحزن والأمل، لأنه كان يظن أن اختزال قيمته الشعرية وموهبته الكبيرة في إطار القضية الفلسطينية وحدها ـ وهي كبيرة ـ إنما يسحب منه قدراً من أسباب شهرته وارتفاع قيمته، ولقد حفر «محمود درويش» اسمه في تاريخ الشعر العربي الحديث، بقدرته الفائقة علي ترجمة المعاني من خلال ألفاظ موحية يندر التقاطها بغير عاطفة شديدة وحساسية بالغة، وإذا كان «نزار قباني» ـ في ظني ـ هو ناظر مدرسة الشعر العربي الحديث، فإن الكثيرين من أعمدة هذه المدرسة قد أضافوا إليه وإليها وأصبحوا رموزاً يشار إليهم، وهم الذين خرجوا من وادي النيل أو المغرب العربي أو الشام الكبير أو بلاد الرافدين أو الجزيرة العربية، إلا أن إسهاماتهم جميعاً في شعرهم العاطفي، سواء كان المحبوب وطناً أو إنساناً، تعتبر إضافة كبري لثقافة العرب وتراثهم الإنساني، ولقد جسد «محمود درويش» مأساة شعبه ومحنة أمته كما لم يفعل سواه، لأنه عايش النكبة والنكسة والمأساة ومر بكل الظروف القاسية والآلام التي لا يعرفها إلا من اقترب منها، وقديماً قالوا (لا يعرف الشوق إلا من يكابده ولا الصبابة إلا من يعانيها) وأنا أقول اليوم (لا يعرف فقدان الوطن إلا من يكابده ولا يعرف الشتات إلا من يعانيه) وهكذا ظل «محمود درويش» يطوف البقاع ويجوب الأصقاع يردد أناشيد الوطن ويبشر بحلم العودة، ولقد كان آخر لقاء لي معه منذ شهور قليلة، عندما حضرنا سوياً بمقر جامعة الدول العربية بالقاهرة الحفل التأسيسي لإنشاء مؤسسة «ياسر عرفات» بحضور الرئيس «أبو مازن» والسيد «عمرو موسي» وعشرات من كبار المسؤولين الحاليين والسابقين الذين وفدوا من الأقطار العربية المختلفة ويومها تحدث معي الشاعر الراحل معلقاً علي محنة أمته وانقسام شعبه، وأشار إلي حديث تليفزيوني لي مبدياً تقديره لوجهة نظري، ومعلقاً علي أحد مقالاتي في صحيفة «الحياة»، ويومها أدركت أن الشاعر الكبير يتابع كل ما يكتبه المعنيون بالشأن العربي والهم الفلسطيني، وهو أيضاً ذلك الثائر الذي ارتبط بمصر علي المستويين الفكري والشخصي، وقد اقترن بسيدة مصرية فاضلة تنتمي إلي أسرة عريقة من محافظة «المنيا»، وعاشا سوياً لسنوات قليلة قضياها في المنفي الاختياري الذي أراده لنفسه دائماً في عدد من العواصم الأوروبية، ولست أنسي كلمته عندما ذهبت أنا والسفير «محمد بسيوني» خبير القضية الفلسطينية المعروف، رئيس لجنة الشؤون الخارجية والعربية والأمن القومي في مجلس الشوري، كوفد شعبي في صحبة السيد «عمر سليمان» رئيس المخابرات العامة المصرية، مهندس حلول الأزمات الفلسطينية في السنوات الأخيرة، للمشاركة في الاحتفال بذكري الأربعين لرحيل الرئيس «ياسر عرفات»، ويومها اعتلي «محمود درويش» منصة الحفل وألقي خطاباً مؤثراً يقف في لغته الرائعة بين الشعر والنثر، وظل يطوف بالحاضرين عبر تاريخ الثورة الفلسطينية ونضال قائدها الراحل، وإذا كان شعر الثورة الفلسطينية المعاصرة قد ارتبط باسم «محمود درويش» ورفيقه «سميح القاسم»، إلا أن «محمود درويش» تميز دائماً بحضوره الإنساني الطاغي وشخصيته المتميزة وقدرته علي اختراق القلوب والعقول في وقت واحد، وعندما ودعه أساطين الشعر العربي الحديث من «أدونيس» إلي «أحمد عبد المعطي حجازي» مروراً بالأسماء اللامعة في مصر والدول العربية الأخري، شعرت وكأنه ليس عزاء موت ولكن زفة عرس لشاعر كبير خرج من فلسطين وعاد إليها بعد رحلة عمر رائعة، ترك فيها بصماته القوية علي شعر الثورة وأناشيد الحزن وأهازيج الأمل، وعندما عاد جثمانه إلي تراب فلسطين ملفوفاً بعلمها، ووقف الرئيس الفلسطيني «محمود عباس» يلقي كلمة التأبين أمام الجثمان الطاهر المسجي أمامه لشاعر رحل عن سبعة وستين عاماً، في إشارة إلهية إلي عام النكسة في تاريخ القضية الفلسطينية، يومها وقف أيضاً رفيق عمره وصنو دربه «سميح القاسم» يتحدث عن «أخيه الذي لم تلده أمه» وقد تحجرت الدموع في المآقي، وسعي الفلسطينيون إلي لحظة التلاقي، وتوحدت كلمة الجميع حول شهيدهم الذي جادت به الأرض المعطاءة، التي لن تتوقف أبداً عن تقديم الأبطال والشعراء والمجاهدين، لأن شمس فلسطين لن تغيب أبداً. إبراهيم شكري» بقلم د. مصطفي الفقي ١٤/ ٨/ ٢٠٠٨ عندما تدافعت الجماهير الغفيرة في ساحة مسجد «عمرو بن العاص» عند خروجها وراء جثمان ابن مصر البار «إبراهيم شكري» كدت أسقط وسط الزحام في ظل جو شديد الحرارة، ومر بخاطري شريط الذكريات البعيدة من عصر ولّي، وحقبة في تاريخ مصر الحديث تلملم أوراقها، ولقد كان آخر اتصال بيني وبين الراحل الكبير عندما هاتفني تليفونياً عدة مرات في الأسابيع الأخيرة قبيل سقوط «بغداد» أمام الغزو الأمريكي، وكنت أشفق عليه في تلك السن المتقدمة من رحلة الذهاب إلي العراق مناصراً شعبها ضد الاحتلال الأجنبي، ولكن إصراره الهادئ وإيمانه العميق وشعوره بالمسؤولية القومية لم تترك لي فرصة لإثنائه عن عزمه، وواقع الأمر أن علاقتي «بالمجاهد الكبير» بدأت منذ عدة عقود وظلت مستمرة لم يفرق فيها الرجل بين مرحلة قربي من السلطة أو إبعادي عنها، فقد تعامل معي دائماً كابن عزيز وصديق قريب رغم اختلاف توجهاتنا أحياناً وتباين وجهات نظرنا تجاه عدد من القضايا العصرية والإقليمية، إنه «إبراهيم شكري» ابن الارستقراطية الريفية وواحد من أطول القيادات تواصلاً مع العمل الوطني العام، إنه رفيق «عبد الحكيم الجراحي» في ثورة الطلاب ضد الاحتلال البريطاني فلقد بدأ رحلة جهاده منذ منتصف الثلاثينيات من القرن الماضي إلي أن دخل مرحلة غيبوبة النهاية مكملاً رحلة سبعين عاماً من النضال الذي لم يتوقف في العصرين الملكي والجمهوري داخل السلطة وخارجها، وقد كان محافظاً للوادي الجديد ووزيراً للزراعة ونقيباً لمهندسيها، ورغم أنه كان ينتمي إلي عائلة عريقة وثرية فإنه آثر دائماً أن يكون بمنأي عن حياة الترف والثروة وأن يبقي دائماً قريباً من حياة الكادحين والفقراء والمعذبين في الأرض، ولقد تبني «إبراهيم شكري» علي امتداد مسيرة حياته الطويلة مبادئ الفكر الاشتراكي مقترنة بأطروحات وطنية مصرية، ولقد كانت صلابته محل إعجابنا جميعاً، فقد ظل الرجل وفياً لمبادئه حريصاً علي كرامته يعيش هموم الوطن وشجون الأمة، إذ يحفل تاريخه قبل الثالث والعشرين من يوليو ١٩٥٢ بمبادرات سياسية واجتماعية ذات طابع إنساني، فقد تحدث عن تحديد الملكية الزراعية ومقاومة الإقطاع، وقدم إرهاصات مبكرة مع عدد من رفاقه المستنيرين تشير إلي قانون «الإصلاح الزراعي» الذي تبنته ثورة يوليو بعد ذلك، كما كانت له مواقفه الوطنية التي جلبت عليه المشكلات وجعلته عرضة للمساءلة والاضطهاد، كما كان برلمانياً رفيع الشأن في العصرين الملكي والجمهوري، والمهم أن ذلك كله قد اقترن بالخلق الرفيع والسمو الشخصي والارتفاع عن الصغائر فكان هو «المجاهد الكبير» و«الفارس النبيل» في وقت واحد، وإن كان «إبراهيم شكري» قد تأثر ببعض الأفكار الاشتراكية المتشددة والنزعات القومية المتطرفة وعايش تجربة حزب «مصر الفتاة» بحدته وثوريته فإنه ظل دائماً نموذجاً للكبرياء الوطني والتعبير الشعبي عن الطبقات الأكثر عدداً والأشد فقراً، وعندما بدأ الرئيس الراحل «أنور السادات» الاتجاه نحو التعددية السياسية، كان «إبراهيم شكري» هو صوت المعارضة التي تستقيم معها التجربة، فلقد اكتشف «السادات» مبكراً أن النظام السياسي لا يحتوي الحزب الحاكم وحده ولكنه يحتاج أيضاً إلي معارضة تكمل دوره وتضع الإطار الصحيح للديمقراطية السليمة حتي دفع «السادات» بصهره القريب إلي قلبه البرلماني الراحل «محمود أبووافية» لكي يكون شريكاً مع «إبراهيم شكري» في حزب يعارض حزب «السادات» مع بداية التجربة الديمقراطية في نهاية السبعينيات من القرن الماضي، وأدي «إبراهيم شكري» دوره دون رضوخ أو مهادنة وأيضاً دون صخب أو ضجيج إلي أن وفدت علي حزبه بعض عناصر الإسلام السياسي، فتوترت العلاقة بين ذلك الحزب والدولة، وانتهت إلي قرار تعطيل صحيفته. وتحمل «إبراهيم شكري» الموقف في صلابة وهدوء معتصماً بعفة اللسان وسمو الخلق، ومازلت أتذكر مواجهة بينه وبين أحد وزراء الداخلية في مصر الذي كان معروفاً بسطوته وحدّة لسانه، ولكن «إبراهيم شكري» كان دائماً هو الثائر الوديع المناضل الهادئ الذي يمتص المواقف ولا يهوي التصعيد إلا إذا كان مضطراً إليه ولا بديل عنه، ولقد تواصل ذلك الرجل الكبير معي دون انقطاع، وظل يتبادل معي الرأي في أوقات لم يكن لي فيها حول ولا قوة، وتلك صفة رائعة في «إبراهيم شكري» أنه كان يخاطب العقل قبل السلطة ويناقش الفكر قبل القرار، ومنذ أسابيع قليلة كنا نحتفل بانتهاء خدمة أول عميدة لكلية الاقتصاد والعلوم السياسية الأستاذة الدكتورة «مني البرادعي» قرينة الأستاذ الدكتور «إسماعيل إبراهيم شكري» الطبيب المعروف، وفي حضور شقيقها صديقي العزيز الدكتور «محمد البرادعي» مدير عام الوكالة الدولية للطاقة الذرية الذي كان في «القاهرة» ليتسلم الدكتوراه الفخرية من جامعتها العريقة ضمن الاحتفال بمئويتها الأولي، وفي حضور شقيقته الثانية الأستاذة الجامعية المتزوجة أيضاً من ابن آخر «للمجاهد الكبير» هو المهندس «إبراهيم إبراهيم شكري»، ويومها سألتهم أثناء عشاء التكريم في النادي الدبلوماسي المصري عن صحة المناضل الكبير الذي جاوز التسعين من عمره الحافل بالتحديات والإنجازات، وجاءت إجابتهم لي حزينة مؤلمة عندما قال لي الدكتور «إسماعيل» إن المجاهد الكبير قد بدأ يدخل أحياناً في سبات الغيبوبة، يومها أدركت أن النهاية قد اقتربت، وأنه قد آن للمحارب أن يستريح وللفارس أن ينزل من فوق صهوة جواده إلي حيث عالم الأبدية بلا عودة.[/align] |
رد: الدكتور مصطفى الفقى وهؤلاء
[align=center]أبومازن
بقلم مصطفى الفقى ٧/ ٨/ ٢٠٠٨ إنه السيد «محمود عباس» رئيس السلطة الفلسطينية، الذي جاءني صوته عبر الهاتف منذ أيام قليلة، عندما كان يزور «القاهرة» وتفضل بالسؤال علي وكان خارجاً لتوه من لقاء مع رؤساء تحرير الصحف، وقد قلت له أثناء تلك المكالمة الهاتفية: لست في حاجة إلي أن أوصيك خيراً بالوحدة الفلسطينية، فتلك هي الرصيد الباقي للشعب الفلسطيني وقضيته العادلة. وقد كان الرئيس «أبومازن» كعادته ودوداً ومعبراً عما في قلبه مباشرة دون لف أو دوران ودون التواء أو مواربة، فقال لي إنه كان ولايزال وسوف يظل يبذل قصاري جهده من أجل الوحدة الوطنية الفلسطينية في هذه الظروف الصعبة. وتعود علاقتي «بأبومازن» إلي نهاية الثمانينيات من القرن الماضي، عندما كنت ألتقيه مع «أبوعمار» أو غيرهما من القيادات الفلسطينية ممن يترددون علي مصر وقيادتها بشكل منتظم. ولقد كان طوال حياته هادئ الطبع، معتدل التوجه، واقعي النظرة، وقد تولي رئاسة السلطة الفلسطينية في ظروف بالغة الصعوبة شديدة التعقيد، فهو ليس «أبوعمار» بتاريخه الطويل و«الكاريزما» التي تشكلت له وفقاً لذلك، كما أنه اختار منذ سنوات طويلة أن يكون مناضلاً ومفاوضاً في وقت واحد، ويكفي أنه صاحب الموقف الشهير الذي اعترض فيه علي «عسكرة» الانتفاضة، لأنه يؤمن بخصوصية الكفاح الفلسطيني وإمكانية اتباعه وسائل أفضل بكثير من مجرد التصعيد العسكري. ورغم أنه يدرك مراوغات إسرائيل المعتادة وأساليبها العدوانية فإنه لا يغلق باب التسوية السلمية مهما جلب عليه ذلك من انتقادات بل ومشكلات، وكنت قد زرت «أبومازن» في منزله بـ «عمان» منذ عدة شهور ضمن وفد البرلمان العربي الانتقالي في محاولة لتحقيق المصالحة الحتمية بين «فتح» و«حماس»، وقد كان «أبومازن» يومها متأثراً بما حدث وحزيناً علي الوضع الفلسطيني، مدركاً حجم المخاطر التي تنتظر القضية الفلسطينية في ظروف مثل تلك التي تمر بها، حيث يسعي المخطط الإسرائيلي الخبيث إلي تفكيك عناصر القضية وتصدير مشكلة غزة إلي مصر، وتحميل الضفة للمملكة الأردنية علي الجانب الآخر، وبذلك تتخلص إسرائيل من رموز النضال الفلسطيني. ومازلت أذكر من زيارتي الأخيرة لـ «واشنطن» أنني شعرت بمثل هذا المخطط الإسرائيلي الذي تباركه الولايات المتحدة الأمريكية، وتري فيه سبيلاً للخلاص من الوضع المتدهور في الأرض الفلسطينية وإنقاذاً للدولة العبرية، لذلك فإن تطويق مثل هذا المخطط يحتاج إلي وقفة فلسطينية واحدة ولا يحتمل الاختلاف في هذه الظروف. وينتمي «أبومازن» إلي جيل الآباء المؤسسين في حركة «فتح»، وقد قضي عدة سنوات يعمل في «الكويت» قبل أن ينخرط في سلك المقاومة الفلسطينية، التي استهلكت سنوات عمره، وجعلته دائماً صاحب موقف مختلف لم يكن متطابقاً تماماً مع فكر «أبوعمار»، برغم أنهما يقفان علي أرضية واحدة من أجل تحرير فلسطين وقيام دولتها المستقلة بعاصمتها في «القدس». ولقد لعبت الدبلوماسية المصرية دوراً فاعلاً في إعطاء «أبومازن» اختصاصاته عندما جاء رئيساً للوزراء مع «ياسر عرفات» ـ صاحب الشخصية المقتحمة والنفوذ الطاغي ـ وعندما لم يتمكن «أبومازن» من المضي وفقاً لأجندته، التي يؤمن ببنودها ويقتنع بعناصرها، انسحب من موقعه وترك الساحة لعدة شهور تولي فيها «أبوالعلاء» (السيد ـ أحمد قريع) رئاسة حكومة السلطة الوطنية إلي أن جاءت النهاية المأساوية الغامضة للرئيس الفلسطيني الراحل «ياسر عرفات». فكان من الطبيعي أن يتحمل «أبومازن» ـ رفيق النضال لسنوات طويلة ـ حتي يكمل المسيرة ويمضي بالقضية الفلسطينية في صبر وإصرار، لكي يصل النضال إلي غايته، وتحقق الثورة هدفها في التحرر الوطني والاستقلال الكامل. ولقد كنت في رحلة لإلقاء محاضرة في العاصمة الأردنية منذ فترة وجيزة، وتصادف وجود أحد أبناء «أبومازن» في مقعد مجاور لي بالطائرة، وهو الابن التالي لشقيقه الذي رحل عن عالمنا منذ سنوات. وعندها تحمل «أبومازن» مأساته الشخصية إلي جانب محنة الوطن في وقت واحد، وتصرف كعهده دائماً بصبر الواثقين بالله، المؤمنين بأن بعد العسر يسرا، وأنا لا أزعم أن «أبومازن» هو قيادة مثالية للشعب الفلسطيني في هذه الظروف، ذلك أنني أتمني عليه ألا يكون طرفاً في الصراع الداخلي، بل يبقي حكماً بين الفصائل، لا تشده «فتحاويته» بعيداً عن حركة «حماس»، لأنهما يصبان في النهاية في وعاء واحد، فالقضية عادلة، والغايات نبيلة، و«خارطة الطريق» متاحة، ولقد لاحظت دائماً أن «أبومازن» زاهد في الموقع غير متكالب علي المناصب. كما أنه يملك شخصية انسحابية ترفض المساومة علي إدارة السلطة أو البحث عن الشعبية الزائفة.. إنه «أبومازن» ـ «محمود عباس» ـ الذي يقود السفينة الفلسطينية وسط الأمواج العالية والرياح العاتية والأنواء والأعاصير والمؤامرات المتتالية وسياسة ازدواج المعايير، التي تكيل بها القوة العظمي في عالمنا المعاصر. ناظم القدسي بقلم د. مصطفي الفقي ٣١/ ٧/ ٢٠٠٨ أود أن أكرر مرة أخري أنني عندما أكتب عن «قرب»، فإنني أتحدث عن أولئك الذين تعاملت معهم شخصياً وتحدثت إليهم مباشرة، فما أكثر الشخصيات المرموقة والقيادات التاريخية التي لم أتشرف بالجلوس إليها أو التعامل معه، فأنا لست كاتباً للسيرة الذاتية لأحد ولكنني أقتصر فقط علي الذين أستطيع أن أنقل عنهم بأمانة وأن أسجل انطباعاتي في موضوعية، خصوصاً أنه لا يوجد وراء هذه السلسلة من الشخصيات التي أكتب عنها أجندة خاصة أو غرض ذاتي أو هدف خفي، فأنا أكتب لوجه الله والإنسان والوطن، واليوم أتحدث عن شخصية جمعتني بها المصادفة، وأعني بها الدكتور «ناظم القدسي»، رئيس الوزراء السوري قبل الوحدة مع مصر، رئيس الجمهورية السورية بعد الانفصال، ولقد التقيت به لعدة ساعات في إحدي ليالي شتاء «لندن» الباردة في منتصف السبعينيات من القرن الماضي، حيث كنا ضيوفاً علي زميل دراستي الذي أعتز به الأستاذ «أحمد خليفة السويدي» الذي كان وقتها وزيراً لخارجية دولة الإمارات العربية والمستشار القريب من الشيخ «زايد» رحمه الله، والأستاذ «السويدي» هو خريج دفعتي في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة ولاتزال تربطني به صلة مستمرة تقوم علي الاحترام المتبادل والود الدائم، وفي تلك الليلة كان الدكتور «ناظم القدسي» هو ضيف اللقاء لأن ابنه كان يعمل مع الأستاذ «السويدي»، وكان معنا في الجلسة أيضاً زميل عراقي هو الأستاذ «هشام الكتاب»، وانطلق الدكتور «ناظم القدسي» يحدثنا عن ذكريات سنوات الحكم في سوريا وظروف قبوله رئاسة الجمهورية بعد الانفصال رغم تقديره الكبير لزعامة «جمال عبد الناصر»، وكيف أنه لم يستطع أن يواصل مهمته تلك إلا لفترة قصيرة، وأعترف هنا بأن الرجل بهرني بدبلوماسيته الرفيعة وثقافته الواسعة ودماثة خلقه وهدوئه الملحوظ، ولقد ظل الرجل لعدة ساعات يجيب عن أسئلتنا، خصوصاً أن فضولي كان شديداً للتعرف علي رأيه في عدد من القيادات العربية والشخصيات السورية التي عاصرها، لقد سألته يومها عن «هاشم الأتاسي» و«شكري القوتلي» كرئيسين سابقين للجمهورية السورية وعن «أكرم الحوراني»، نائب رئيس الجمهورية في عصر الوحدة، و«صبري العسلي»، آخر رئيس وزراء قبلها، وكان الرجل رحب الصدر شديد الصدق مفرطاً في الموضوعية ويتحدث بلا حساسية وببساطة شديدة، ولقد شرح لي في توازن وعدالة أسباب الانفصال والحساسيات السورية التي نجمت عن الأسلوب المصري في إدارة حكومة الوحدة، ولم يكن الرجل سورياً في حديثه بقدر ما كان عربياً في تحليله، وكان تقديره لدور مصر العربي ووزنها الإقليمي محل تقديري شخصياً، ولم يقتصر الأمر علي ذلك بل إن الرجل أتحفنا بعدد من الطرائف الدبلوماسية والحكايات السياسية حتي إنني كنت لا أريد للوقت أن يمر وأتمني علي الساعة أن تتوقف، خصوصاً أنني مغرم تاريخياً بمتابعة تتطور السياسة والحكم في دول الشام وأري فيها نبض العروبة الحقيقي، ولقد كان تعلقي بالشخصية الشامية منذ سنوات الوحدة بحكم عواطفي الشديدة التي ارتبطت حينذاك بالرئيس «عبد الناصر» وعصره وسنوات الشباب القومي الذي مضي ولن يعود، ولقد أيقنت من حديث ذلك السياسي المخضرم أن الشخصية العربية واحدة وأن عيوبها متكررة، كما أننا أمة لا تتعلم من أخطائها فهي الأمة التي عرفت تعبيرات «النكبة» و«النكسة» و«المأساة» وخلطت بين «الانتصار» و«الانكسار» فلم تستثمر الانتصار جيداً ولم تتعلم من الانكسار أبداً، إن تلك الليلة من ليالي شتاء العاصمة البريطانية سوف تظل محفورة في ذاكرتي، لأنها كانت مناسبة لمراجعة الأحداث واجترار الذكريات مع شخصية عربية كبيرة عركت دهاليز السياسية ودروب الحكم فاتسمت بالحكمة في التحليل والحياد في الرأي والموضوعية في المناقشة، إن كلمات «ناظم القدسي» الواضحة وعباراته الهادئة وتوصيفه الدقيق سوف تبقي كلها في ذاكرتي لكي تؤكد لي من جديد أن ثورة يوليو المصرية وعصر الرئيس «عبدالناصر» سيبقيان في وجدان العرب رصيداً قومياً لا ينتهي ومعيناً لا ينضب، مدركاً أن الانفصال في ٢٨ سبتمبر ١٩٦١ كان هو المقدمة الطبيعية لهزيمة ٥ يونيو ١٩٦٧ ، ولقد قال «ناظم القدسي» ليلتها كلمة لن أنساها أبداً وهي «أن ما بدأ سريعاً ينتهي سريعاً»، في سياق إشارته لتجربة قيام الوحدة المتعجلة بين مصر وسوريا عام ١٩٥٨ وانهيارها السريع عام ١٩٦١.. إنها أحزان أمة وأخطاء سياسة ومحنة شعب.[/align] |
رد: الدكتور مصطفى الفقى وهؤلاء
[align=center]سيف الإسلام حسن البنا
بقلم د.مصطفى الفقى ٢٤/ ٧/ ٢٠٠٨ دق جرس الهاتف في مكتبي مع نهاية الثمانينيات، وكان المتحدث هو المحامي المعروف «سيف الإسلام حسن البنا»، ابن «الإمام» مؤسس جماعة «الإخوان المسلمين»، وهو قطب معروف في الحياة السياسية والنقابية معًًا، طالبًا لقائي، فنحن ننتمي معًا إلي منطقة واحدة من محافظة «البحيرة»، وعندما التقيته، رأيت حديثه معتدلاً ومقبولاً في مجمله، كما أن آراءه اتسمت بالمرونة والرغبة العامة في الإصلاح دون تعصب أو تشدد أو غلواء.. ومنذ ذلك الوقت توثقت علاقتي به، فقد كان حديثه يدور حول تمليك دور السينما للقطاع الخاص، بحيث لا تتحمل الدولة وزر الخطايا الناجمة عنها - من وجهة نظره - كما كان يدعو إلي أن تتحرر الدولة من ملكية شركات تصنيع الخمور، خصوصًا «النبيذ»، وأن تترك ذلك لغيرها، وهذه أمور تتماشي مع فلسفة «الخصخصة»، التي تمثل الاتجاه السائد في الاقتصاديات المعاصرة، وتتوافق مع رغبة الجماعة التي ينتمي إليها الأستاذ «سيف الإسلام البنا».. وقد سعي إلي مرة ثانية ليحكي لي والدموع في عينيه - فهو رقيق الحاشية، شديد العاطفة، سريع البكاء.. وتلك صفات ورثها عن أبيه الإمام الراحل - كيف أن الملك الراحل «الحسين بن طلال» استقبله في إحدي قاعات القصر الملكي في «عمان»، عندما ذهب «سيف الإسلام البنا» ضمن وفد تهنئة مصري للتيار الإسلامي الأردني بالفوز في الانتخابات النيابية عند نهاية الثمانينيات من القرن الماضي، وكيف أن الملك هو الذي دعاه إلي لقاء منفرد، وحدّثه عن احترامه لأبيه الإمام «حسن البنا»، وعرض عليه تقديم أي خدمة تؤديها المملكة لأسرة «الإمام».. وقد ظلت علاقتي بالأستاذ «سيف الإسلام حسن البنا» - وسوف تظل - وثيقة وقوية، رغم اختلافي مع فكر الجماعة التي ينتمي إليها، إذ إنني أري فيه نموذجًا للمسلم الطيب الذي يدعو إلي سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، ولقد تابعت الصراعات التي أقحمت عليه في نقابة المحامين منذ سنوات، حيث كان دائمًا عضوًا فاعلاً فيها، ووجدته دائمًا مسالمًا تقيا لا يكرهه أحد، وقد جاءني صوته منذ شهور قليلة يطلب وساطتي في سفر ابنة شقيقته لاستكمال دراستها للدكتوراه في الخارج، ولقد تحقق لها ذلك بفضل تفهم جهاز الأمن المصري، وكان قد اتصل بي أيضًا لأمر آخر قبل ذلك بعام تقريبًا، طالبًا السعي للسماح له بالسفر إلي العاصمة الأردنية للمشاركة في الاحتفال بمرور مائة عام علي ميلاد والده «الإمام».. وهو يدرك جيدًا أن قدرتي محدودة، ولكنه يسعي إلي كصديق يتحدث معه ويطلب رأيه، ولقد شعرت من أحاديثه في الفترة الأخيرة بنغمة حزن واضحة علي ما آلت إليه أوضاع المواجهة بين الحكومة والجماعة - المحظورة قانونيا، المتواجدة سياسيا - وكان عاتبًا علي بعض العناصر من رفاقه، الذين يميلون إلي الإثارة والتشدد، وهو أمر يؤدي إلي التصعيد من الجانب الآخر، واستمرار احتدام حدة المواجهة، وما التقيته مرة - حتي في غمار أزمتي مع الجماعة أثناء الانتخابات البرلمانية عام ٢٠٠٥ - إلا ورأيته هو نفسه الصديق العزيز، الذي يفيض وجهه بشاشة، وتقطر تصرفاته أدبًا ورقيا.. ورغم أنني أختلف مع جماعة «الإخوان المسلمين» مائة وثمانية درجة من الناحيتين الفكرية والتطبيقية، فإنني أؤمن علي الجانب الآخر بحقهم في التعبير عن آرائهم، والتعريف بفكرهم من خلال القنوات الشرعية دون غلواء أو تحريض، ولا أزال أحتفظ بعلاقات طيبة للغاية مع عدد من رموز هذه الجماعة، في مقدمتهم «سيف الإسلام البنا»، والراحل «مأمون الهضيبي» والدكاترة: «عبدالمنعم أبوالفتوح»، و«محمد مرسي» و«عصام العريان»، و«سعد الكتاتني»، والأستاذ «حسين إبراهيم».. وغيرهم، ممن يؤمنون بأن «الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية»، ولقد سعيت ذات يوم إلي أداء واجب العزاء في المرشد العام الراحل المستشار «مأمون الهضيبي» بحكم صلتي الشخصية به واعتزازي بنجله الطبيب اللامع الدكتور «خالد الهضيبي» الأستاذ بجامعة «عين شمس».. وأنا أظن مخلصًا أنه قد آن الأوان لإيجاد أرضية مشتركة تسعي فيها الجماعة - بوطنية كاملة والتزام حقيقي بالمفهوم الديمقراطي الحديث - للاندماج في الحياة السياسية المعاصرة، وعلي الجماعة أن تدرك طبيعة المتغيرات الدولية والتحولات الإقليمية والمستجدات المحلية، وسوف تبقي صداقتي بالأستاذ «سيف الإسلام حسن البنا» أمرًا أعتز بوجوده، وأتمسك به، وأسعي إلي استمراره. عادل إمام بقلم د. مصطفي الفقي ١٧/ ٧/ ٢٠٠٨ لا أظن أن الكوميديا العربية عرفت بعد «نجيب الريحاني» ـ العراقي الأب، القبطي الأم ـ مثل «عادل إمام» في العقود الثلاثة الأخيرة، وهما مدينان معاً للقاهرة وجمهور الفن المصري، بينما فنان آخر هو «دريد لحام» مثلاً، وهو بالمناسبة صاحب مدرسة في الكوميديا السياسية أيضاً، غير مدين للقاهرة ولا للجمهور المصري في شهرته، وإن كانت لديه شعبية لا بأس بها بين المصريين، أعود إلي «عادل إمام» ذلك الشاب الواعد الذي كنا نسمع اسمه من خلال الأنشطة الفنية للاتحادات الطلابية في مطلع الستينيات، باعتباره النجم البازغ من كلية الزراعة جامعة القاهرة، ومعه زميل دراسته ورفيق عمره «صلاح السعدني»، حتي بدأ يلفت الأنظار حين قدم رائعته «شاهد ما شافش حاجة» بعد «مدرسة المشاغبين»، لكي تكون نقطة تحول كبري وضعته علي قمة الكوميديا العربية في عصره بلا منازع، وتبدو القيمة الحقيقية لكوميديا «عادل إمام» ـ مثل الريحاني ـ من ذلك القدر من التلقائية الموهوبة التي لا تحتاج إلي حركة كثيرة علي المسرح، وهذه نقطة اختلاف بينه وبين مشاهير الكوميديا الآخرين في عصره من أمثال «عبدالمنعم مدبولي»، و«فؤاد المهندس»، لذلك تمتع «عادل إمام» بشعبية في العالم العربي لا نكاد نجد لها نظيراً، وأتذكر أثناء خدمتي في «الهند» أن دبلوماسياً عراقياً شاباً كان لا يستطيع النوم كل ليلة إلا إذا شاهد فصلاً كاملاً من إحدي مسرحيات «عادل إمام»! ولكن القيمة الحقيقية لذلك الفنان الكبير تأتي من أنه ارتفع بمهنته إلي الصفوف الأولي في الحياة العامة، وكانت مدرسته في الكوميديا السياسية المضادة للإرهاب، والمكافحة للتطرف، والمعادية للتعصب، والداعية إلي الاعتدال والتسامح الديني والوحدة الوطنية، وكشف الفساد منظومة كونت في مجملها شخصية ذلك الفنان المسيس حتي النخاع، الذي اقتحم المواقع الصعبة في الظروف المعقدة، وذهب إلي قلاع التطرف الديني في عقر دارها وتحدي الإرهاب في أوج شدته، ثم إنه أيضاً ذلك الفنان الذي يستقبله رؤساء الدول، ويحتفي به رؤساء الحكومات، لأنه عبر عن مشاعر المواطن العربي تعبيراً أميناً وصادقاً، ولقد جمعتني بالفنان «عادل إمام» صداقة طويلة في مناسبات سياسية وجلسات نقاش فكرية، ولقد كان الكاتب الكبير «محمود السعدني» ـ شفاه الله وعافاه ـ هو همزة وصل بيننا في البداية، خصوصاً أن «عادل إمام يقف أمام محمود السعدني مثلما يقف شقيقه الأصغر «صلاح»، محبة دائمة، وود قديم، واحترام لا يزول، ويداعبهما الكاتب الساخر أحياناً بأنهما كانا يأتيان إلي منزله من كلية الزراعة طلباً لوجبة غداء ساخنة في سنوات الستينيات التي كانت فيها الجيوب خاوية ولكن الهامات عالية! إنه «عادل إمام» الذي ما ترك مناسبة في حياتي سارة أو حزينة إلا وجاملني بشكل لا أنساه، فأنا مدعو علي المائدة الرئيسية مع الوزراء من أصدقائه في زفاف ابنته بحديقة منزله بالهرم، وهو يشاطرني الأحزان في وفاة أمي وأبي علي صفحات «الأهرام»، وأراه دائماً يحترم نفسه بشكل ملحوظ، ولا يتخيل أحد أبداً أن ذلك المثقف الذي يشتبك في مناقشات سياسية ساخنة بعمق واقتدار، هو ذاته فنان الكوميديا الذي يضحك الملايين علي المسرح أو شاشة السينما، وتبدو قيمة أخري للفنان «عادل إمام» هي أنه عاش خارج سياق الوسط الفني المعتاد، فتزوج سيدة فاضلة هي سليلة عائلة راقية، ودفع بأبنائه إلي الجامعة الأمريكية للدراسة ولم ينفرط في نزوات الفن أو هفوات البعض، ولم يرتبط اسمه، إلا بفنه ومسرحياته وأفلامه، وهو ليس ذلك الفنان الذي يجلس في مناسبة اجتماعية ليوزع النكات والقفشات حتي يضحك الحاضرون، فليست تلك هي مهمته أبداً في تلك اللقاءات، إذ إن مهمته الفنية تتوقف فقط عند دوره فوق خشبة المسرح أو علي شاشة السينما، ألم أقل لكم إنه فنان ارتقي بالكوميديا إلي قمة الفنون وصعد باسم الفنان إلي قمة المجتمع؟! وكثيراً ما تعرض «عادل إمام» لحملات ضارية وافتراءات ظالمة وشائعات مغرضة، ولكنه استطاع أن يتجاوز كل ذلك لكي يصبح مثقفاً متألقا وشخصية عامة مرموقة قبل أن يكون فناناً رفيع القدر، ولا أزال أتذكر لقاءنا بالقاهرة مع الرئيس «أحمد بن بيلا» بطل الاستقلال وأول رئيس للجمهورية الجزائرية، والكلمة التي ألقاها «عادل إمام» أمامه والتي تكشف عن وعي سياسي شامل يربط ما بين الستينيات بما لها وما عليها وواقعنا الذي نعيش فيه ونتفاعل معه.. إن «عادل إمام» فنان قد أدخل بعض مفردات الكوميديا إلي قاموس الحياة السياسية، واستعار من عبارات السياسيين تعبيرات كوميدية لا ينساها الناس، إنه بحق إنسان يجمع بين شعبية الفنان وكبرياء المثقف وشموخ الوطني الذي يعيش قضايا أمته ويعكس معاناة شعبه.[/align] |
رد: الدكتور مصطفى الفقى وهؤلاء
[align=center]عبد الوهاب المسيري»
بقلم د. مصطفي الفقي ١٠/ ٧/ ٢٠٠٨ لم تكن علاقتنا طيبة في السنوات الأخيرة، ولكن ذلك لا ينتقص من قدره عندي، فالموضوعية هي ميزان حياتي، خصوصاً أن الخلاف بيننا لم يكن خلافاً شخصياً، فقد كنت أشفق علي اسمه الأكاديمي الكبير من وحل السياسة وضجيج الشارع المصري، بينما كان هو ينتقد بعض انتماءاتي الفكرية وولاءاتي السياسية إلي الحد الذي جعله يدعم المرشح المنافس لي في الانتخابات البرلمانية الأخيرة لأسباب تتصل بمبادئه وقناعته، وعندما شكوت الأمر إلي صديقنا المشترك المهندس «إبراهيم المعلم» رئيس اتحاد الناشرين اتصل بي بعدها د. «عبد الوهاب المسيري» ليعبر في هدوء ورقة عن محبته لي واعتزازه بصداقتنا، موضحاً أن الخلاف السياسي لا يفسد للود قضية، وأضاف أنه كان شديد الحرص علي ألا يمس شخصي ولا دوري الفكري والثقافي بكلمة واحدة، لأنه يقدر ذلك ويختلف فقط مع الموقف ذاته في إطار الحياة السياسية المصرية الراهنة، هذا وتذهب علاقتي بالراحل الكبير إلي السنوات الأخيرة من ستينيات القرن الماضي عندما استقدم الدكتور «أسامة الباز» لتلاميذه في معهد الدراسات الدبلوماسية بوزارة الخارجية ـ وأنا أحدهم ـ كوكبة من كبار الفقهاء والمفكرين وأساتذة الجامعات من أمثال «جورج أبو صعب» و«تحسين بشير» و«عبد الوهاب المسيري» و«يحيي العزبي»، إلي جانب أسماء لامعة في سماء الوطن من طراز «لويس عوض» و«أحمد بهاء الدين» وغيرهما، وفي تلك الفترة اقتربت من الدكتور «عبد الوهاب المسيري»، خصوصاً أننا ننتمي إلي المحافظة نفسها، فهو سليل عائلة عريقة وكبيرة في «دمنهور» معروفة بنشاطها التجاري وتعدد اتجاهات أبنائها في مجالات الحياة المختلفة، وقد رأيت في الدكتور «المسيري» رصانة الفكر وعمق الفلسفة والرغبة الدائمة في تأصيل الأمور والسعي نحو إظهار الحقيقة، ولقد كانت موسوعته عن اليهود واليهودية والصهيونية عملاً جباراً يعادل جهد خمس درجات علمية كبري ولقد أهداها إلي بكلمات رقيقة، واقترحت يومها ـ وقد كان هو سعيداً بذلك، فالحس التجاري النظيف لعائلته كان لايزال يجري في عروقه ـ أن تعمم هذه الموسوعة علي الجامعات والكليات في الداخل والسفارات والقنصليات في الخارج، إيماناً مني بقيمتها الرفيعة وفائدتها الكبري، وكنت أداعبه أحياناً بالقول إن بيت «المسيري» العريق هو بيت يهودي من شمال أفريقيا نزح من «المغرب» أو «تونس» إلي إقليم «البحيرة» قبل الإسلام وكان هو يضحك دائماً، ويقول لي: كف عن هذا الافتراء، بل هم فلاحون مصريون من طين غرب الدلتا المصرية، ولقد جمعني به منذ سنوات برنامج تسجيلي عن الإسلام وروحه السمحاء، وكنا نحن الثلاثة ـ الفقيه الكبير الدكتور «أحمد كمال أبو المجد» والدكتور «عبد الوهاب المسيري» وأنا ـ ضيوفاً علي ذلك البرنامج الذي كان يذاع باللغة الإنجليزية في محطات عربية وإسلامية بإعداد وتقديم من الإعلامي اللامع الأستاذ «محمد إسلام»، وفي معرض الكتاب منذ عامين دُعيت لإدارة ندوة عن القضية الفلسطينية، وكان هو أحد كبار المشاركين فيها فقدمته تقديماً موضوعياً وعادلاً يتناسب مع قيمته الفكرية وقامته العلمية، فنظر إلي في ارتياح مشوب بالرضا لا أنساهما أبداً، وعندما كنا نرتاد منزل الكاتب الكبير «أحمد بهجت» بصحبة أخينا الأستاذ «إبراهيم المعلم» كنت ألاحظ أن العمارة التي يسكنها في مصر الجديدة مختلفة عن كل بنايات القاهرة تقريباً.. ففي المدخل بعض الأحجار الفرعونية والآثار الإسلامية، وعلي حوائط الدرج لوحات فنية وقطع من التراث العربي، وسألت الكاتب الكبير «أحمد بهجت» عن ذلك فقال لي يومها: ألا تعلم أن هذه عمارة الدكتور «عبد الوهاب المسيري»؟ ومن الطبيعي أن تكون بهذه الروعة.. فكل إناء بما فيه ينضح! ذلك هو «عبد الوهاب المسيري» الذي فقدته مصر وأمته العربية والإسلامية مفكراً فريداً، ومثقفاً رفيعاً، وإنساناً بسيطاً زجت به السياسة في أتون نارها الحامية، ودفعه اهتمامه بالشأن العام إلي مواقف صعبة وظروف شائكة لم يكن لجسده العليل أن يتحملها، ولا لصحته المتهالكة في السنوات الأخيرة أن تتعايش معها، رحمه الله رحمة واسعة، وجعل عطاءه العلمي وميراثه الفكري ضياء له في عالم سرمدي يذهب إليه الناس ولا يعودون.. إنه عالم الأبدية والبقاء. فؤاد سراج الدين» بقلم د.مصطفى الفقى ٣/ ٧/ ٢٠٠٨ لقد ربطتني بهذه الشخصية الفريدة في الحياة السياسية المصرية الحديثة صلة مباشرة، ربما كان أحد أسبابها أن قرينته في السنوات الأخيرة هي قريبة لي، فضلاً عن العلاقة الناجمة عن عملي في المؤسسة السيادية الأولي، وأذكر أنني تلقيت اتصالاً هاتفياً منه ذات يوم يدعوني لحضور حفل رأس السنة، الذي يقيمه في منزل شقيقه الراحل «ياسين سراج الدين»، وعندما ذهبت إلي ذلك الحفل وجدت نسبة كبيرة من الحاضرين ممن ينتمون للعائلات الوفدية القديمة أو المعنيين بالشأن العام وهموم الوطن عموماً، وأجلسني «فؤاد باشا» إلي جانبه ـ وكنا في منتصف التسعينيات من القرن العشرين ـ وراح يتحدث معي وكنت أستمع إليه، وكأنما أستمع إلي صوت التاريخ يأتي من أعماق الماضي السحيق، وسألته: لماذا تدخن السيجار يا باشا؟ ـ في أواخر الثمانينيات من عمره ـ فقال لي إنه بدأ التدخين منذ سن السابعة عشرة ولم يتوقف عنه حتي وهو في السجون، فلماذا يتوقف الآن؟، ورأيته ينادي خادمه، ويقول له إن الدكتور مصطفي يشرب مشروباً معيناً كما أن علبة «المناديل» موجودة إلي جانب جهاز التليفزيون! ووجدتني أشعر بالدهشة الشديدة لذاكرته القوية، وشخصيته المؤثرة، وثقافته الواسعة، ودهائه الواضح، وقلت في نفسي إن الأطباء يحذرون من عدة عوامل تؤثر في سلامة القلب وتقصف العمر مبكراً وهي التدخين، و«فؤاد باشا» مدخن لمدة سبعين عاماً علي الأقل، والسمنة و«فؤاد باشا» بدين منذ مولده، والضغط النفسي والعصبي و«فؤاد باشا» سجنه «عبدالناصر» و«السادات» وعاش سنوات صعبة للغاية بعد ثورة ٥٢ اضطر فيها إلي الاشتغال بتجارة التحف والعاديات، أما النهم للحياة «ففؤاد باشا» كان يقطع أمامي من طبق «الفواجرا» الدسم بسكين، ويلتهم منه بشهية طوال السهرة، بل ويتابع الراقصة في شغف واهتمام، فكل عوامل قصف العمر موجودة في حياة الباشا، ومع ذلك اقتحم التسعين ومات وهو يحمل ذاكرة حديدية وشخصية فذة وروح دعابة لا تختفي، وعندما دعوته لحضور حفل زفاف ابنتي وجدته يستند إلي مرافقيه في الثانية صباحاً خارجاً من قاعة الحفل فقلت في نفسي إنه لرجل صامد، بقي يجاملني حتي هذه الساعة المتأخرة من الليل؟! ولكنني اكتشفت أنه ذاهب إلي دورة المياه، ثم يعود ليكمل السهرة في حيوية وسمو ودماثة خلق! وما أكثر ما سمعت من نوادره، خصوصاً من الأصدقاء «نعمان جمعة» و«محمود أباظة» و«منير فخري عبدالنور»، وحفيده ورفيق سنواته الأخيرة «فؤاد بدراوي»، والكل يجمع علي تلك الصفات النادرة التي تميز بها ذلك الباشا المتألق ـ إيجاباً أو سلباً ـ في عصور الملك «فاروق» والرؤساء «نجيب» و«عبدالناصر» و«السادات» و«مبارك»، ومازلت أتذكر تلك الليلة من شتاء النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي عندما ذهبنا: السفراء، «شكري فؤاد» و«أنور بشاي» و«محمود مرتضي» وكاتب هذه السطور، لحضور المؤتمر الأول لمندوبي الأقاليم الذين وفدوا إلي مقر الباشا في «جاردن سيتي» يبايعونه لرئاسة حزب «الوفد» الجديد بعد انقطاع استمر لأكثر من عقدين من الزمان، وكان ذلك في أعقاب ظهور إرهاصات التعددية الحزبية علي يد الرئيس «أنور السادات»، وأتذكر أن أحد الخطباء الذي كان يمثل محافظة القليوبية قال لـ «فؤاد باشا» في مستهل كلمته: (لقد جئتك من مدينة «طوخ» أحمل لك تأييد صاحب القصر وساكن الكوخ..!) ثم تصاعدت الهتافات بحياة «فؤاد باشا» الذي أدرك بفطنته أن مصر الثورة لا تعرف إلا الحاكم الأوحد فقاطع المتحدثين، وقام خطيباً ليقول: (إن التحية واجبة أولاً للرئيس «أنور السادات» الذي أتاح لنا فرصة العودة إلي الحيـاة السياسية والالتقاء في هذا المؤتمر)، وإذا كان شهر العسل لم يدم طويلاً بين الأحزاب الجديدة والرئيس الراحل «السادات»، إلا أن الفضل يرجع إليه في بعثها من مرقدها بعد طول غياب. إنه أيضاً «فؤاد سراج الدين» ابن الأرستقراطية الإقطاعية في الريف المصري الذي كان تألقه في صفوف الوفد الأولي بمثابة ضربة خفية للعلاقة التاريخية بين «مصطفي النحاس» و«مكرم عبيد»، وهو أيضاً «فؤاد سراج الدين باشا» الذي كان من أصغر من دخلوا مجلس النواب سناً في تاريخ البلاد، وهو الذي كان وزيراً للزراعة، وأهم من ذلك أنه كان وزير الداخلية الوطني الذي شهد المواجهة الباسلة بين رجال الشرطة وقوات الاحتلال في مدينة «الإسماعيلية»، وهي المناسبة التي أصبحت عيداً سنويا للشرطة المصرية حتي الآن. وقد اختار «فؤاد باشا» دائماً الانحياز إلي الجانب الوطني فقد كان علي علم ببعض اجتماعات الضباط الأحرار داخل صفوف الجيش، ولكنه تجنب الوشاية بهم أو تعويق مسيرتهم، وقد كان من بين صفوفهم أحد أبناء عمومته، وهو الذي أصبح فيما بعد السفير «عيسي سراج الدين»، وقد خدمت معه مباشرة عندما كان مديراً لإدارة شؤون فلسطين بوزارة الخارجية في ستينيات القرن الماضي.. إنه «فؤاد سراج الدين» الامتداد الطبيعي لزعامة «سعد زغلول» و«مصطفي النحاس»، وهو سكرتير عام حزب الأغلبية لعدة سنوات، والوزير المرموق الذي عصفت به ثورة يوليو، وأذاقته من كأس ما كان يستحق أن يشرب منها.. رحمه الله بقدر ما تميز به من حس وطني، وشعور إنساني، وشخصية حصيفة، ورؤية ثاقبة.[/align] |
رد: الدكتور مصطفى الفقى وهؤلاء
[align=center]علي صبري
بقلم د. مصطفي الفقي ٢٦/ ٦/ ٢٠٠٨ في صبيحة أحد أيام شهر فبراير عام ١٩٦٦ - وكنت طالبًا في السنة النهائية في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية أنتظر التخرج بعد شهور قليلة - اتصل بي الأستاذ الدكتور «حسين كامل بهاء الدين»، أمين الشباب في الاتحاد الاشتراكي العربي حينذاك، وهو بالمناسبة صاحب عقلية علمية وتنظيمية عالية القدرات، لكي يبلغني بأنه قد حدد لي موعدًا مع السيد «علي صبري» نائب رئيس الجمهورية وأمين عام الاتحاد الاشتراكي العربي في مقر التنظيم السياسي الواحد علي كورنيش النيل، وأنه يتعين علي أن أذهب في الحادية عشرة صباحًا ليأخذني السيد «جمال عرفي» مدير مكتب السيد النائب للقائه في الموعد المحدد، وتهيبت الموقف في البداية إذ كيف يستقبل نائب رئيس الجمهورية طالبًا في السنة الرابعة بالجامعة، ولكنني أدركت بعد ذلك أن تلك هي خصائص التنظيم السياسي الذي لا يعترف بفوارق العمر أو اختلاف المواقع السياسية، لأنه لا يعمل وفقًا لروتين الحكومات المعتاد، وقد استقبلني السيد «علي صبري» ببشاشة ولفت نظري في مكتبه جهاز تكييف كبير ونباتات خضراء، وبهرني كثيرًا تنظيم المكان الذي لم يكن معتادًا في مكاتب أساتذة الجامعة البسيطة بظروفها، بل الفقيرة أحيانًا بمقتضي الحال! وبادرني السيد «علي صبري» بقوله (إن الدكتور «حسين كامل بهاء الدين» تحدث عنك حديثًا طيبًا ورشحك لعضوية التنظيم الطليعي)، ثم استطرد يتحدث عن السياستين الخارجية والداخلية وقد تزامن اللقاء يومها مع انقلاب عسكري في «غانا» ضد الرئيس «كوامي نكروما»، لذلك سألني عن رأيي في ذلك الحدث ليتعرف علي قدرتي في التحليل السياسي ومتابعتي للشؤون الأفريقية، ثم تحدث عن نقص الكوادر المطلوبة في الاتحاد الاشتراكي وأن أي دعم له يكون علي حساب الجهاز التنفيذي والهيكل الإداري للدولة، ثم تحدث عن مظاهر الإقطاع الباقية وتحكم بعض العائلات في مقدرات القري والمدن الصغيرة والأحياء في المدن الكبيرة، وقد عبرت له يومها عن قلقنا مما أشيع عن احتمال تولي السيد «شوقي عبد الناصر» شقيق رئيس الدولة أمانة الشباب بديلاً للدكتور «حسين كامل بهاء الدين» أسوة بما فعله الرئيس التنزاني «جوليوس نيريري» عندما عين شقيقه رئيسًا لشباب الحزب الحاكم في بلاده فنفي السيد «علي صبري» الشائعة، التي كان دافعها في ظني ذلك الصراع الصامت بين مجموعة «هيكل» أو ما يسمي بالتيار اليميني في ذلك الوقت ومجموعة «علي صبري» والمحسوبين علي اليسار في الجانب الآخر، كما أن «منظمة الشباب» التي كنت عضوًا في لجنتها المركزية ومسؤولاً بها عن التثقيف السياسي لمحافظة القاهرة موضع شك وريبة في كثير من الأوساط بما في ذلك المؤسسة العسكرية ذاتها. وقد استمر لقائي مع السيد «علي صبري» لأكثر من ساعة ونصف استمع فيها إلي شاب صغير بعناية واهتمام وتحدث إليه في رعاية كاملة وهدوء زائد وأعطاني يومها بضع أوراق عن التنظيم الطليعي، من ذلك النوع الذي توجد به ثقوب محددة تأكيدًا للسرية، وودعني علي أمل لقاء قادم. وبعد ذلك بشهور قليلة جاء السيد «علي صبري» متحدثًا في أحد معسكرات التدريب التي كنت موجودًا فيها وفتح باب الحوار، ووجدتني أرفع يدي في تلقائية وأسأل رجل النظام القوي عن سبب اعتقال عدد من زملائي فيما سمي حينذاك بتنظيم «القوميين العرب»، ولقد أجاب الرجل بعبارات ذلك العهد وشعاراته ولكن استقبل زملائي سؤالي بالاستحسان والإعجاب لأن الأمور كانت تتم في صمت وسرية ولم يكن هناك مجال كبير للحوار العلني في تلك الفترة، وظل السيد «علي صبري» - وهو الذي أجري اتصالاً عشية قيام الثورة بالملحق الجوي الأمريكي ليبلغه باعتباره رفيق سلاح بطبيعة «الضباط الأحرار» وأهدافهم ورغبتهم في حياد الولايات المتحدة الأمريكية ثم دعمها إذا تحركت القوات البريطانية من منطقة القناة صوب العاصمة لقمع الانقلاب العسكري كما كانوا يطلقون عليه - قريبًا لقلب الرئيس «عبدالناصر» عندما كان يوظف بنجاح صراع اليمين واليسار علي الساحة السياسية لمصلحة الحكم في عهده حتي ولي السيد «علي صبري» رئاسة الحكومة وقدمه يومها للجماهير في عبارات سخية للغاية. ولابد أن أعترف هنا أن الدكتور «حسين كامل بهاء الدين» ومجموعة مساعديه يتقدمهم الدكاترة «مفيد شهاب» و«عبدالأحد جمال الدين» و«محمود شريف» و«عادل عبدالفتاح» مسؤول التنظيم، والسيدان «عبد الغفار شكر» و«هاشم العشيري» كانوا يعملون جميعًا لوجه اللّه والوطن، ولم يكونوا جزءًا من الصراع السياسي الصامت الذي كان السيد «علي صبري» أحد رموزه، لذلك ظللت وفيا لهذه المنظمة السياسية - بما لها وما عليها - مدينًا لها في التربية السياسية التي أهلتنا للحياة العامة بعد ذلك. وقد أصدر الرئيس الراحل «جمال عبدالناصر» قرارًا جمهوريا بتعيين سبعة من شباب المنظمة دبلوماسيين في وزارة الخارجية كنت واحدًا منهم في واقعة غير مسبوقة في تاريخ السلك الدبلوماسي المصري الحديث، وهو ما أدي إلي ردود فعل سلبية في وزارة الخارجية قبيل النكسة بشهور قليلة، وإن كان معروفًا أنني كنت الوحيد بينهم المنقول من رئاسة الجمهورية - التي كان وضعي مجمدًا فيها بسبب عضويتي في التنظيم الطليعي - إلي السلك الدبلوماسي وقد انتهي بي المطاف إلي تحقيق تنظيمي شارك فيه الراحلان «فتحي الديب» و«محمد عبدالفتاح أبوالفضل» وانتهي بفصلي من التنظيم الطليعي بسبب عدم التزامي بقواعد العضوية ومشاركتي في اجتماعات تتصل بما سمي وقتها بمشروع «الحركة العربية الواحدة» وكان ذلك في شهر أبريل من عام ١٩٦٧. وقد قال لي أمين الشباب الدكتور «حسين كامل بهاء الدين» يومها إن السيد «علي صبري» عاتب عليك بشدة وهو يقول إن لديك من الذكاء ما كان يجب أن يمنعك من الانخراط في تجمعات الطلاب واللاجئين العرب والحماس لآرائهم رغم عضويتك في التنظيم الطليعي، وبذلك طويت صفحة أعتز بها من مرحلة الشباب وأقدر فيها ما تعلمناه من قدرات الدكتور «حسين كامل» التنظيمية وأساليبه العلمية في التفكير والتنفيذ وخرجت منها أحمل احترامًا للسيد «علي صبري» الذي قذفت به قضية مراكز القوي إلي قاع زنزانة السجن محكومًا عليه بالإعدام الذي جري تخفيفه إلي السجن المؤبد مع الشهور الأولي لحكم الرئيس السادات» - رحمهماالله - فهما معًا في رحابه ومحكمة التاريخ وحدها هي الفيصل بين الجميع. إسماعيل فهمي بقلم د. مصطفي الفقي ١٩/ ٦/ ٢٠٠٨ لا أظن أن مسؤولاً كبيراً في تاريخ الحياة السياسية المصرية الحديثة قد انسحب من موقعه طواعية، وقدم استقالته من منصبه المرموق احتراماً لقناعته الشخصية وموقفه القومي - بغض النظر عن تقييمنا لنتائج ذلك - إلا ما فعله السيد «إسماعيل فهمي» عشية سفر الرئيس الراحل «أنور السادات» إلي القدس في زيارته الشهيرة «نوفمبر ١٩٧٧»، لكي يعبر عن استقلالية في الرأي، واحترام للذات، وإيمان عميق بضرورة تطابق أفكاره مع تصرفاته حتي ولو كانت تأتيه التعليمات من خلال توجيهات سيادية.. «إسماعيل فهمي» فصل كبير من كتاب الدبلوماسية المصرية في القرن العشرين، فهو صاحب مدرسة متميزة في السلك الدبلوماسي، وما من موقع إلا ووجدنا له فيه بصمة أو أثراً إيجابياً يشير إليه، فعندما ذهبت إلي «فيينا» سفيراً، وجدت أن الذي وقَّع علي عقد إيجار مبني القنصلية المصرية في العاصمة النمساوية عام ١٩٥١، هو «إسماعيل فهمي»، الذي كان دبلوماسياً صغيراً فيها ثم عاد إليها سفيراً مع منتصف الستينيات، وهي الدولة الوحيدة التي خدم فيها ذلك الدبلوماسي اللامع سفيراً لبلاده ومندوباً لدي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وغيرها من هيئات الأمم المتحدة ووكالاتها هناك، ولقد كنت أشعر دائماً - ولا أزال - باعتزاز شديد، أن المرة الوحيدة التي خدمت فيها سفيراً بالخارج كانت تكراراً لما فعله السيد «إسماعيل فهمي»، وإن كنت لا أدعي أن لي قدراته الدبلوماسية الكبيرة أو اسمه اللامع في الدبلوماسية الدولية، فقد كان رئيساً للجنة الأولي «السياسية» في الأمم المتحدة، كما أن له إسهامات دولية مشهودة، ولست أنسي أن «كورت فالدهايم»، رئيس جمهورية النمسا، سكرتير عام الأمم المتحدة الأسبق لفترتين متتاليتين، قد قال لي مباشرة في أحد لقاءاتنا بالعاصمة النمساوية، إن الفضل يرجع إلي «إسماعيل فهمي» في اختياره أميناً عاماً للأمم المتحدة، ولولاه لما تحقق ذلك في حياته، وأذكر أنني التقيت أول مرة السيد «إسماعيل فهمي» في منتصف السبعينيات بالعاصمة البريطانية، عندما ذهبت إلي الدكتوره «أسامة الباز» مدير مكتب وزير الخارجية حينذاك - أستاذ جيل من الدبلوماسيين أنتمي شخصياً إليه - وقد سعيت إليه في فندق «هيلتون» الجديد وقتها بمنطقة «هولند بارك» في مدينة الضباب، لأسلمه بعض البرقيات الشفرية الواردة للسيد «إسماعيل فهمي» من القاهرة، ولكن الدكتور «أسامة الباز» - كعادته دائماً - قدمني مباشرة إلي وزير الخارجية «إسماعيل فهمي» في جناحه وذكرني أمامه بكلمات طيبة، وقد أمضيت بعض الوقت أعرض ما لدي وأكتب ما يمليه علي الدكتور «أسامة الباز»، بناء علي توجيهات الوزير الذي عاملني بلطف زائد، رغم ما كان يشاع عنه من ترفع دائم وكبرياء ملحوظ، ثم كانت المرة الثانية التي ألتقي فيها ذلك الدبلوماسي المعلم، هي عندما جمعتنا مائدة العشاء لدي سفير الكويت بالقاهرة زميل دراستي «عبدالرزاق الكندري»، وكان «إسماعيل فهمي» في ذلك الوقت بعيداً عن مواقع السلطة ولكنه كان محتفظاً بشموخه المعهود وكبريائه المعتاد، وكان حاضراً في ذلك العشاء الدبلوماسيان المرموقان الدكتوران «أحمد عصمت عبدالمجيد» و«أشرف غربال»، ثم كانت محادثتي الأخيرة مع ذلك المعلم الكبير «إسماعيل فهمي» بعد أن صدر القرار الجمهوري بتعييني سفيراً لبلادي في «فيينا» ومندوباً لدي المنظمات الدولية فيها عام ١٩٩٥، وقد قال لي عبر الهاتف إن «فيينا» ليست عاصمة عادية، لأن فيها علاقات ثنائية وعلاقات متعددة الأطراف في ذات الوقت، فضلاً عن وجود مقر الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ومنظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية «اليونيدو»، والمقر الثالث للأمم المتحدة، ثم أضاف في رعاية أبوية واضحة بالنص: «ولكنك يا مصطفي قدها وقدود»! واعتبرت تزكية ذلك الرجل الكبير لي أوراق اعتماد أخري إلي العاصمة التي عمل فيها مرتين، ولايزال كبار المسؤولين فيها يتذكرونه بالإجلال والاحترام، وعندما أصدر السيد «إسماعيل فهمي» كتاب مذكراته، التقطه الخبراء والمؤرخون بنهم واهتمام شديدين، لأن الرجل لم يكن ظاهرة عادية في تاريخ الخارجية المصرية ولكنه كان صاحب مدرسة لاتزال تمارس تأثيرها في العمل الدبلوماسي حتي الآن، ولاتزال ذاكرتي تحتفظ بموقف لا أنساه أبداً عندما كنت ملحقاً دبلوماسياً في إدارة غرب أوروبا بوزارة الخارجية في مبناها بالجيزة عام ١٩٦٧، ورأيت السيد «محمود رياض»، وزير الخارجية حينذاك، يصعد علي درج الوزارة متجهاً إلي إدارة الهيئات الدولية، ليزور مديرها المستشار «إسماعيل فهمي».. وهو وضع لا أظن أنه قد تكرر من قبل في ذلك الوقت، بحيث يتحرك الوزير بنفسه إلي مكتب أحد معاونيه بدلاً من أن يستدعيه إليه، وتلك الواقعة الصغيرة تعكس احترام الرؤساء والمرؤوسين لذلك النجم الذي هوي منذ سنوات بعد أن فضل العزلة الاختيارية علي بريق الموقع مهما علا شأنه.. رحم الله «إسماعيل فهمي» الذي نذكره بفضل عطائه لوطنه وللدبلوماسية المصرية والمحافل الدولية علي امتداد سنوات خدمته الشامخة.[/align] |
رد: الدكتور مصطفى الفقى وهؤلاء
[align=center]مصطفي خليل»
بقلم د. مصطفي الفقي ١٢/ ٦/ ٢٠٠٨ كان رئيسًا للوزراء من طراز خاص، يحسبه الناس متعاليا، ولكن كبرياءه احترام للذات وترفع عن الصغائر، وهو أحد النماذج القليلة التي تألقت في عصور الرؤساء الثلاثة «عبدالناصر» و«السادات» و«مبارك»، فلقد بدأ في منتصف الخمسينيات ضمن مجموعة «التكنوقراط» المتميزين الذين التقطتهم ثورة يوليو ١٩٥٢، من أمثال «عزيز صدقي»، و«القيسوني» و«سيد مرعي» وغيرهم من الرموز الوطنية والكوادر الفنية التي التحقت بركب الثورة وأبلت بلاءً حسنًا عبر تاريخها الطويل، ولقد تميز «مصطفي خليل»، من بين أقرانه، بالهدوء والاتزان علي نحو اكتسب به احترام كل من حوله، وتولي وزارات مختلفة باعتباره أستاذًا مرموقًا في الهندسة، وفي أواخر عصر الرئيس «عبدالناصر»، عندما سعي آخر وزير إعلام في عصره السيد «محمد حسنين هيكل» إلي إعادة تنظيم قطاع الإذاعة والتليفزيون وتشكيل مجلس أمناء لاتحاده، لم يجد أفضل من الدكتور «مصطفي خليل» لكي يتولي رئاسة ذلك المجلس الوليد في ظروف ما بعد النكسة وما قبل التحرير، وعندما وصل الرئيس «السادات» إلي السلطة ازداد د. «مصطفي خليل» تألقًا وصعد نجمه لكي يكون رئيسًا للوزراء، وليشارك بفاعلية وجدية وخبرة في المفاوضات الشاقة مع الجانب الإسرائيلي، ولاتزال الرسائل المتبادلة بين د. «مصطفي خليل»، و«مناحم بيجن»، رئيس الوزراء الإسرائيلي، هي بمثابة وثائق تاريخية صلبة، خصوصًا أن د. «مصطفي خليل»، قد رافق الرئيس «السادات» في رحلته الشهيرة إلي «القدس»، وأثناء إلقاء خطابه القوي في «الكنيست»، وربما كانت هذه الرؤية المبكرة من جانب د. «مصطفي خليل» وحماسه للسلام العادل مع إسرائيل أحد المطاعن التي حاول بها خصومه أن ينالوا من توجهاته السياسية، ولكن الرجل استطاع أن يمتص كل هذه المواقف وأن يقف في النهاية شامخًا متمسكًا برؤيته الوطنية وفكره المعتدل، ولقد سعي إليه الإسرائيليون في مناسبات كثيرة، وكان هو دائمًا ذلك الوطني الصلب الذي يؤمن بالسلام العادل والشامل دون شعارات زاعقة أو عبارات رنانة، فلقد كان هدوء الرجل وثقته في نفسه إحدي الركائز التي استند إليها طوال مسيرة حياته، ونحن لا ننسي أنه كان رئيس وزراء محترمًا للغاية وكانت له رؤي بعيدة ونظرة ثاقبة، استطاع بها أن يستشرف المستقبل، وأن يكون الوحيد من بين ساسة جيله الذي يبدو مقتنعًا بمسيرة الرئيس «السادات» السلمية، وقد ظل دائمًا ملتزمًا بما اقتنع به مدافعًا عنه في دماثة خلق ورقة، لا نكاد نري لهما نظيرًا في أجيالنا الحالية، ولاأزال أتذكر من ذكرياتي مع هذا الراحل الكبير أنه قد جمعتنا مناسبة اجتماعية في إحدي الأمسيات، بعد تركي الموقع الذي كنت أشغله بجانب رئيس الدولة، فرأيت أن أطرح عليه بعض همومي، فإذا به يعبر عن تقديره لشخصي ويزيد علي ذلك رغبته في التوسط لتحسين موقفي عند ولي الأمر، وهو أمر لا أنساه له، خصوصًا أنني لم أعمل معه مباشرة، رغم أنه جمع بين وزارة الخارجية ورئاسة الوزراء بعد أن عاني الرئيس «السادات» من فرار وزيرين للخارجية بسبب اختلافهما مع رؤية الرئيس الراحل السلام مع إسرائيل، وقد أتاحت لي الظروف بعد ذلك أن استضيف د. «مصطفي خليل» في صالون «إحسان عبدالقدوس» بمبني «روزاليوسف»، عندما كنت مشرفًا علي ذلك الصالون الفكري والأدبي في منتصف التسعينيات، وكان الرجل هادئًا في حديثه، ودودًا في تعامله، أنيقًا في ملبسه، راقيا في حواره لا ينفعل ولا يخرج عن الإطار الذي رسمه لنفسه، وعندما انتخب نجله الصديق «هشام» عضوًا في البرلمان كان والده قد دخل في حالة بيات شتوي عميق، ولكن الابن استطاع أن يحصل من أبيه علي مباركته لما يفعله من خلال الحديث الصامت بالإشارة الموجزة. رحم الله رجلاً أعطي لوطنه في شموخ، واختلف مع غيره في كبرياء، وتواصل عطاؤه في ثلاثة عهود. حامد ربيع» بقلم د. مصطفي الفقي ٥/ ٦/ ٢٠٠٨ لم أكن مديناً لشخص في حياتي الأكاديمية مثلما هو الأمر بالنسبة لأستاذنا الراحل الدكتور «حامد ربيع» فإليه يرجع الفضل في جدولة ذهن تلاميذه وترتيب أولوياتهم الفكرية وتنسيق عقلياتهم العلمية. وما كتبت في حياتي شيئاً أعتز به إلا وتذكرت أستاذنا الراحل الذي كان بحق هو «الدكاترة حامد ربيع»، فلقد ضرب في كل المعارف بسهم وتشكلت لديه رؤية رائعة للفلسفة الإسلامية والحضارة الغربية في وقت واحد، فضلاً عن قدرته علي التحريض الفكري وإثارة درجة عالية من حرارة التحليل في العلوم السلوكية. وأتذكر الآن أول يوم رأيته فيه بجسده الضخم وهو يدخل علينا المدرج عائداً بعد سنوات قضاها بين إيطاليا وفرنسا يجوب الجامعات ويبحث في المخطوطات داخل «الأديرة» ويجمع بصورة فريدة بين فهمه للحضارة الإسلامية وتذوقه للحضارة الغربية وتعمقه فيهما معاً بصورة لا نكاد نجد لها نظيراً. وما رأيت في حياتي قدرة علي التنظير مثل تلك التي تمتع بها أستاذنا الدكتور «حامد ربيع» فهو يرد الأمور إلي أصولها ويتعقب الظواهر إلي أسبابها ويملك أدوات متميزة في البحث العلمي يطبقها علي الفكر السياسي بشكل فريد، حتي إن بعض المقاطع من كتاباته في علم السياسة تقترب من الرياضيات العليا كما أنه في ظني أستاذ أساتذة علوم مناهج البحث، ولقد أعانته دراسته القانونية إلي جانب اتصاله الواسع بالثقافتين الإغريقية والرومانية ثم ارتباطه بالحضارة الإسلامية كي يصبح بحق مؤسسة فكرية تمشي علي قدمين. ولقد أدركت للوهلة الأولي أنني أمام منجم ربما لن أعثر علي مثله في حياتي لذلك كان يبدو غريباً لي أن أحصل علي درجة الامتياز في مادة «الرأي العام» التي كان يدرسها لنا بينما كانت نسبة رسوب زملائي فيها عالية، والغريب أن ذلك الرجل المستغرق في النظريات قد استطاع أن يوظف النظرية السياسية الحديثة لخدمة طلابه وقرائه ومريديه علي نحو غير مسبوق. وما تركت فرصة أستمع فيها إليه إلا وسعيت لها وكانت محاضراته لي ولزملائي كالمعزوفة الشيقة التي ينبهر بها الكل ويعجز أمامها الجميع فلقد كانت كلماته مزيجاً من الفكر والفلسفة، من الأدب والفن، من الثقافة والعلم، كما أنه كان صاحب رؤية شاملة تستوعب الكون والخلق والأشياء، ولسوء حظنا أن الرئيس العراقي الأسبق «صدام حسين» قد سمع بأمره فاستقدمه إلي «بغداد» ليعمل هناك لعدة سنوات أدار فيها الحملة النفسية العراقية في سنوات الحرب مع «إيران»، ويبدو أن د. «حامد ربيع» قد عرف من أمر «صدام» ونظامه أكثر مما يجب فتعقبته الاستخبارات العراقية إلي مصر ليقضي في «القاهرة» مسموماً بعد وجبة غذاء دعاه إليها مسئول عراقي مجهول، ويومها شعرت بفداحة الخسارة وأدركت أننا قد فقدنا كوكباً يشع بالمعرفة حيث اغتالته يد الغدر والتآمر والظلام من أولئك الذين لم يروا فيه إلا مستودعاً للمعلومات وليس أيضاً معملاً للأفكار والرؤي والمبادرات. ومنذ فترة قصيرة ـ أثناء رئاستي للجامعة البريطانية ـ مر أمامي اسم أحد الطلاب الذي بدا لي ابناً لأستاذي الراحل وتأكدت من صدق حدسي عندما اكتشفت أن ذلك الشاب المصري هو من مواليد «بغداد» في نهاية الثمانينيات لأم عراقية فأيقنت بعد ذلك أنه ابن أستاذي الراحل الذي أدين له بالفضل أنا وأبناء جيلي جميعاً، والغريب أن ذلك الأستاذ العظيم كان يحتفظ بعلاقات سيئة بزملائه الأساتذة كما أن سمعته بين طلابه كانت لا تخلو من كراهية وخوف، ولا عجب فهو صاحب تعبير «الصفر الملوث» وهو ما يعني ما هو دون الرسوب ذاته. ولقد تميز الدكتور «ربيع» بالعصبية الحادة أحياناً والسخرية اللاذعة أحياناً أخري وكان يولي المرأة اهتماماً خاصاً في حياته فتعددت زيجاته وتلك علي ما يبدو سمة تصيب بعض المفكرين الذين يجدون في جمال المرأة ملاذاً من ضغوط الحياة ووطأة الفكر!! ولقد تميز الدكتور «حامد ربيع» بأنه أصبح صاحب مدرسة متكاملة في علم السياسة من روادها علماء وأساتذة وسفراء كما أن له تلاميذ علي امتداد العالم العربي كله تأثروا به وبطرقه غير التقليدية في التفكير والتعبير. ولقد جمعتني بأستاذي هذا مناسبات عديدة ومناقشات طويلة وعلي الرغم من أن صلته بزملائه الأساتذة لم تكن طيبة في مجملها إلا أن علاقاته ببعض تلاميذه كانت أفضل من ذلك بكثير خصوصاً أن الرجل كان يقف علي الحافة بين العلم والفكر فهو عالم ومفكر في آن واحد. .. رحمه الله جزاء ما قدم لأمته من علم، ولطلابه من معرفة، ولعلم السياسة من تأصيل ارتفع به من مستوي الهواة إلي درجة الفرع العلمي الكامل.[/align] |
رد: الدكتور مصطفى الفقى وهؤلاء
[align=center]ميشال سليمان
بقلم د. مصطفي الفقي ٢٩/ ٥/ ٢٠٠٨ تشكل وفد من البرلمان العربي برئاسة السيد «محمد جاسم الصقر»، وعضويتي كنائب لرئيس ذلك البرلمان، ومعنا بعض الزملاء فيه لزيارة لبنان في شهر مارس ٢٠٠٨، ولقاء الفرقاء السياسيين من جميع الاتجاهات، في محاولة لبذل جهد مكمل لما قام به أمين عام جامعة الدول العربية، للتوفيق بين جميع الأطراف والتقريب بين وجهات النظر لحلحلة المشكلات، وانتخاب الرئيس التوافقي قائد الجيش «ميشال سليمان»، وقد التقينا أثناء الزيارة كل أطياف الحياة السياسية اللبنانية من «فؤاد السنيورة»، رئيس الحكومة، إلي «نبيه بري»، رئيس المجلس النيابي، إلي «وليد جنبلاط» إلي النائب «سمير جعجع» ـ لأنه كان مسافراً إلي الولايات المتحدة الأمريكية ـ إلي «ميشيل عون»، والبطريرك الماروني «صفير»، وصولاً إلي السيد «نعيم قاسم»، نائب السيد حسن نصرالله ـ الذي كان لا يقابل أحدا لأسباب أمنية منذ اغتيال «عماد مغنية» ـ واختتمنا جولتنا التوفيقية، بعد الاستماع إلي كل الآراء ودراسة جميع المواقف، بلقاء قائد الجيش المرشح للرئاسة حينذاك في ساعة متأخرة من المساء في مكتبه بقيادة الجيش، ورأيناه إنساناً هادئاً ومتواضعاً ومستمعاً، وتحدثنا معه طويلاً، ولاحظت أنه شخصية معتدلة للغاية، ويتحدث عن أوضاع الجنوب اللبناني والمقاومة و«حسن نصر الله» بشيء من العقلانية والواقعية، لا تبدو معتادة دائماً من مسؤول «ماروني» كبير، وكان يتحدث عن برنامجه - لو تولي الرئاسة - بوضوح ورغبة في التوازن والعدالة السياسية بين القوي اللبنانية المتصارعة، وقد تحدث الرجل معي عن «مصر» بمودة شديدة، وعن رئيسها باعتزاز ملحوظ، وعندما قلت له إن السيد «نبيه بري»، رئيس البرلمان، قال لنا صباح هذا اليوم: إنكم عندما ذهبتم إلي «القاهرة»، واستقبلكم الرئيس «مبارك»، فإن الفرقاء اللبنانيين شعروا بالطمأنينة والارتياح، فأجابني بأن هذا صحيح إلي حد كبير، وكان الرجل ودوداً معنا، وتطرق الحديث إلي الجارة ذات الخصوصية «سوريا»، وأشار إلي أهمية وجود علاقة صحية بين البلدين التوأم، كما ألمح إلي أهمية الندية في تلك العلاقة، لضمان استمرارها واستقرارها، وقد لاحظت أنه يري أن يتعايش «لبنان» مع المقاومة، لأنها رصيد استراتيجي ـ إلي جانب الجيش ـ يصب في خانة مصلحة «لبنان» المستقل في قراره، والذي لاتزال أجزاء منه تحت الاحتلال، وقد تكلم الرجل عن إسرائيل، باعتبارها الخطر الداهم علي «لبنان» والمنطقة كلها، وبدا لي «ميشال سليمان»، عروبي الهوية، لبناني الشخصية، معتدل التوجه والمزاج، أما ما يتصل بديانته وطائفته، فأنا أظن أنهما لن يؤثرا علي فهمه للمعادلة اللبنانية المعقدة، والتركيبة المذهبية المتداخلة، التي تتأثر بالقوي الشرق أوسطية الأخري، فالدول كثيرة، أجندات متعددة في «لبنان»، تنعكس بالضرورة علي الجماعات والفرق الموجودة علي الساحة السياسية في ذلك البلد الجميل ثقافياً وسياحياً.. اجتماعياً وفنياً.. ديمقراطياً وحراً، وإذا كان اختيار «ميشال سليمان»، قد استغرق عدة شهور، فإن كبرياء الرجل قد جعله يعلن منذ فترة أن شهر أغسطس ٢٠٠٨، هو الحد الأقصي لانتظاره ذلك المنصب المرموق، فهو ليس مستعداً للهاث وراء الموقع الكبير إلي ما لا نهاية! ثم جاءت «دبلوماسية قطر»، لاحتواء جميع الأطراف في عاصمتهم، حيث تحقق النجاح لها والحل الوقتي للأزمة اللبنانية المزمنة!. أيها السيد الرئيس الساكن في قصر الرئاسة بالعاصمة اللبنانية، لقد قلت لك يوم لقائنا مازحاً: «نحن الآن نراك بسهولة، ولكن الأمر سوف يكون صعباً بعد شهور قليلة، فالبداية دائماً بسيطة ومتواضعة ولكن السلطة أمر آخر!».. وعندها ابتسمت في تواضع وبساطة، وكأنك تقول لي: مرحباً بكل عربي في قصر «بعبدا» عندما أصل إليه!، إن الرئيس «ميشال سليمان»، لن يكون بالضرورة «فؤاد شهاب» الجديد، ولكنه أيضاً لن يكون «إيميل لحود» آخر. أنديرا غاندي» بقلم د. مصطفي الفقي ٢٢/ ٥/ ٢٠٠٨ هي رئيسة وزراء الهند الراحلة، ابنة «جواهر لال نهرو»، أسقطتها المعارضة في دائرتها الانتخابية حتي استعادت موقعها بعد فترة وجيزة، وعادت إلي مقعد السلطة بأغلبية كاسحة، ثم صرعتها رصاصات غادرة من أحد حراسها من طائفة «السيخ» عام ١٩٨٤، بعد اقتحام قوات الشرطة «المعبد الذهبي» المقدس لدي تلك الطائفة، وقد عاشت «أنديرا غاندي» مأساة موت ابنها «سانچاي»، الذي كانت تعده لخلافتها حين سقطت به طائرة داخلية ووقفت تلك المرأة القوية تحرق جثمانه، وتدفع بعمود حديدي إلي جمجمة ابنها أثناء عملية «الحرق» في مشهد مأساوي لا أنساه أبدًا، ثم دفعت بابنها الأكبر «راچيف» ذلك الطيار المدني المتزوج من «سونيا» الإيطالية، ليكون بديلاً لشقيقه الراحل، الذي كان سياسيا مغامرًا وعنيفًا بل مخيفًا، وقد أصبح «راچيف» رئيسًا للحكومة الهندية في تلك الدولة البرلمانية الكبري، صاحبة أكبر تجربة ديمقراطية في العالم، إلي أن رحل هو الآخر ضحية حزام ناسف في عملية انتحارية استهدفته ومن معه. ولقد رأيت، شخصيا، السيدة «أنديرا غاندي» أكثر من مرة أثناء فترة عملي في العاصمة الهندية «١٩٧٩ - ١٩٨٣»، ولست أنسي عندما وقفت تلك الشخصية القوية تقول في استهلال كلمتها في افتتاح قمة عدم الانحياز عام ١٩٨٣، في «نيودلهي» «إنني أمثل أضعف البشر، فأنا امرأة، وأنا أنتمي إلي العالم الثالث، وأنا ابنة الهند بفقرائها قبل غيرهم»، ولكنها كانت دائمًا شامخة القامة، مرفوعة الرأس، لا تخلو تصرفاتها من كبرياء، ولا تبرأ كلماتها من نبرة استعلاء.. لقد حضرت لقاء الروائي المصري العظيم د.يوسف إدريس معها في مكتبها، حيث استقبلته رئيسة وزراء الهند في ودٍ شديد، وظل هو بشخصيته الجذابة يلثم ذراعها ويقبل يدها وهي تبدو شديدة السعادة به! كما شاعت قصص كثيرة عن إعجابها الشديد بالمفكر العربي الكبير د.كلوفيس مقصود، الذي كان مديرًا لمكتب جامعة الدول العربية في نيودلهي. وكانت ابنة «نهرو» ذلك الزعيم الهندي الكبير شديدة الحب والتعلق باسم عبدالناصر، وعائلته، وجاءت إلي القاهرة في ذكري الأربعين لرحيله من المطار إلي منزل الأسرة مباشرة، وغادرت في صمت وهدوء، وعندما وجهت هي الدعوة إلي السيدة الفاضلة تحية عبدالناصر، لزيارة الهند عام ١٩٨٢، أوكل إلي السفير المصري الراحل هشام عامر، مهمة الزيارة بالكامل بحكم معرفتي ببعض أفراد أسرة الزعيم العربي الراحل، وقد فوجئت عشية الزيارة بأن رئيسة وزراء الهند وابنها «راچيف» سيكونان في القاعة التذكارية الكبري بمطار نيودلهي - وهي أهم وأرفع من قاعة الشرف - لاستقبال أرملة القائد العظيم جمال عبدالناصر، وعندما اشتكت السيدة الفاضلة تحية كاظم، من صداع نصفي شديد عند هبوطها من الطائرة، كان راچيف غاندي، هو الذي يهرع لإحضار دواء عاجل لضيفة الهند الكبيرة، وأمه رئيسة وزراء الهند، تلاطف ضيفتها في حب وود ظاهرين.. وقد قضت أرملة الرئيس المصري الأسبق عدة أيام، توافد عليها فيها العرب والهنود بشكل غير مسبوق، وكانت بصحبتها ابنتها السيدة «مني»، وابنة شقيقتها السيدة نادية، وعندما أقمت حفل عشاء علي شرف الضيفة المصرية الكبيرة، كان الإقبال علي طلب الدعوة حتي من سفراء الدول العربية - التي كانت تقاطع مصر في ذلك الوقت - كبيرًا، وفي ختام العشاء بمنزلي، أعلن سفير الكويت في الهند - وقد كان عميد السلك الدبلوماسي كله - عن دعوة أخري علي العشاء بمنزله علي شرف الضيفة الكبيرة، وكانت السيدة أنديرا غاندي، تتابع بكل الاهتمام والرعاية مراحل الزيارة حتي نهايتها.. وذات يوم جاء إلي الهند أستاذي د. بطرس غالي، وزير الدولة للشؤون الخارجية، حاملاً رسالة من الرئيس الراحل أنور السادات، إلي السيدة أنديرا غاندي، وعندما استقبلت رئيسة وزراء الهند، الوزير المصري رحبت به وسألته عن أولاد وبنات الرئيس عبدالناصر، ولم تفتح رسالة الرئيس السادات، كما تقضي الأعراف، فقد كانت الكيمياء معطلة بينها وبين السادات، رغم أنه كان رجل دولة من طراز رفيع، وقد استدعي مدير مكتبها ذات مرة سفيرنا اللامع د. نبيل العربي، الفقيه القانوني، القاضي في محكمة العدل الدولية بعد ذلك بسنوات، لكي يبلغه باستعداد السيدة أنديرا غاندي، لزيارة القاهرة ولقاء الرئيس السادات، شريطة حصولها علي الدكتوراه الفخرية من جامعة الأزهر، ولم يكن ذلك ممكنًا لأسباب معروفة، وقد كان هدفها من ذلك هو كسب أصوات المسلمين الهنود قبل انتخابات برلمانية كانت علي الأبواب، وهذا يعكس أمامنا قيمة الأزهر الشريف في العالم الإسلامي.. وغير الإسلامي، ويا ليت قومي يعلمون!. هذه هي أنديرا غاندي التي حكمت مليار نسمة بقوة الشخصية، وسلامة القرار، ووضوح الهدف، والقدرة علي اتخاذ الموقف الصحيح في الوقت المناسب.[/align] |
رد: الدكتور مصطفى الفقى وهؤلاء
[align=center]ياسرعرفات»
بقلم د.مصطفى الفقى ١٥/ ٥/ ٢٠٠٨ كان مصري الهوي بحكم ارتباط عائلته بالقاهرة ودراسته في جامعتها قبل أن يعمل مهندساً في «الكويت»، حتي أطلق أول رصاصة لحركة «فتح» التي أسسها مع رفاقه عام ١٩٦٥، ولقد كانت المرة الأولي التي اقتربت فيها من ذلك الزعيم الفلسطيني - الأكثر شهرة وأهمية منذ النكبة عام ١٩٤٨ حتي الآن - في المبني القديم لنقابة الصحفيين المصريين، وفي الاحتفال بذكري الأربعين لرحيل القائد العربي الزعيم «جمال عبدالناصر». يومها استمعت إلي «ياسر عرفات» يتحدث عن الخسارة الفادحة لرحيل ذلك البطل العظيم، ورأيته يراجع المترجم الذي كان ينقل حديثه إلي الإنجليزية بشكل فوري، فإذا بـ«عرفات» يصحح له عبارة «إن فقدان عبدالناصر خسارة قومية» ليجعلها «إن فقدان عبدالناصر خسارة مصرية» ولم يعجبني ذلك وشعرت بشيء من الضيق، لأن تضحيات مصر بقيادة «عبدالناصر» من أجل القضية الفلسطينية كانت دوراً مصرياً وواجباً قومياً في ذات الوقت، بل إن «عبدالناصر» ذاته فقد حياته بعد مؤتمر في «القاهرة» للمصالحة الأردنية - الفلسطينية بعد أحداث «جرش» في سبتمبر (أيلول الأسود) عام ١٩٧٠، ولقد هاجم راديو فلسطين «عبدالناصر»، في شهوره الأخيرة وكانت هناك حالة من المزايدة الفلسطينية علي الزعامة التاريخية له، ولقد اقتربت من السيد «ياسر عرفات» بعد ذلك كثيراً بحكم موقع عملي في المؤسسة الرئاسية الأولي وزيارات «عرفات» المتكررة لـ«القاهرة»، خصوصاً بعد انتهاء سنوات القطيعة العربية لمصر التي بدأت عند توقيع «اتفاقية السلام» مع إسرائيل في ٢٦ مارس (آذار) ١٩٧٩، ونحن لا ننسي أن «عرفات» كان موجوداً في «مجلس الشعب» يجلس في الصف الأول عندما أعلن الرئيس الراحل «أنور السادات» مبادرته التاريخية، مؤكداً استعداده للذهاب إلي آخر مكان في العالم من أجل التسوية السلمية، مُشيراً بذلك إلي استعداده لزيارة إسرائيل والتحدث أمام «الكنيست»، ولكنها كانت دائماً مشكلة «عرفات» التاريخية تلك الازدواجية الواضحة في مواقفه المختلفة فقد كان الرجل شديد المرونة في أعماقه ولكنه واضح التشدد في ظاهره. ولا شك أنه قد قدم للقضية الفلسطينية خدمات جليلة وكان هو القائد الفلسطيني الذي حظي بأكبر إجماع شعبي في تاريخ القضية منذ بدايتها، إنه الزعيم الذي تحدث أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، واقتحم معظم الأبواب المغلقة واستطاع أن يجعل الصين والهند ومعظم الدول الأوروبية والأفريقية واللاتينية تقف إلي جانبه، وهو أيضاً الزعيم الفلسطيني الذي كان يستقبله الرئيس الأمريكي «كلينتون» - بعد اتفاق «أوسلو» - علي البساط الأحمر في البيت الأبيض الأمريكي. لذلك كانت المعادلة الصعبة دائماً في حياة ذلك القائد الفلسطيني الاستثنائي أنه كان يريد أن يكون مثل «أنور السادات» أمام المجتمع الدولي، وأن يكون مثل «جيفارا» اللاتيني أو «هوشي منه» الفيتنامي أمام شعبه! وتلك معادلة صعبة قد تتحقق لفترة قصيرة ولكنها لا تستمر كل الوقت، إذ يمكن أن يكون قائد حركة التحرير الوطني هو النموذجين معاً ولكن في مرحلتين مختلفتين، بينما يبدو مستحيلاً أن تنجح اللعبة بحيث يصبح القائد الواحد النقيضين معاً في ذات الوقت، وتلك كانت دائماً مأساة «عرفات». إنه «عرفات» الذي استمد من الشخصية المصرية جزءاً كبيراً من الذكاء الاجتماعي والقدرة علي تجميل المواقف، إنه ذلك القائد الذي كان مغرماً بالزي العسكري ويتحدث عن نفسه أمام العسكريين أنفسهم باعتباره جنرالاً!، ولست أنسي لقائي في إحدي الأمسيات مع «تيري لارسن» مبعوث الأمم المتحدة في المنطقة وكيف كان يقلد «عرفات» بإنجليزيته الركيكة، وبشكل فيه حبكة واضحة وقدرة فائقة علي سبر أغوار ذلك القائد الفلسطيني الكبير. وأتذكر الآن أنه عندما كان السيد «ياسر عرفات» يمر بمطار «القاهرة» أوفدتني المؤسسة السيادية التي كنت أعمل بها لكي أكون في استقباله وتوديعه خلال الساعة التي سوف يقضيها في المطار، وقد لاحظت للوهلة الأولي بعد أن استقبلني بحفاوة وقبلني بعنف كعادته أنه غير مستريح في أعماقه لأنه كان ينتظر وزيراً أو دكتور «أسامة الباز» مستشار الرئيس، فقد كانت المظاهر تعنيه كثيراً ولا شك أن من أكبر سقطاته السياسية اتخاذه موقفاً منحازاً لـ«العراق» في غزوه «الكويت»، حتي دفع الفلسطينيون ثمناً غالياً لذلك فيما بعد، وظلت لعنة ذلك الموقف تطاردهم لسنوات. إنه السيد «ياسر عرفات» الزعيم الفلسطيني الذي قضي إلي رحاب ربه مسموماً في نهاية غامضة، ولطالما تطلعت إليه في زياراته للعاصمة النمساوية وأنا ألتقيه مع السفراء العرب حيث كان يخصني بحفاوة خاصة نتيجة طبيعة عملي السابق، وقد كنت أظن دائماً أنه زعيم بـ«سبعة أرواح»، فقد خرج من بيروت تحت الحصار واستهدفته إسرائيل عشرات المرات وسقطت به الطائرة في صحراء «ليبيا» ولكن الله أراد له تلك النهاية التي مر فيها جثمانه بالعاصمة المصرية التي أحبها منذ طفولته وارتبط بها في شبابه واعتمد عليها في قيادته. «يوسف القرضاوي» بقلم د. مصطفي الفقي ٨/ ٥/ ٢٠٠٨ لعله من اللافت للنظر أن معظم الرموز الدينية الإسلامية الكبيرة من أمثال الشيوخ «الشعراوي» و«الغزالي» و«سيد سابق» و«القرضاوي» قد ذاع صيتها وانتشر اسمها وهم خارج الوظائف الرسمية، ولا يشغلون مناصب بارزة في المؤسسة الدينية الوطنية، والشيخ «القرضاوي» ـ وهو رئيس «الهيئة العالمية لعلماء المسلمين» ـ الذي يعيش في قطر في العقود الأخيرة يمثل علامة بارزة في ميدان الدعوة الإسلامية علي المستوي الدولي، ولقد لمست شخصياً حفاوة الدولة القطرية بالشيخ الأزهري المصري وتقديرهم لمكانته واحترامهم لشخصيته في عهد الأميرين الأب والابن. ولقد اقتربت من الشيخ الجليل ـ الذي كان واحداً من أقطاب جماعة «الإخوان المسلمين» منذ سنوات طويلة ـ حيث كانت مناسبة الاقتراب هي أنني تلقيت دعوة كريمة من رئيس نادي «الجسرة» في «قطر» لافتتاح موسمه الثقافي عام ١٩٨٩ وقد حظيت أثناء تلك الزيارة بلقاء مطول مع أمير قطر الحالي الذي كان ولياً للعهد وقد تم اللقاء في حضور وزير الإعلام القطري آنذاك والسفير المصري في «الدوحة» ثم استقبلت في مساء ذات اليوم بمقر إقامتي بالفندق فضيلة الشيخ «يوسف القرضاوي» الذي سعدت بلقائه لعدة ساعات سمعت فيها منه ما أثلج صدري عن سماحة الإسلام وبساطة الشيخ وابتعاده عن التزمت وتفهمه الكامل لروح العصر، حتي إنني عرفت من فضيلته أن كريماته كن يدرسن في الغرب حينذاك طلباً لدرجات علمية عليا في مجالات البحث العلمي المتقدم وهن يعشن حياة الغرب مع الالتزام بالتقاليد الإسلامية وتعاليم الدين الحنيف، وقد شكا لي الشيخ يومها من أسلوب تعامل الأمن المصري معه واستهداف وزير الداخلية الراحل اللواء «زكي بدر» شخص الشيخ، ومعاملته بأسلوب غير مريح في زياراته لوطنه الأم مصر ووعدت فضيلته يومها بأن أنقل وجهة نظره إلي ولاة الأمور في مصر وقد فعلت، ولاحظت أن الرجل يحظي لدي المسؤولين في القاهرة بدرجة من التوقير لا تقل عن تلك التي ينالها في وطنه الثاني «قطر». وقد أهداني الشيخ في تلك الأمسية مؤلفاته، وظللنا نمطره ـ أنا وزوجتي ـ بعشرات الأسئلة في المسائل الفقهية والدعوية لاستجلاء الحقائق والاستنارة برأي ذلك الشيخ المرموق، وكان ذلك في وقت لم تحتدم فيه المواجهة بين الإسلام وخصومه. كما ناقشنا دور «إيران» التي كانت خارجة لتوها من حرب طويلة مع «عراق» «صدام حسين» واتفقنا يومها علي أن «إيران» يجب أن تكون إضافة إيجابية وليست خصماً سلبياً للعالمين العربي والإسلامي. ثم ظللت لسنوات طويلة أتابع مسيرة الشيخ من خلال قناة «الجزيرة» وغيرها وأتعقب خطواته الرصينة، ومنها زيارته الشهيرة للمملكة المتحدة والموقف الواعي لعمدة لندن السابق تجاه شيخنا الوقور، إلي أن تلقيت دعوة مع بدايات عام ٢٠٠٨ لحضور حفل زفاف ابنة إحدي العائلات الصديقة وفوجئت أن والد العريس هو الشيخ «القرضاوي» فسعيت إلي المناسبة وهدفي أن أري الشيخ الذي اشتقت للحوار معه ووجدته في يوم عرس ابنه كما هو دائماً واضح الفكر معتدل الرؤية لا يعرف التزمت إطلاقاً ويحمل من الإسلام سماحته وبساطته، حتي إنه حضر الجانب الترفيهي من الاحتفال بعرس ابنه بعد أن انصرف أقرانه الضيوف من الائمة والعلماء، كما تابع الشيخ فقرات الحفل الراقي واستمع إلي الموسيقي الهادئة بغير صخب أو ضجيج. وقد لفت نظري عند استقباله لي حدة ذاكرته في هذه المرحلة من العمر لأنه تذكر لقاءنا في «الدوحة» كاملاً وأشار إلي بعض ما جاء فيه، وبدا لي في تلك الأمسية شاباً يزحف نحو الثمانين ورأيت فيه البقية الباقية من تلك الكوكبة النادرة من كبار علماء المسلمين في عصرنا، ولقد لاحظت دائماً اعتزازه بأزهريته وارتباطه بالعلماء الكبار الذين درس علي أيديهم أو زاملهم في مشوار حياته الثرية بالعلم والمعرفة، بالتقي والورع، بالاعتزاز بالنفس وسمو المكانة وسوف أظل متأثراً بسماحة الشيخ واتساع أفقه. ولقد قرأت في الصحف مؤخراً أنه قد استقبل وفداً من الحاخامات اليهود الذين يرفضون الفكر الصهيوني ولا يقبلون سياسات إسرائيل بل يعلقون علي صدورهم شارات تقول «نحن يهود ولكننا لسنا صهاينة»، وقد دافع الشيخ عن تصرفه المتحضر مؤكداً أن خلافنا لم ولن يكون مع اليهودية كديانة ولا مع اليهود كأتباع لها، وفي ظني أن نموذج هذا الشيخ يحتاج إلي تعزيز وتدعيم دائمين، فهو يري من دينه الحنيف وجهه الصحيح ولا ينصاع لفكر متطرف أو عقل متجمد أو فكر متزمت ولا يعرف الغلو أو التعصب في العلاقة بين أصحاب الديانات بل بين الفرق الإسلامية ذاتها داخل الدين الواحد. .. إنه الشيخ «يوسف القرضاوي» ابن «الدلتا المصرية» الذي تشع أنوار علمه من فوق ضفاف الخليج ليرفع كلمة الله الصحيحة في كل زمان وينشر أنواره المضيئة في كل مكان. «[/align] |
رد: الدكتور مصطفى الفقى وهؤلاء
[align=center]
عمرو موسي بقلم د.مصطفى الفقى ٢٤/ ٤/ ٢٠٠٨ إنه شخصية استثنائية بكل المعايير، فهو يملك «كاريزما» شخصية وضعته في موقع رفيع في تاريخ الدبلوماسية العربية، ولكنها أيضاً كانت محسوبة عليه، عندما غني له «شعبان عبدالرحيم» ودعا له الخطباء من فوق منابر المساجد، عندما ألمت به وعكة صحية خفيفة، فكما أن ذكاء المرء محسوب عليه فإن تألق المسؤول يكون خصماً منه. وفي تاريخنا العربي الحديث تعلمنا دائماً أنه ويل لمن تطول قامته أكثر من اللازم!، وعندما تخرج السيد «عمرو موسي» في كلية «الحقوق» والتحق بوزارة الخارجية المصرية في بداية النصف الثاني من خمسينيات القرن الماضي.. تحدث عنه المحيطون به في تلك السن المبكرة، باعتباره وزير الخارجية القادم، فهو متحدث متميز وصاحب رد فعل سريع وقدرة ملحوظة علي اتخاذ القرار، إلي جانب شعور ملموس بالذات لا نعتبره غروراً، ولكن نراه انعكاساً لحساسيته وكرامته الشخصية بعد كرامة أمته ووطنه، اللذين يضعهما علي قمة أولوياته في حياته الدبلوماسية والسياسية، ولا شك أن تربيته علي يد جده لأمه ـ فقد فقدَ والده صغيراً ـ قد تركت أثراً كبيراً في تكوينه الشخصي وتربيته الأولي، إذ إن جد والدته هو «عثمان الهرميل»، عضو مجلس شوري القوانين عن مديرية الغربية في القرن التاسع عشر، وينبغي أن أسجل هنا نقطة جديرة بالاهتمام، فالكثيرون يتصورون أن «عمرو موسي» يعتمد فقط علي شخصيته القوية وتأثيره الواضح فيمن حوله، وأنا أري في ذلك ظلماً شديداًً للرجل.. فهو في ظني يملك مقومات فكرية ووظيفية لا يمكن الإقلال من قيمتهما.. ولعلي أتذكر الآن أول احتكاك مباشر لي بالسيد «عمرو موسي»، عندما أوفدنا «د. بطرس بطرس غالي» ـ «د. محمود مرتضي» وأنا ـ كمستشار وسكرتير أول يعملان تحت إشراف وزير الدولة للشؤون الخارجية لإصدار مجموعة من «الكتب البيضاء» حول القضايا والاتفاقيات والسياسات المهمة المتصلة بتاريخ الخارجية المصرية، وكان الهدف من ذلك هو حفظ ذاكرة الأمة وتجميع وثائق الخارجية في أرشيف متكامل ودائم، وفي ذلك الوقت من منتصف السبعينيات، ذهبنا إلي المستشار «عمرو موسي»، مدير إدارة الهيئات الدولية في مكتبه، وجلسنا ـ «د. مرتضي» وأنا ـ نستمع إليه في انبهار وهو يشرح لنا باستفاضة تفاصيل قرارات مجلس الأمن، ويتحدث عن الوثائق بترتيب منتظم، وقد أطلَّت من عينيه أشعة الذكاء الحاد وبريق الشخصية القوية، وعندما برحنا مكتبه ـ زميلي وأنا ـ نظر كل منا إلي الآخر وقال: إن هذا هو وزير الخارجية القادم يوماً ما لا محالة.. وعندما عملت في العاصمة الهندية أربع سنوات، جاءني السيد «عمرو موسي» علي رأس وفد خبراء الخارجية المصرية، استعداداً لقمة «عدم الانحياز»، فتوطدت علاقتي به أكثر، وارتبط هو «بالهند» منذ تلك الأيام لكي يعود إليها سفيراً، بعد أن انتهت خدمتي مستشاراً فيها، فلم يقدر لي أن أعمل معه في «نيودلهي»، حيث كان سفيري الذي سعدت بالعمل معه هو القاضي الدولي الدكتور «نبيل العربي»، ولقد ارتبطت علي امتداد الخمسة والعشرين عاماً الماضية بشخصية «عمرو موسي»، وأصبحت صديقاً قريباً منه.. أستقبله في المطار وهو عائد من «الهند»، وأودعه عند كل ذهاب إليها، إعجاباً به وحباً له وتحوطاً لمستقبل سوف يكون هو فيه وزيراً للخارجية!، وقد حدث ذلك بالفعل، فكان واحداً من ألمع وزراء الخارجية في التاريخ العربي الحديث، ولعل الكثيرين لا يعلمون أنه من ذلك النوع الذي أهَّل نفسه بالمقومات المطلوبة لعمله، فهو نموذج رائع لدبلوماسية المؤتمرات ودبلوماسية التفاوض معاً في وقت واحد، فقد عمل في إطار العلاقات متعددة الأطراف بالأمم المتحدة والدبلوماسية الثنائية في «الهند وسويسرا» وغيرهما، ولعل أهم ما يميزه هو أنه يقرأ الموضوع المطروح عليه ويرتب أفكاره قبل أي لقاء دبلوماسي كبير، ويمتلك ناصية التأثير في الآخرين من خلال شخصية مرحة في غير أوقات العمل شديدة الجدية أثناءه، ولقد رافقته كثيراً في جولاته بالطائرة الصغيرة عندما كان وزيراً للخارجية، حيث كنت مساعداً له للشؤون العربية، فقد كان يتحفنا بسندوتشات «الفول» و«الطعمية» كوجبة رئيسية أثناء الرحلات، ثم يؤدي الصلاة في مواعيدها، جالساً بمقعده في الطائرة، وقد نلعب «الشطرنج» أو «الطاولة» إذا ما كان هناك بعض الوقت لذلك، وهو متحدث لطيف المعشر، ورغم كبريائه الشخصي فإنه قريب من البسطاء والعامة.. ومن النوادر التي لا أنساها أننا عندما دخلنا مكتب الرئيس الراحل «حافظ الأسد» في «دمشق»، بادره السيد «عمرو موسي» قائلاً: (إن «مصطفي الفقي» يعاني من زكام طارئ)، فكان من الطبيعي أن يصافحني الرئيس الراحل مبتعداً قليلاً عني وقلقاً مني طوال الجلسة، خصوصاً أن الرئيس الراحل كان في ذلك الوقت قد بدأ العد التنازلي لصحته المتدهورة.. وللسيد «عمرو موسي» قفشات ونوادر يعرفها أصدقاؤه المقربون.. وأذكر أنني كنت أقود سيارتي وهو معي في العاصمة الهندية أثناء قمة «عدم الانحياز»، فكان يتعرف علي الشوارع من خلال علامات غريبة، منها ضريح نادر علي أحد الأرصفة في بلد تُحرق فيه جثث الموتي!. إنه «عمرو موسي» الذي يحترمه خصومه، وتنظر إليه الدول ذات السياسات المختلفة معه أحياناً - ومنها «الولايات المتحدة الأمريكية» - بكثير من التقدير والإكبار، ورغم اعتزازه الشديد بكرامته وكبرياء وطنه، فإنه يبدو ضاحكاً مرحاً قريباً من القلوب في المناسبات الاجتماعية المختلفة.. إنه «عمرو موسي» الذي تعتز به أمته وتعتمد عليه كواجهة مشرقة للعمل العربي المشترك في هذا الزمن الرديء. وجيه أباظة» بقلم د.مصطفى الفقى ١/ ٥/ ٢٠٠٨ عرفته وأنا طالب صغير في مدرسة «دمنهور» الثانوية في نهاية الخمسينيات ومطلع الستينيات من القرن الماضي حيث كان هو محافظ الإقليم المتميز بين أقرانه والذي يرجع إليه الفضل في تخطيط مدينة «دمنهور» بل محافظة «البحيرة» بوضعها الحالي، فهو الذي أنشأ مصنع السجاد الشهير وبني الإستاد الكبير ومبني ديوان عام المحافظة وقدم خدمات جليلة لذلك الإقليم الزراعي المترامي الأطراف. بل إن المركز الطبي المتمثل في المستشفي المركزي العام بـ«دمنهور» كان مزاراً للوفود الأجنبية أثناء وجوده محافظاً لـ«البحيرة»، وكنت أنا ذلك الطالب الصغير والأول علي الشهادة الإعدادية في منطقة «البحيرة» التعليمية ورئيس اتحاد طلاب المدرسة الثانوية فأحاطني ذلك الرجل الكبير برعايته واهتمامه وجعلني قريباً من أبنائه، خصوصاً أن ابنه «حسين» ـ عضو مجلس الشوري حالياً ـ كان زميلي في المدرسة وعند بداية تعارفنا حسبني مدرساً فيها بعدما ألقيت خطاباً في جموع الطلاب يوم الانفصال وقلت فيه «هيهات أن يحصد الانفصاليون ما يريدونه من جريمتهم ضد الأمة والوطن» لذلك فإن «حسين وجيه أباظة» كلما التقينا بادرني قائلاً «هيهات». ولقد تمتع «وجيه أباظة» في «البحيرة» بشعبية كاسحة وعندما ذهب إلي أحد مراكز الإقليم لأداء واجب العزاء، بعد أن ترك المحافظة بسنوات طويلة، حاولت جموع الناس الغفيرة أن تحمل سيارته من فوق الأرض اعتزازاً به وتكريماً له. ومازالت المدرسة التي تحمل اسمه موضع اهتمامي ورعايتي باعتباري نائباً في مجلس الشعب عن بندر «دمنهور». إنه «وجيه أباظة» ذلك الطيار الذي لعب دوراً مرموقاً في السنوات الأولي للثورة في مجال النشر لها والإعلام عنها والترويج لسياساتها وكان دائماً أحد النجوم الساطعة في سماء الوطن، فقد كان حسن المظهر بهي الطلعة موضع احترام الجميع وكانت علاقته بالرئيس الراحل «جمال عبدالناصر» طيبة من البداية إلي النهاية وكان قريباً من جناح الطيران بين رجال الثورة ومنهم «البغدادي» و«علي صبري»، وهو يعتبر أيضاً من قيادات الطيران التي أحبها الرئيس «مبارك» واعتز بها، ومازلت أتذكر أنه طلب موعداً عاجلاً مع الرئيس في أحد أيام الصيف في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي فدعاه الرئيس فوراً إلي المركز الرياضي في أثناء استراحة الظهيرة حيث كان الرئيس يختلس ساعة - أو بعض ساعة - يمارس فيها هوايته في لعب «الاسكواش» وجاء «وجيه أباظة» إلي الرئيس الذي اندهش عندما رأي الراحل «وجيه أباظة» يعانقني قائلاً «إنه ابني الذي تربي علي يدي».. وقد كان السيد «وجيه أباظة» محل رعاية الرئيس «مبارك» حتي آخر أيامه بحكم رفقة السلاح واقتراب التاريخ المشترك، إنه «وجيه أباظة» الذي أنشأ فرقة "الفنون الشعبية" «بالبحيرة» وكانت ذائعة الشهرة وقتها كما أنه هو الذي أقام بحيرة «البط البكيني» كأحد مظاهر التقدم في ذلك الإقليم المظلوم تاريخياً في الخدمات عموماً، وعندما جري التحفظ عليه فيما سمي «مؤامرة مراكز القوي» في بدايات عهد الرئيس الراحل «أنور السادات» ظل الرجل شامخاً صلباً بعد أن كان محافظاً لـ«البحيرة» و«الغربية» و«القاهرة»، ومن يومها انخرط الرجل في العمل التجاري الحر وأبلي فيه بلاء كبيراً بحكم عقليته المتميزة وشخصيته الجذابة فحصل علي توكيل سيارات «بيچو» التي مازالت تحمل اسمه إلي يومنا هذا ولا عجب فهو ينتمي إلي عائلة مرموقة للغاية توزعت شخصياتها بين الأحزاب السياسية عبر تاريخ مصر الحديث ولمعت فيها أسماء مثل «إبراهيم الدسوقي أباظة» و«فكري أباظة» و«أحمد أباظة» و«ماهر أباظة» وغيرهم من العلامات المضيئة في تاريخ السياسة المصرية، ويكفي أن منها أيضاً ذلك الشاعر الفحل «عزيز باشا أباظة» الذي كان محافظاً لـ«البحيرة» أيضاً و«ثروت أباظة» الكاتب الراحل الذي كان معروفاً برقة الشعور وطيبة القلب. إن «وجيه أباظة» سوف يبقي في ضمير أمتنا قمراً ساطعاً ونجماً لامعاً لا ينساه من عرفوه، ويكفي أن أقول إنه لا يغيب أبداً عن ذاكرة أبناء «البحيرة» باعتبارها المحافظة التي قضي فيها أطول مدة من العمل المخلص الجاد فارتبطت باسمه واقترنت صورتها الحديثة بإنجازاته الضخمة، وعندما رحل عن عالمنا منذ سنوات بكته مصر إنساناً عزيزاً وابناً باراً يحمل أبناؤه شعلته المضيئة بكل الالتزام والولاء لاسمه الكبير. ولا شك أن تلك العائلة العريقة القادمة من إقليم «أبخازيا» - من أعمال «الاتحاد السوفيتي السابق» - قد قدمت لمصر نماذج متفوقة لعل آخرها الصديق الدكتور «محمود أباظة» رئيس «حزب الوفد» حالياً وشقيقه الأصغر الصديق «أمين أباظة» وزير الزراعة الحالي. ولن أختتم مقالي هذا إلا بطرفة واحدة عندما التقي المحافظ «وجيه أباظة» باتحاد طلاب المدارس الثانوية في محافظة «البحيرة» فشكا له أحد الطلاب من سطوة بوليس الآداب في تعقب طلاب مدرسة «دمنهور» الثانوية للبنين عندما يتجهون إلي معاكسة الفتيات عند انصراف طالبات مدرسة «دمنهور» الثانوية للبنات، فرد عليه المحافظ الراحل: «سوف أطلب منهم إقلال سطوتهم لو بدأت أنت في إقلال سطوتك في تعقب الفتيات الصغيرات» وضج الجميع بالضحك. إنه ذلك الرجل الذي كان له من اسمه نصيب كبير وارتبطت به قلوب الناس لأنه دخلها بغير استئذان وبقي فيها إلي الآن. [/align] |
رد: الدكتور مصطفى الفقى وهؤلاء
[align=center]العقيد معمر القذافي»
بقلم د.مصطفى الفقي ١٧/ ٤/ ٢٠٠٨ لا أظن أن هناك شخصية ملأت الدنيا وشغلت الناس علي الساحتين العربية والدولية مثلما هو الأمر بالنسبة للقائد الليبي «معمر القذافي»، وهو الذي يقترب من أربعين عاماً علي مسرح الحياة السياسية، وهي سنوات حافلة بالمعارك والتحديات، بالخلاف والمواجهات، وقد ظل الرجل دائماً شخصية تثير الجدل، وتحرض علي التفكير وتدعو إلي التأمل، ولابد أن أعترف أن ذلك القائد شديد الغرام بمصر، وربما كانت تلك إحدي مشكلاته القومية فهو ينظر إليها باعتبارها محبوبته، لذلك فقد كان قاسياً عليها بالنقد والاحتجاج في فترات من حياته، لأن الحبيب يتوقع أحياناً من حبيبته أكثر مما تستطيع، وينتظر منها أحياناً ما هو مستحيل، ولقد التقيت بالقائد الليبي عدة مرات، لعل أهمها تلك المرة التي ذهبت فيها بصحبة وفد كان من بين أعضائه السيد «محمد عبد السلام المحجوب»، الوزير الحالي، الذي كان نائباً لرئيس المخابرات العامة أثناء تلك الزيارة، وبعد اللقاء، الذي تم مع العقيد «معمر القذافي» نادي القائد الليبي علي المصورين قائلاً: إنني أريد أن يأخذ «مصطفي الفقي» صورة معي، حتي يحصل علي «ختم الإرهاب» مثل غيره، قال ذلك في سخرية واضحة فقد كانت «ليبيا» متهمة في ذلك الوقت من جانب الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها، بأنها تقف وراء العمليات الإرهابية في مختلف مناطق العالم، وقد كان الرجل ودوداً، ونحن نجلس معه في خيمته البدوية عميقاً في تحليلاته وآرائه، كما أن جلساته لا تخلو من المرح أيضاً، فلقد شهدت مرة أخري لقاءه بالدكتور «بطرس بطرس غالي»، أثناء حملة الأخير للفوز بمنصب الأمين العام للأمم المتحدة، وقد انشغل القائد الليبي يومها بمداعبة د. غالي، وأمر بتدبير «جوالين» أحدهما بطاطس والآخر مكرونة، ليأخذهما د. «بطرس غالي» معه إلي «القاهرة»، حتي لا تحرمه السيدة «ليا» زوجته من طعام يحبه! وأشهد أن حفاوة القائد الليبي بالسياسي المصري القبطي كانت زائدة، وتعبر عن شعور عميق بالمودة والاحترام، حتي إن الأمر كان مفاجأة للدكتور «بطرس غالي» ذاته، وعندما عملت سفيراً لبلادي في «فيينا»، ومندوباً دائماً لدي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، تصادف وجود السيد «سيف الإسلام معمر القذافي» للدراسة في العاصمة النمساوية، وتعددت لقاءاتي به من خلال السفير الليبي حينذاك د. سعيد عبد العاطي، وكان الأستاذ «سيف الإسلام» مغرماً بأن أحكي له كثيراً عن الزعيم الراحل «جمال عبدالناصر»، وعن دولة «الهند»، التي عملت فيها أربع سنوات من قبل، وكان «سيف الإسلام» يحتفظ «بنمرين» كبيرين يمتلكهما، وكانا يعيشان في قفص خاص بحديقة حيوان «فيينا»، وأشهد أن الشاب الليبي كان واسع الأفق متطلعاً إلي المعرفة نهماً في متابعة ما يدور حول العالم، ولقد ناداني القائد «القذافي» في مؤتمر القمة الأفريقية ـ الأوروبية، بعد عودتي إلي القاهرة، وانتهاء عملي سفيراً في النمسا، وقال لي العقيد «القذافي» علي مسمع من الجميع: إن «سيف الإسلام» يتحدث عنك ويذكرك بكل خير، وأذكر للعقيد أيضاً أنه حضر حفل زفاف ابن د. علي الدين هلال، الذي كان عميداً لكلية الاقتصاد والعلوم السياسية وقتها، حيث كان لنا في نفس اليوم لقاء أصبح من تقاليد القائد الليبي كلما جاء إلي «القاهرة»، حيث يدعو إلي اجتماع مع مجموعة من المفكرين والمثقفين، يتبادل معهم الرأي، ويسمعون منه ويستمع إليهم، وعندما علم أن زفاف ابن عميد كلية الاقتصاد، سيكون في المساء حضر بنفسه حفل زفاف بهاء علي الدين هلال، حيث جلس القائد الليبي في صدر القاعة، وكنت قد استبعدت من عملي في الرئاسة قبلها بشهور قليلة، ولكن الرجل استقبلني ليلتها ببشاشة ومودة، تركتا أثراً طيباً في نفسي، وفي أثناء الانتخابات البرلمانية الأخيرة عام ٢٠٠٥، اتصل بي الصديق أحمد قذاف الدم، الممثل الشخصي للقائد الليبي في مصر وغيرها، مبدياً دعمه وعارضاً استعداده لأي مساعدة، فشكرته كثيراً واعتبرت ذلك مجاملة زائدة من الجانب الليبي، لمرشح ينتمي إلي إحدي المحافظات القريبة إلي قلب القائد الليبي، حيث يمثل مركز «الدلنجات» ـ الذي ولد فيه أبي ـ خصوصية قريبة إلي قلب الليبيين، لأن فيه امتدادات للقبائل العربية المشتركة بين غرب مصر وشرق ليبيا. وقد يختلف الناس في شأن القائد الليبي، ولكنني أعترف بأنه قد عبر في مرحلة معينة عن هموم الشارع العربي ومعاناة الإنسان العادي، وهواجس المسحوقين علي الساحة، وعندما استدار نحو أفريقيا، وأعطي ظهره للعالم العربي، ظلت لديه الروابط التي تشده نحو أمته، تدفعه بين الحين والآخر إلي الانغماس في العمل العربي المشترك والحنين إلي حلم الوحدة، الذي يرافقه عبر السنين. إنه القائد الذي تجاوز الخطوط الحمراء في السياسة الدولية والإقليمية، وخرج عن المألوف في أفكاره وتصرفاته، ولم يكن حاكماً تقليدياً بكل المعايير. أحمد عصمت عبدالمجيد» بقلم د. مصطفي الفقي ١٠/ ٤/ ٢٠٠٨ جلست بجوار السفير الراحل د. «أشرف غربال» ـ وهو من رموز الدبلوماسية المصرية البارزة ـ في مأدبة عشاء بمنزل السفير الكويتي بالقاهرة، زميل دراستي في الجامعة الأستاذ «عبدالرزاق الكندري»، وكان ذلك في إحدي أمسيات الصيف في أواخر الثمانينيات، وكان يتصدر حفل العشاء شخصيات مرموقة في تاريخ الدبلوماسية المصرية، في مقدمتهم الوزير الراحل «إسماعيل فهمي»، ود. «أحمد عصمت عبد المجيد» ـ أطال الله في عمره ـ وهمست في أذن د. «أشرف غربال» متسائلاً: أيكما أقدم في السلك الدبلوماسي.. أنت أم د. «عصمت عبدالمجيد»؟ فأجابني بروحه الساخرة أن د. «عصمت» يسبقني مباشرة في «دفتر الأقدمية» الدبلوماسية ولكنه أوفرنا جميعاً حظاً علي الإطلاق، فإلي جانب كفاءته المعروفة فإن خدمته دائماً متميزة حتي عندما كنا في البعثة الدائمة لمصر في «جنيف» كان السفير «عبدالفتاح حسن» يسافر كثيراً إلي «القاهرة» ويتولي د. «عصمت» مهام القائم بالأعمال بما في ذلك من عائد مادي، ثم يضيف ـ رحمه الله ـ أن د. «فوزي» اختاره وزيراً في سن مبكرة نسبياً بعد أن كان رئيساً للهيئة العامة للاستعلامات، ثم أصبح بعد الوزارة سفيراً في «باريس»، ثم مندوباً دائماً في «نيويورك» لقرابة أحد عشر عاماً، ثم جاءت إليه وزارة الخارجية تتهادي في عصر الرئيس «مبارك» لكي يكون نائباً لرئيس الوزراء أيضاً، وضحكنا د. «أشرف غربال» وأنا، ودعونا للدكتور «عصمت» بالتوفيق الدائم، فبعد حديثنا بسنوات قليلة جاءته جامعة الدول العربية تتهادي ليكون أميناً عاماً لها قرابة عشر سنوات أخري، وفي ظني أن د. «عصمت عبدالمجيد» ينتسب إلي أرقي المدارس الدبلوماسية في تاريخنا، فهو رجل هادئ للغاية، متصالح مع نفسه تماماً، يتصرف برصانة استمدها من أستاذه الراحل د. «محمود فوزي» وأيضاً من مدرسة د. «محمد صلاح الدين» وزير الخارجية الشهير في أواخر العصر الملكي، ولعل الكثيرين لا يعرفون أن الرئيس الأمريكي «جورج بوش الأب» قد رشح د. «عصمت عبدالمجيد» لكي يكون أميناً عاماً للأمم المتحدة وذلك بحكم زمالتهما معاً كمندوبين لدولتيهما في الأمم المتحدة في السبعينيات من القرن الماضي، ولعل الصديق العزيز السفير «عبدالرؤوف الريدي» الذي كان سفيراً متميزاً لمصر في «واشنطن»، آنذاك، أعرف مني بتفاصيل هذا الأمر وقد كتب في هذا الموضوع مقالاً «بالأهرام» من قبل، ود. «عصمت عبدالمجيد» هو ابن مؤسس «جمعية المواساة الخيرية» في الإسكندرية بمستشفاها الشهير، وهو في رأيي (رجل مبروك) يمضي التوفيق مع خطاه ويحالفه الحظ دائماً ويمشي النجاح في ركابه أينما ذهب، فهو الذي ترأس اجتماع «مينا هاوس» الشهير، بدعوة من الرئيس الراحل «السادات»، وفيه رُفع العلم الفلسطيني في أول مناسبة رسمية ولكن الفرصة ضاعت مثل غيرها من الفرص الضائعة، وهو أيضاً رئيس لجنة الدفاع المصرية في تحكيم «طابا»، وهو وزير الخارجية الذي وضع «سؤال التحكيم» وهو أمر له أهميته، خصوصاً أن للدكتور «عصمت» خلفية قانونية رفيعة إلي جانب إجادته اللغتين الفرنسية والإنجليزية، ولابد أن أعترف شخصياً بأنني مدين له، فهو الذي تقدم بمذكرة لترقيتي استثنائياً عندما أمر الرئيس «مبارك» بذلك، فتخطيت عدداً كبيراً من زملائي الذين كانوا كرماء معي للغاية، فلم يرفع أحدهم قضية ضدي رغم كفاءتهم المعروفة، وذلك خروجاً علي ما كان مألوفاً في الترقيات الاستثنائية لوزارة الخارجية، ويهمني أن أسجل هنا أن د. «عصمت عبدالمجيد» ذلك الدبلوماسي الهادئ صاحب النفس الطويل، يتحول أحياناً إلي أسد هصور، ولقد شهدت بعيني اجتماعاً رئاسياً وجه فيه د. «عصمت عبدالمجيد» انتقادات حادة للغاية للسيد «طارق عزيز» وزير خارجية «صدام حسين»، وكان ذلك قبل غزو العراق للكويت بفترة وجيزة، ونبه فيه إلي المخاطر القادمة نتيجة السياسات المندفعة والانفعالية للعراق في تلك الفترة، واندهشت يومها، كيف انقلب ذلك الرجل الهادئ إلي تلك الشخصية العنيفة؟ ولم أندهش بعد ذلك فهو صاحب العبارة الشهيرة (المصالحة بعد المصارحة)، وللدكتور «عصمت عبدالمجيد» صولات وجولات كثيرة في مواقف مختلفة ومواقع متعددة للعمل الدبلوماسي والسياسي، وهو أيضاً الذي قاد العمل العربي المشترك في فترة عصيبة بأقل الخسائر الممكنة وبأكثر النتائج توفيقاً ونجاحاً.. إنه ابن الإسكندرية البار ،الذي يعد واحداً من أعلام الدبلوماسية العربية والدولية والذي تلخصت خدمته الدبلوماسية في أرقي العواصم من «لندن» إلي «باريس» إلي «جنيف» إلي «نيويورك».. وهو صاحب مدرسة هادئة. ينظر إليها الدبلوماسيون بالتقدير والاحترام، أطال الله في عمره بقدر ما أدي للوطن والأمة من خدمات جليلة.[/align] |
رد: الدكتور مصطفى الفقى وهؤلاء
[align=center]نجيب محفوظ»
بقلم د.مصطفى الفقي ٣/ ٤/ ٢٠٠٨ ظلت صلتي بالروائي الكبير «نجيب محفوظ» محدودة لسنوات طويلة، نعم.. كنت ألتهم صفحات رواياته في العطلة الصيفية مع غيرها من روائع الأدب العالمي وتراث الفكر الإنساني ـ مثل الكثيرين من أبناء جيله ـ وكان يعجبني فيه استغراقه الشديد في المحلية، وشعرت مع صفحات كتبه أنه روائي عظيم ولكنه يخفي وراء سطور كتاباته آراءً سياسية حبيسة ومواقف مختفية تجاه السلطة والحكم، ولم أكن في حاجة إلي جهد كبير لكي أكتشف أن ذلك الروائي الضخم أقرب إلي المعسكر العلماني الليبرالي منه إلي المعسكر الديني العقيدي، ثم بدأت القراءة «لمحفوظ» منذ ذلك اليوم الذي دق فيه جرس التليفون ليبلغني الكاتب الراحل «موسي صبري» بوصول جائزة «نوبل» التي جاءت تتهادي نحو الأدب العربي لأول مرة متجسداً في شخص «نجيب محفوظ»، ولقد كرمه رئيس مصر تكريماً غير مسبوق في احتفال رفيع الشأن وقلده أرفع ما تقلد به مصر أبناءها العظام. ولقد تعرفت علي الروائي الكبير بعد ذلك من لقاءات متعددة رتبها بعض الأصدقاء وكان أولهم الأستاذ «محمود السعدني» ـ شفاه الله وعافاه ـ حيث كان لنا لقاء كبير في إحدي الأمسيات بمنزل «عمدة الجيزة» الفلاح الراحل «إبراهيم نافع»، وفي حضور عدد من الأصدقاء بينهم أدباء وسياسيون وقانونيون، وكان «نجيب محفوظ» متجلياً في تلك الليلة يداعب الجميع بضحكته العالية ويجيب عما يريد أن يتحدث بشأنه، ويتعلل بثقل السمع للهروب من الإجابة عما لا يرحب بالخوض فيه، وكان في ذلك الوقت قد خرج من حملة عربية معادية تصف حصوله علي الجائزة الدولية الرفيعة بأنه مكافأة لموقفه من اتفاقيات السلام مع إسرائيل وإلحاده الواضح ـ من وجهة نظر أعدائه ـ في الرواية الشهيرة «أولاد حارتنا»، وهم الذين اعتبروه كاتباً معادياً للعروبة مؤيداً للتطبيع مع إسرائيل، فضلاً عن أنه لم يتحمس كثيراً للكتابة في الإسلاميات شأن د. «طه حسين» أو «العقاد» أو «د. محمد حسين هيكل» أو حتي الفيلسوف العظيم «توفيق الحكيم»، بل يضيف هؤلاء أيضاً ـ تعبيراً عن حقدهم عليه ومحاولتهم الإقلال من مكانته ـ أن جائزة «نوبل» في الأدب قد خضعت لاعتبارات سياسية وكانت تستهدف «نجيب محفوظ» تحديداً بدليل أنها لم تصل إليه إلا في العام التالي لرحيل «توفيق الحكيم» الذي كان يصعب تخطيه في هذا السياق، وقد تعددت لقاءاتي بالأستاذ «نجيب محفوظ» من خلال بعض الأصدقاء، في مقدمتهم «محمد سلماوي» و«جمال الغيطاني» و«يوسف القعيد» خصوصاً في الاحتفال السنوي بعيد ميلاده وجلساته المنتظمة في قاعته بفندق «شبرد» علي ضفاف نيل القاهرة، وبهرني فيه ـ وهو في تسعينيات العمر ـ روحه المرحة فضلاً عن تدخينه المستمر وهو في تلك السن المتقدمة!، وأذكر مرة أن إحدي المعجبات الأوروبيات التي يعرفها من قبل قد جاءت وقبلته علي وجنتيه في عيد ميلاده فتصور البعض أنه لا يعرف من هي لضعف بصره، ولكنه قهقه قائلاً لقد عرفتها من طريقة تقبيلها لي والتي لا أنساها أبداً! ولقد كتبت عن «نجيب محفوظ» مقالاً في «الأهرام» منذ عدة أعوام وجعلت عنوانه «نجيب محفوظ بين الأدب والسياسة» فتلقيت منه برقية طويلة أحتفظ بها وأسعد بما جاء فيها وأعتبره تكريماً من شخصية رفيعة أعتز بها علي الدوام. وعندما جري الاعتداء الجسدي عليه وانغرس نصل سكين صدئة في عنق ذلك الروائي الكبير، بفعل عمل إجرامي لا يغفره الوطن، هرعنا جميعاً إلي صاحب «نوبل» باعتباره رمزاً للعطاء العربي والالتزام الإنساني، وناقل الحارة المصرية إلي صفحات الكتب في الشرق والغرب علي السواء، إنه «نجيب محفوظ» الذي لم يركب طائرة في حياته إلا مضطراً في زيارة إلي «اليمن» الثائر لدعم الجناح الجمهوري، وذلك في وقت لم يكن فيه أحد يستطيع أن يعترض علي تعليمات الرئيس «جمال عبد الناصر»، وهو ما جعل الأستاذ «نجيب محفوظ» يؤثر السلامة ـ طوال ذلك العهد ـ نظراً لأنه حويط بالطبيعة، حذر بالفطرة فيه دهاء صامت وإنسانية فائقة وقدرة علي الهروب من المواقف الحدية، ورغبة عارمة في الارتباط بالوطن والحرص عليه. إنه «نجيب محفوظ» الذي حمل هموم العصر وتوقف عن الكتابة لعدة سنوات بسبب مخاوفه من نظام يوليو برمته، رغم أنه لا يعفي نفسه من حبه لـ «عبدالناصر» و«الكاريزما» السياسية التي تمتع بها ذلك القائد الراحل، إنه «نجيب محفوظ» الذي يحمل اسم الطبيب الشهير الذي أشرف علي ولادته، فكأنما ظل ذلك الروائي المسلم يبشر بالوحدة الوطنية وهو يحمل اسم ذلك النطاسي القبطي الذي يعتز به الطب المصري كما اعتز بالوليد العظيم ملك الرواية العربية «نجيب محفوظ». ميريت غالي» بقلم د. مصطفي الفقي ٢٠/ ٣/ ٢٠٠٨ أشعر بإغراء شديد للكتابة عن هذه الشخصية الرائعة، التي قد لا يعرفها الكثيرون، إنه «ميريت بك بطرس غالي»، الذي كان وزيراً قبل الثورة وبعدها، وهو أمر لم يتكرر إلا في حالته وحالة صديقه الدكتور «إبراهيم بيومي مدكور». الطريف في الأمر أن كتاب «ميريت غالي»، الشهير بعنوان «سياسة الغد ( برنامج سياسي واقتصادي واجتماعي)»، الذي أصدرته مطبعة «الرسالة» عام ١٩٣٨ قد تصدره إهداء المؤلف «ميريت غالي» إلي صديقه الدكتور «إبراهيم بيومي مدكور»، الرئيس الأسبق لمجمع اللغة العربية، ومن المصادفات أنهما أصبحا معاً ـ «غالي» و«مدكور» ـ وزيرين في آخر وزارة قبل الثورة، وأول وزارة بعدها، فاستأثرا بوضع فريد جعلهما وزيرين في عهدين مختلفين تماماً، قبل ثورة يوليو وبعدها، وقد طلب مني أستاذي الدكتور بطرس غالي، أمين عام الأمم المتحدة الأسبق أن أكتب عن ابن عمه «ميريت غالي»، لأنه يعلم أنني كنت قريباً منه في سنوات عمره الأخيرة، عندما كان يقف علي مشارف التسعينيات من عمره الثري بعطائه للوطن المصري، وتبدأ معرفتي بتلك الشخصية المتميزة عندما بدأ مشروع مصري دولي لإصدار «الموسوعة القبطية»، ورأي القائمون عليها إشراك بعض المتخصصين من غير المسيحيين في إصدارها، فاستقبلني «ميريت غالي» في منزله علي النيل بالجيزة ـ وهو شيخ طاعن في السن يقطر خبرة، ويحمل علي كتفيه وقر السنين، وتجارب الأيام، وكان وقتها عضواً في مجلس الشوري وذلك في مطلع الثمانينيات من القرن الماضي ـ وطلب مني إعداد فصل كامل عن أكثر الشخصيات القبطية لمعاناً في الحياة السياسية، وكان يقصد بذلك «مكرم عبيد باشا» ولقد فعلت وأصبحت أنا المسلم المنحدر من بيت متدين واحداً من مؤلفي «الموسوعة القبطية»، وأتذكر أن «ميريت غالي» عرض علي مبلغاً من المال في مقابل ما فعلت، ولكنني اعتذرت عن ذلك، وقلت له: «لا يؤجر صاحب علم بما يعلم» فسعد بهذا الرد، وكتبه علي الإيصال الذي كان من المفروض أن أوقعه، وتواصلت بيني وبين ذلك المفكر الكبير أواصر الصلة الطيبة، فقد كنت معتزاً بدوره في المناداة بالإصلاح قبل ثورة يوليو ١٩٥٢، لأنه كان قريباً من الإرهاصات الأولي لقانون الإصلاح الزراعي، كما لم يكن بعيداً عن الجمعيات التنموية قبل الثورة مثل جماعة «الرواد»، وجماعة «الفلاح» وغيرهما من ومضات الضوء الباهرة في العصر الملكي بكل ما له وما عليه. ثم جاءت المناسبة الثانية لتوثيق علاقتنا، عندما اكتشفت أن كل السيارات الخاصة في مصر أصبحت ترفع شعارات دينية، تبدو مستفزة للطرف الآخر وبدت السيارات المتحركة وكأنها مساجد وكنائس صغيرة، وذلك أمر من شأنه أن يقسم الأمة المصرية، وأن يضرب الوحدة الوطنية في مقتل، وكان ذلك في منتصف الثمانينيات من القرن العشرين، فكتبت مقالاً شهيراً في «الأهرام» بعنوان «ظواهر وفدت علي مصر» وطالبت فيه برفع تلك الملصقات واستخدام وزير الداخلية صلاحياته في إعمال قانون المرور والالتزام بتطبيقه في هذا الشأن ووجهنا رسالة مشتركة وقعها الأستاذ «ميريت غالي» عضو مجلس الشوري، وأنا - المستشار بوزارة الخارجية المصرية حينذاك - ورفعناها إلي السيد وزير الداخلية الذي استجاب إلي ذلك المطلب الوطني كما شاركنا «البابا شنودة» بوعيه المعروف ووطنيته الصادقة، فأعفي أبناءه من أي مسؤولية دينية تلحق بهم، نتيجة رفعهم تلك الملصقات، واستجاب الجميع ـ مسلمين وأقباطاً ـ لتلك الدعوة المصرية الخالصة، وأصبحنا محل حديث الصحف وتقدير ذوي الأمر، ولقد لاحظت أن الدكتور «بطرس غالي» ينظر إلي ابن عمه نظرة إكبار وعرفان، ويري فيه أخاه الأكبر الذي يفيض وطنية، ويتوهج وعياً، ولا يقول إلا فصل الخطاب. إنه «ميريت غالي» الذي رحل عن عالمنا بعد ذلك بسنوات قليلة، ولكنه ترك تراثاً فكرياً وإرثاً تقدمياً يجعلني أعتز بصلتي به، خصوصاً أنني عرفته في سنواته الأخيرة، فأصبحت كمن لحق بالقطار السريع في آخر محطة له، رحم الله «ميريت غالي»، وأثاب الدكتور «بطرس غالي» الذي عرفني به، ودفعني إلي الكتابة عنه تكريماً للمعاني الوطنية والمؤشرات الفكرية والإسهامات الثقافية، التي ترتبط بتلك الشخصية الكبيرة.[/align] |
رد: الدكتور مصطفى الفقى وهؤلاء
[align=center]يوسف شاهين»
بقلم د. مصطفي الفقي ٢٨/ ٢/ ٢٠٠٨ تربطني بهذا المخرج العالمي صداقة قوية تعود إلي منتصف الثمانينيات من القرن الماضي، عندما استقبلته معبراً عن اعتراضه تجاه قانون خاص بالفنانين، كان يقود الدعوة إليه حينذاك المثقف الراحل «سعد الدين وهبة»، ويومها رأيت في «يوسف شاهين» نموذجاً فريداً من البشر فصراحته لا مثيل لها وقدرته علي تعرية المواقف غير مسبوقة، كما أن ذكاءه الحاد وروحه الساخرة تضفيان علي ثقافته الواسعة بُعداً آخر يجعله إنساناً بسيطاً يقف في صفوف الفقراء والكادحين، إلي جانب انتماء يساري طويل يعطيه رؤية خاصة للناس والأشياء، ومنذ ذلك الوقت تزايدت صلتي بهذا الفنان العظيم قرباً وقوة، رغم اختلافنا المهني ودوائر علاقاتنا المتباينة، ولاأزال أذكر خطبة الرئيس الفرنسي الراحل «فرانسوا ميتران» في حفل العشاء الذي أقامه تكريماً للرئيس «حسني مبارك» والوفد المرافق له أثناء «زيارة الدولة» التي قام بها رئيس مصر للعاصمة الفرنسية في آخر الثمانينيات، لقد قال «ميتران» يومها وبالنص (إن العلاقات المصرية الفرنسية لا تبدأ «بنابليون» والحملة أو «شامبليون» و«حجر رشيد» كما أنها لا تنتهي بالفنانة «داليدا» أو المبدع «يوسف شاهين»)، وكان «چو» ـ وهذا هو الاسم الذي أفضل أنا وغيري من أصدقائه أن ننادي به «يوسف شاهين» ـ جالساً علي إحدي موائد الحفل في تواضع جم ولا مبالاة واضحة وكأنما ليس اسمه هو ذلك الذي يردده رئيس الجمهورية الفرنسية في حفل رسمي، وليس هذا غريباً علي «يوسف شاهين»، فلقد تعود علي عبارات الثناء وجوائز التكريم فهو الذي منحه مهرجان «كان» في منتصف التسعينيات من القرن الماضي جائزة «السعفة الذهبية» تقديراً له علي مجمل أعماله واحتراماً لعطاء نصف قرن كامل من التميز والإبداع وخدمة قضايا الإنسان في كل مكان، ولقد حكت لي سيدة فاضلة أنها كانت تجلس في قاعة مهرجان «كان» في إحدي سنواته ووقف مخرج أمريكي كبير يتحدث عن شخصية فنية ضخمة ومخرج عالمي مرموق دون أن يسميه تحديداً، وكان يجلس بجوار تلك السيدة «يوسف شاهين» الذي تبدأ جذوره من جبل «لبنان» وتثمر أزهاره علي ضفاف النيل، فقال لجارته بتواضع تلقائي: مَنْ هذا الذي يتحدثون عنه بهذا الإطراء الشديد؟! وفوجئ الجميع بأن المقصود بكل هذه الكلمات الرائعة ليس إلا «يوسف شاهين» ذاته بقيمته الفنية ومكانته الدولية والدور السياسي الذي لعبته أعماله التي تواصلت وتفاعلت مع جميع المناسبات السياسية والفكرية وقدمت نماذج رائعة للتسامح والتواصل والعطاء، ومن النوادر التي لا أنساها أننا كنا نجلس في نهاية الثمانينيات ذات مساء بمنزل الفنان الصديق الموسيقار «محمد نوح»، وفي حضور المخرج الكبير «يوسف شاهين» وعدد من الأصدقاء كان من بينهم صديق عزيز رحل عن عالمنا وقد كان خزينة متنقلة من المعلومات حول البشر والوقائع والأحداث وإذا به يسأل المخرج «يوسف شاهين» في براءة: هل تعتبر فيلم «العزيمة» هو نقطة التحول تجاه الواقعية في تاريخ السينما المصرية؟ فلم يجب عليه «يوسف شاهين» لأن السؤال لم يعجبه وتظاهر بمشكلته التقليدية في ثقل السمع، فأعاد صديقي بروحه الصافية السؤال مرة ثانية بعد دقائق قليلة قائلاً: ألست تري يا أستاذ «يوسف» أن المخرج «كمال سليم» كان عبقرياً في إخراجه فيلم «العزيمة»، وهنا استدار إليه الأستاذ «يوسف شاهين» وقال بعبارة ساخرة ـ وقد كانت أول مرة يلتقي فيها بصديقي الراحل ـ: من هذا الحمار؟! فقلت له لا يا أستاذ «يوسف» إنه صديقي، فقال لي في سخرية أشد: يبدو أنك تصادق «حمير» أحياناً واستغرقنا جميعاً في ضحك شديد، إذ لا يجوز أن نسأل «يوسف شاهين» المخرج العظيم عن مخرج آخر مهما كانت قيمته، ولاأزال أذكر لـ «يوسف شاهين» مواقف طيبة معي سواء كنت في مصر أو خارجها فلم يترك مناسبة يقيمها إلا ودعاني إليها، وفي حفلات افتتاح كل أفلامه كنت ضيفه الأثير وعندما أقام «الأهرام» احتفالاً بعيد ميلاده الثمانين كنت في مقدمة مدعويه، وعندما دعت مجلة «نصف الدنيا» المصرية إلي حوار بين فنان ومثقف شرفني «يوسف شاهين» باختياري محاوراً له في حديث طويل أجريناه في مكتبي الذي سعي إلي فيه وقد نشرته تلك المجلة علي ست صفحات كاملة، وعندما تواترت الأنباء في الأسابيع الأخيرة عن الظروف الصحية الصعبة التي مر بها وجدتني أدعو له بالشفاء ودوام العطاء، لأن «يوسف شاهين» قيمة كبيرة في حياتنا الفنية وعلامة مضيئة في مشوار السينما المصرية، وإذا كنا نحتفل بمئويتها، فإن أفلاماً مثل «باب الحديد» و«الناصر صلاح الدين» و«حدوتة مصرية» و«المهاجر» و«المصير» وغيرها سوف تبقي في ضمير الإنسان إشارات ضوء تبدد ظلمات التعصب وتفك قيود القهر وتفتح الأبواب أمام إنسان جديد في عصر مختلف. الفريق سعد الشاذلي بقلم د.مصطفى الفقي ٢١/ ٢/ ٢٠٠٨ تعرض هذا الرجل لحملة عاتية في أعقاب انتصار أكتوبرالعظيم واتهمه البعض بالتقاعس أمام ثغرة «الدفرسوار» وألقوا بالمسؤولية عليه باعتباره رئيس أركان تلك الحرب الظافرة، وليس من حقي أن أخوض في تفاصيل ما جري، لأن الأمر يحتاج إلي خلفية عسكرية لا أحوزها وإن كان تاريخ الرجل يوحي بمكانته المرموقة وقيمته الكبيرة فقد كان قائد قوات المظلات الدولية في الحرب الأهلية أثناء الصراع الذي دار في «الكونغو» في أوائل الستينيات من القرن الماضي، ثم كان هو الملحق العسكري اللامع في «لندن» بعد ذلك وهو «الفريق» الذي اختاره الرئيس الراحل «السادات» - صاحب القرارين، قرار الحرب وقرار السلام - لكي يكون رئيساً لأركان حرب القوات المسلحة وشريكاً للمشير الراحل «أحمد إسماعيل»، في إدارة المسار العسكري لتلك الحرب برغم ما كان بين الرجلين، المشير والفريق،من علاقة غير ودية وحساسيات قديمة ولكنها عبقرية «السادات»، في أن يجمع المتناقضات ليضمن ولاء القوات المسلحة ويحصل علي الحد الأقصي من خبرات كلا القائدين، والذي يعنيني في حياة الفريق «سعد الشاذلي» هو ما عرفته عنه بعد ذلك من خلال عملي معه وهو سفير لمصر في لندن وقد كان طبيعياً أن يتم إبعاده عن الساحة، بعد أن وضعته مجلتا «الحوادث» العربية و«الباري ماتش» الفرنسية علي غلافهما باعتباره رئيس أركان الحرب العربية المنتصرة، وعندما تسلم الفريق «الشاذلي» عمله في السفارة استقبلناه بقلق شديد ومخاوف مبررة، فالرجل معروف بصرامته العسكرية وقد لا تكون إدارته لبعثة دبلوماسية كبيرةعلي النحو المطلوب، ولكننا فوجئنا بعسكري مصري مشرف يتحدث بلغة إنجليزية طليقة تفوق في جودتها عشرات السفراء المدنيين، فضلاً عن أفكار غير تقليدية في العمل وقدرة واضحة علي الوصول إلي الهدف، ولعلي أتذكر الآن أنه كان من أوائل من فطنوا إلي قيمة وزيرة التعليم البريطاني «مارجريت تاتشر»، ومستقبلها السياسي المنتظر فدعاها هي وزوجها إلي عشاء في بيت مصر بالسفارة في حي «ماي فير» وهو أيضاً الذي دعا في مرة أخري أسقف «كانتبري» علي العشاء في السفارة المصرية ودعا معه كبار الشيوخ من بعثة «الأزهر الشريف»، في المركز الإسلامي بلندن وهو تفكير ينم عن سعة الأفق والفهم المبكر لقضية الوحدة الوطنية، كما أنه فاجأنا جميعاً ذات يوم بأن أعلن أن السفارة المصرية سوف تستضيف احتفال كل البعثات الأفريقية في «لندن» بيوم أفريقيا وهوالخامس والعشرون من شهر مايو ونجح في ذلك بشكل واضح وحقق لمصر الأفريقية مكانة متميزة في العاصمة البريطانية حيث حضر إلي السفارة رئيس الوزراء البريطاني «كالاهان» ووزير الخارجية وجميع القيادات المرموقة في العاصمة البريطانية وفي مقدمتهم مندوب صاحبة الجلالة وقيادات «الكومنولث» كلها ولقد كان يوماً رائعاً شعرت فيه بأن للرجل رؤية تستحق الإكبار وهو أيضاً الذي وافق في بداية السبعينيات علي المشاركة في مواجهة تليفزيونية مع السفير الإسرائيلي في لندن - من مكانين مختلفين - وأشهد أن «الشاذلي» اكتسح الإسرائيلي وأصبح حديث المدينة وبعثاتها الدبلوماسية لعدة أيام بعد ذلك، وهو أيضاً العسكري المصري الصلب، الذي ألقي محاضرة شهيرة في مجلس العموم البريطاني حول إعادة فتح «قناة السويس» عام ١٩٧٥ وترك أثراً كبيراً لدي مشاهديه ومستمعيه علي السواء، وهو أيضاً الفريق «سعد الدين الشاذلي» الذي ناداني ذات يوم في عطلة الأسبوع وطلب مني الإبراق للقاهرة - بحكم مسؤوليتي عن قسم الشفرة بالبعثة - مستأذناً في السماح له باللجوء إلي القضاء ضد وكالة «رويترز». للأنباء والتي وقعت في خطأ كبير عندما نقلت عنها الـ«بي بي سي» أمراً يمس السيدة الفاضلة قرينته «زينات هانم متولي» شقيقة الفريق «سعد الدين متولي» كبير الياوران في عهد الرئيس الراحل «عبدالناصر» وبرغم أن الوكالة حاولت الاعتذار فإنها عندما علمت بلجوء السفير إلي القضاء قررت دفع مبلغ مالي كبير علي سبيل التعويض وقد استخدمه ذلك السفير العظيم حينذاك في دعم نفقات الطلاب العرب غير القادرين وتوجيه الباقي منه إلي الجمعيات الخيرية داخل مصر، ذلك هو «سعد الدين الشاذلي» كما رأيته فارساً نبيلاً نظيف اليد شديد الدقة والتنظيم لا يترك صغيرة ولا كبيرة إلا ويعطيها ذات الاهتمام، وعندما تدهورت علاقته بشكل علني مع الرئيس «السادات»، الذي نقله من العاصمة البريطانية إلي العاصمة البرتغالية، حيث أمضي فيها فترة قصيرة ثم استقال بعد زيارة الرئيس الراحل للقدس ودخل في جبهة الرفض وأصبح عنصراً إعلامياً من العيار الثقيل ضد سياسات الرئيس الراحل، وحين قضت المحكمة العسكرية المصرية بسجنه لإفشائه معلومات عسكرية في معرض دفاعه عن نفسه حول موضوع الثغرة فإنه عاش آخر سنوات المنفي في «الجزائر» وحين استأذنت السيدة الفاضلة قرينته في العودة إلي مصر لزيارة بناتها أمرني الرئيس «مبارك»، بنقل توجيهاته بأن تلقي من الرعاية والاحترام ما يليق بزوجة قائد عسكري كبير، ثم رجعت إلي زوجها في منفاه حتي عادا معاً إلي مصر حيث قضي فترة قصيرة في محبسه العسكري لأنه رفض أن يكتب اعتذاراً للقوات المسلحة عما فعله من خطأ وفقاً للقانون العسكري، يبقي أن أقول إن الرجل رفيع الثقافة شديد الاعتزاز بالنفس ويعتبر هو الذي أسس سلاح المظلات في القوات المسلحة المصرية، وهو في النهاية- بما له وما عليه - ابن مرموق للعسكرية المصرية التي قدمت للوطن القادة العظام والمسؤولين الكبار بل أسهمت في تحرير الوطن والمواطن علي مر العصور. [/align] |
رد: الدكتور مصطفى الفقى وهؤلاء
[align=center]رجاء النقاش
بقلم د. مصطفي الفقي ١٤/ ٢/ ٢٠٠٨ أثناء حضوري اجتماع المجلس الأعلي للثقافة في صيف عام ٢٠٠٧، أطل علينا الكاتب الكبير والناقد الراحل «رجاء النقاش»، وجلس في مقعده، متهالك الصحة، عليل الجسد، لا يبدو من شحوب وجهه الواضح إلا بريق عينين، تحملان وقر السنين وهموم الزمن، وكنت أجلس بين الصديقين المثقف الكبير د. «جابر عصفور» والأديب الفنان د. «فوزي فهمي»، وبجوارنا مباشرة نقيب الصحفيين الحالي الأستاذ الكبير «مكرم محمد أحمد»، الذي اندفع بتلقائيته ونقائه، مطالباً المجلس الأعلي للثقافة في جلسته المنعقدة، بترشيح الأستاذ «رجاء النقاش» لجائزة «مبارك في الآداب» عن عام ٢٠٠٧، وزاد علي ذلك بأن صعد إلي المنصة، متحدثاً إلي الوزير الفنان «فاروق حسني»، وزير الثقافة والصديق الأستاذ «علي أبوشادي»، أمين عام المجلس اللذين شرحا له، أن ذلك يخالف ـ للأسف ـ القواعد المعمول بها في إجراءات جوائز الدولة، إذ لابد من ترشيح مسبق من إحدي الهيئات المخولة بذلك، والمرور بمراحل معينة قبل الوصول إلي المجلس الأعلي للثقافة.. وكان الوزير والأمين العام يقولان ذلك وهما أكثر تعاطفاً مع الناقد الراحل من أي شخص فينا، رغم حماسنا الشديد لمكانته الفكرية وقيمته الأدبية، وتأثرنا الواضح بتدهور صحته بشكل قد لا يسمح له بحضور جلسة المجلس في العام التالي، وإن كانت الأعمار بيد الله وحده في النهاية.. ولقد أسعدني أن علمت أن الناقد الراحل قد رُشح بالفعل هذا العام لتلك الجائزة الكبيرة، وأن القواعد تسمح بمنحها بعد الوفاة مادام الترشيح قد تم قبلها.. ثم جمعتني بالراحل الكبير ندوة مصغرة لمناقشة أحد الكتب في دار «أخبار اليوم» وفاجأني في حديثه، بأن أشار إلي قصة حدثت له شخصياً عندما تعرض لظلم وقع علي ابنته في التعيينات الجامعية، وكيف أنه اتصل بي وقتها، فتدخل الرئيس «مبارك» شخصياً وأنصفه بشكل حاسم. كان «رجاء النقاش» يذكر تلك الحادثة بتأثر دائم وامتنان عميق، ولقد قرأت المقال الذي نشرته الأستاذة «سناء البيسي» ـ المعروفة بأسلوب متميز يدركه كل من يقرأ لها، وهي في ظني أفضل كاتبات جيلها ـ وشعرت معها بالمعاناة الطويلة التي مر بها بيت «النقاش»، وهو بيت علم وثقافة وأدب ودين، وشعرت أيضاً أن من واجبي أن أسجل خواطري مع هذا النجم الذي هوي واختفي، مثل النيازك والشهب التي تعبر الكون بشكل خاطف، ولكنها تترك أثراً لا ينسي، ولاأزال أتذكر قراءتي لكتابه الشهير عن «العقاد بين اليمين واليسار»، ومعاركه الفكرية والأدبية، وكيف رجعت إلي فقرة منه في أطروحتي للدكتوراه بجامعة «لندن» في منتصف السبعينيات من القرن الماضي. والواقع أن «رجاء النقاش» كان شديد الحفاوة بالمفكر العظيم «عباس محمود العقاد»، وأيضاً بعميد الأدب العربي الراحل د. «طه حسين».. وما أكثر الوقائع والأحداث التي تعرض لها «رجاء النقاش» في كتاباته حولهما، ومعهما فيلسوف المسرحية العربية «توفيق الحكيم»! ثم امتدت اهتمامات «النقاش» لتغطي باقتراب شديد وعناية فريدة أعمال صاحب «نوبل» «نجيب محفوظ»، الذي عايشه وحاوره وكتب عنه الكثير في حياته وبعد رحيله.. ولي تجربة لا أنساها مع الراحل الأستاذ «رجاء النقاش» عندما كتبت مقالاً، أثار ضجة كبيرة وكان عنوانه (في جدوي الكتابة)، وكان ذلك منذ عدة سنوات، ففاجأني الناقد الراحل بمقاله في «الأهرام» في ذات الأسبوع تحت عنوان (مصطفي الفقي وجدوي الكتابة)، حيث عكست سطوره الحماس لما قلت، والكرم الزائد في وصف قيمته، وهو أمر يرفع من قدر أي كاتب، خصوصاً إذا جاء ذلك من رجل بالحجم الثقافي والوزن الفكري لمثل «رجاء النقاش»، ولا يغيب عن ذهننا أن قيمة «رجاء النقاش» لا تقف عند حدود الوطن المصري فقد كان دائماً هو ذلك الكاتب الشريف والناقد الموضوعي والأديب الموهوب الذي ذاع صيته، وانتشر اسمه مقترناً بالاحترام الزائد والتقدير الكامل في كل مكان، وكان إسهامه في صحافة «الخليج» من خلال واحدة من أشهر دورياتها، مرحلة متميزة في تاريخه الصحفي ومسيرته الأدبية، وكان كل ذلك مقترناً بروح النضال لديه والإحساس بالفقراء، والشعور بمعاناة من يحتاجون إلي حياة أكثر أمناً واستقراراً. ولا شك أن محنة «رجاء النقاش» مع المرض كانت قاسية وبطيئة، عاني فيها ذلك المفكر المناضل عبر شهور طويلة آلام المرض الجسدي، والحزن النفسي بشكل غير مسبوق، وعندما أُعلن نبأ رحيله المتوقع، بكاه الناس القريبون منه والبعيدون عنه، لأنه كان نموذجاً فريداً، جاء من أسرة أنجبت لمصر نجوماً لامعة في حياتها الثقافية والسياسية.. رحم الله «رجاء النقاش» بقدر ما نقش في قلوبنا من إحساس، وفي عقولنا من بصيرة، فلقد كان علامة مضيئة في حياتنا الفكرية والثقافية وحاضرنا الأدبي والاجتماعي، كما أنه كان نموذجاً للانتماء الذي يعتصم بالرؤية الموضوعية والفكرة العميقة والكلمة الشريفة. رفعت المحجوب بقلم د. مصطفي الفقي ٧/ ٢/ ٢٠٠٨ عندما التحقت بكلية «الاقتصاد والعلوم السياسية» بجامعة القاهرة عام ١٩٦٢، دخل علينا قاعة المحاضرات أستاذ أنيق المظهر عميق الفكر، فصيح العبارة، ليدرس لنا «مبادئ علم الاقتصاد» وعرفت يومها أنه ينتمي إلي «المدرسة الفرنسية» التي تجعل دراسة الاقتصاد فرعًا قريبًا من الدراسات القانونية، بخلاف «المدرسة البريطانية» التي تقترب بعلم الاقتصاد من الدراسات الرياضية والإحصائية، وكانت الكلية الوليدة في وقتها محط الأنظار، وأمل آلاف الشباب من مصر والعالم العربي باعتبارها كلية وحيدة فريدة في تخصصاتها الأصلية «للاقتصاد» و«السياسة» و«الإحصاء» وكان د. «رفعت المحجوب» - رحمه الله - يغرد في قاعة المحاضرات مازجًا الاقتصاد بالفلسفة والتاريخ البشري بالحضارة الإنسانية، ولقد بهرني أستاذي الراحل عندما بدأ يتحدث عن تعريف علم الاقتصاد باعتباره «علم الندرة» ثم مستطردًا في شرح ذلك بلغة رفيعة وتحليل لا أكاد أجد له نظيرًا، ثم يعود ليقول مرة أخري أن الاقتصاد هو «علم الحاجة» شارحًا بنفس المستوي ما يريد الوصول إليه، ثم يعود مرة ثالثة ليقول: إن الاقتصاد هو «علم المنفعة» ويمضي مفسرًا ما يريد أن يشرحه، ثم يختتم التعريف بقوله إن الاقتصاد هو «علم الصيرورة» في عمق فلسفي لا أنساه، ولقد تزايد إعجابي بهذا الأستاذ المرموق منذ البداية، حتي إنني بدأت منذ ذلك الوقت في استبدال «نظارتي الطبية» لتكون مثيلة لتلك التي اشتهر بها د. «المحجوب»، وظللت أتابعه في إعجاب شديد وأراقب طموحاته وهي تمضي معه في «العصر الناصري» كعضو بارز في «المؤتمر الوطني للقوي الشعبية» وجزء من المثلث المتألق في ذلك المؤتمر، حيث كان رفيقاه هما الراحلان د. «لبيب شقير» ود. «طعيمة الجرف»، وتزايدت طموحات أستاذي الراحل عندما سبقه رفيق عمره د. «شقير» إلي مواقع السلطة الوزارية ثم البرلمانية، وبدا لي د. «رفعت المحجوب» لعدة سنوات محبطًا متبرمًا، وكأنه مشروع إنساني كبير، جري إجهاضه تدريجيا، وهو الذي ينتمي إلي مدينة «الزرقا» بمحافظة «دمياط» التي أنجبت قبله رئيس وزراء العصر الملكي «إبراهيم باشا عبد الهادي»، وعندما وصل الرئيس الراحل «السادات» إلي الحكم اختار د. «رفعت المحجوب» سكرتيرًا أول للجنة المركزية للتنظيم السياسي الواحد في ذلك الحين، وهو «الاتحاد الاشتراكي العربي» وهي وظيفة تعادل تقريبًا الأمين العام للحزب الحاكم حاليا، ثم تقلد الأستاذ عمادة «كلية الاقتصاد والعلوم السياسية» مرتين، حتي جاء عصر الرئيس «مبارك» الذي اختاره رئيسًا لـ «مجلس الشعب» مع أنه عضو بالتعيين في سابقة جديدة تقديرًا لمكانة الرجل وقيمته، وعندئذ جمعتني ظروف العمل بأستاذي القديم الذي رسبت لأول مرة في حياتي في مادة «الاشتراكية العربية» علي يديه، وانتقلت بها إلي السنة الثالثة في الكلية، وعندما ناقشته فيما بعد عن تلك المفارقة التي أذهلت أصدقائي وزملائي كان رده بوضوح ان الورقة احتوت اتجاهًا فكريا فيه مغالاة في قبول الفكر الاشتراكي، وأنه رأي إعطاءها درجة «ضعيف»، تحسبًا لأن تكون ورقة مدسوسة لإثبات خروجه هو عن إطار «الاشتراكية العربية» التي كان يرفعها النظام شعارًا له في ذلك الوقت! ولقد ظللنا نتندر بتلك القصة لعدة سنوات، وعندما كان د. «رفعت المحجوب» رئيسًا لـ «مجلس الشعب» تألق بصورة مبهرة وكانت خطبته السنوية عند تقديم رئيس الجمهورية في افتتاح البرلمان قطعة رفيعة في الأدب والفكر معًا، وأذكر أنه في إحدي المناسبات ألقي خطبته بالكامل، قياسًا علي الذكر الحكيم، مقتبسًا من القرآن الكريم في روعة تدعو إلي الخشوع والاحترام، وهو الذي نزل من فوق المنصة في إحدي جلسات «مجلس الشعب» عندما تزايد الهجوم عليه والانتقاد لتصرفات شقيق له، فوقف بين صفوف الأعضاء، وكرر عبارته الشهيرة (لا تكونوا كأهل «أورشليم» كلما جاءهم نبي رموه بحجر)، وما أكثر ما تحدث إلي أستاذي، بحكم ظروف العمل، شارحًا وموضحًا ومستفسرًا، وكنت أشعر دائمًا أن الرئيس «مبارك» يخصه باحترام خاص، وتقدير واضح، بينما كان ينظر إليه د. «عاطف صدقي» رئيس الوزراء نظرته للقدوة وصاحب الفضل، وأتذكر من الطرائف أن د. «رفعت المحجوب» كان حاضرًا لمراسم استقبال أمير البحرين الراحل في أحد أيام الثمانينيات، وبينما كان الرئيس «مبارك» يقدمه للعاهل الخليجي داست قدمه - د. «المحجوب» - عن طريق الخطأ علي رداء الأمير الضيف، حتي كاد الأمير أن يسقط علي الأرض بفعل ذلك، وهنا جذب ضباط الحراسة الخاصة المصرية رئيس البرلمان المصري في اتجاه يبعده عن الأمير الزائر، تلافيا لمشكلة «بروتوكولية» لا مبرر لها، وليلتها حدثني د. «المحجوب» تليفونيا وهو شديد التأثر من الواقعة والأسف لما حدث، ولقد جاءت نهاية أستاذ الراحل حزينة بكل المعاني، فقد كانت نهاية مأساوية لقي فيها الرجل مصرعه برصاصات غاشمة، وبدت قمة المأساة في أنه كان «اغتيالاً خاطئًا»، فقد كان المستهدف هو «وزير الداخلية» الأسبق اللواء «محمد عبد الحليم موسي» ولكن موكب «رئيس البرلمان» سبق موكب «وزير الداخلية» فكانت المأساة، رحم الله د. «رفعت المحجوب» فقد كان طرازًا فريدًا في الترفع والكبرياء، والعجيب أن قاتليه قد حصلوا علي البراءة، ومازالوا يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق، والرجل في رحاب ربه راضيا مرضيا. [/align] |
رد: الدكتور مصطفى الفقى وهؤلاء
[align=center]الأمير تشارلز
بقلم د.مصطفى الفقي ٣١/ ١/ ٢٠٠٨ هو الوريث الأول لعرش إمبراطورية كانت لا تغرب عنها الشمس، أمه ملكة بريطانيا لفترة تقترب من ستين عاماً، وأبوه الأمير «فيليب» الذي ينحدر من أصول يونانية، أما «أمير ويلز» وهذا هو اللقب الذي يحمله الأمير «تشارلز»، فقد ملأ الدنيا، وشغل الناس بالفعل، تارة بمغامراته العاطفية، وأخري بزواجه الفاشل، وثالثة بموقفه المعتدل تجاه الإسلام واحترامه لذلك الدين الحنيف، وقد جمعتني به مباشرة مناسبات عديدة، كانت أولاها في حفل جامع بالمتحف البريطاني في الثمانينيات من القرن الماضي، وكان الأمير متألقاً مهذباً راقياً كعادة أبناء الملوك وورثة العروش.. وكانت «أميرة القلوب» ـ كما يسمونها ـ «ديانا» تجلس إلي جانبه، تزيده بهاءً وتألقاً، ثم كانت المناسبة الثانية في منتصف التسعينيات عندما دعاني السفير البريطاني الأسبق «لونج» مع مجموعة محدودة من المثقفين وكبار العسكريين المصريين علي شرف الأمير الذي كان يقيم في منزل السفير البريطاني بالقاهرة أثناء زيارته، والذي دخل قاعة الطعام وهو يرتدي الزي الأسكتلندي بالتنورة المزركشة ذات المربعات الزاهية، حيث وزع الأمير اهتمامه علي الحاضرين، سائلاً كل ضيف عن وظيفته، محاولاً خلق مادة للحديث حولها ومتواصلاً في حواره مع الجميع في رقة وأدب شديدين، وقد لفت نظري يومها أن السفير البريطاني ألقي كلمة ترحيب بصاحب السمو الملكي ولي العهد، ولكن الأمير «تشارلز» لم يرد بكلمة مماثلة، لأن «البروتوكول» يعفي العائلة المتربعة علي بلاط «سان جيمس» من ذلك التقليد، وعندما لقيت الأميرة «ديانا» مصرعها في الحادث المأساوي الغامض مع نهاية أغسطس ١٩٩٧ انخفضت شعبية الأمير بشكل ملحوظ، بل تراجعت صورة العائلة كلها، بما في ذلك الملكة وزوجها علي نحو غير مسبوق، لأن «ديانا» بدت للبريطانيين بعد رحيلها وكأنها شهيدة المراسم الملكية العتيقة وحياة القصور البالية، وأنها عندما حاولت التحرر من تلك القيود وانتهاج حياة بسيطة بين الناس كان ذلك هو مصيرها المحتوم.. أما اللقاء الثالث فكان عندما تشرفت مع الأستاذ «محمد فريد خميس»، رئيس مجلس أمناء الجامعة البريطانية، باستقبال سيدة مصر الأولي «سوزان مبارك» ومعها الأمير «تشارلز» وزوجته الجديدة ورفيقة عمره قبل زواجه بـ«ديانا» وأثناءه وبعده السيدة «كاميلا»، وذلك في افتتاح «الجامعة البريطانية» بمصر ـ والتي أتشرف برئاستها ـ وكان ذلك في الثاني والعشرين من مارس عام ٢٠٠٦ ويومها رأيت عجباً، فالأمير متعلق بزوجته الجديدة بشكل ملحوظ رغم أنها غير مهتمة بالجمال الصارخ، ولكنها الكيمياء البشرية التي لا يعرف سرها إلا الخالق وحده، وهي نفس الكيمياء التي أزاحت «ديانا» بجمالها وشبابها، وأحلت مكانها امرأة هي دونها شكلاً وموضوعاً، ولكنها أيضاً قوانين الحياة الغامضة التي لا نعرف لها تفسيراً.. وقد كانت حفاوة الأمير بزوجته الحالية ورعايته لها في تلك المناسبة موضع الاهتمام، بل والتأمل، وعندما كانا يدخلان أحد معامل الكيمياء قالت له إنني لم أهتم من قبل بهذا الفرع من العلوم لذلك لا أعرف عنه الكثير فقال لها في حنو بالغ لا تقلقي يا حبيبتي فأنا معك! وقد سنحت لي الفرصة يومها لكي أتحدث إلي الأمير حديثاً مطولاً فسألته في البداية عن سبب اهتمامه بالإسلام والحديث الدائم عنه والحوار حوله، فقال لي في تواضع شديد، إن ذلك بدأ نتيجة اهتمامه المبكر بالطرز المعمارية، ومنها العمارة الإسلامية التي شدته، وبالتالي إلي دراسة أعمق لذلك الدين العظيم.. عندئذ ذكرته بمحاضرته الشهيرة في جامعة «أكسفورد» عام ١٩٩٣ والتي كانت نقطة تحول ملحوظ في رؤية الغرب للإسلام، وأضفت له قائلاً: إنني أشترك معك يا صاحب السمو في يوم عيد الميلاد «الرابع عشر من نوفمبر» مع اختلاف السنوات، ونشترك في ذلك مع «جواهر لال نهرو» السياسي الهندي الراحل، والملك «حسين بن طلال»، عاهل الأردن الذي مضي إلي رحاب ربه عام ١٩٩٩، وعميد الأدب العربي الدكتور «طه حسين»، وكذلك أمين عام الأمم المتحدة الأسبق الدكتور «بطرس غالي».. وقد داعبت الأمير قائلاً: لعلك تلاحظ يا صاحب السمو أنهم عظماء جميعاً، وليس بينهم مغمور واحد إلا أنا، فرد علي بأدب الملوك بعبارة ثناء لا أستحقه، ولكنها تلك هي تقاليد ورثة التاج البريطاني العريق، ولقد ظللت طوال حياتي أتابع الأمير في أزماته المتكررة وكبواته المتتالية وعثراته الشهيرة، ولكنني ظللت دائماً مشدوداً إلي شخصيته الجذابة وثقافته الواسعة، ولست أنسي له علاقته الوثيقة بالداعية المصري صديقي الراحل الدكتور «زكي بدوي»، الذي استقي منه الأمير الكثير من معلوماته عن الإسلام وتعاليمه والرد علي افتراءات خصومه، وأظن أن الراحل الدكتور «زكي بدوي» ـ بلغته الإنجليزية الرفيعة وقد كان متزوجاً من بريطانية ـ هو الذي صاغ الأفكار الرئيسية لمحاضرة الأمير «تشارلز» المشار إليها في جامعة «أكسفورد»، ومحاضرته الثانية بجامعة «الأزهر الشريف» في مارس ٢٠٠٦، وسوف يظل الأمير متطلعاً إلي كرسي العرش الذي يقترب منه ثم يبتعد عنه، لأن صاحبة الجلالة لا تريد أن تتخلي عن عرشها حتي لحظة الرحيل عن هذا العالم.. ثم يبقي لديه بعد ذلك ابناه من «ديانا أميرة القلوب» وهما: «وليم» و«هاري» اللذان يقترب العرش من أكبرهما بفرص أعلي من أبيه.. إنها سُنة الحياة وقانون الوجود وفلسفة الزمان. چون جارانج بقلم د. مصطفي الفقي ٢٤/ ١/ ٢٠٠٨ لا يخالجني شك في أن الرحيل الغامض الذي حدث بالمصرع المفاجئ للعقيد «چون جارانج» قائد حركة التمرد الكبري في الجنوب السوداني في حادث طائرة ـ لا يبدو كامل البراءة حتي الآن ـ إنما يمثل خسارة كبيرة لوحدة السودان وسلامة أراضيه وضمان مستقبله، فقد كان «جارانج» وحدوياً رغم أنه كان يقود حركة ترفع شعارات يصل بعضها إلي التلويح بالانفصال، ومازلت أذكر أول لقاء لي مع ذلك القائد الذي خرج من الجيش السوداني برتبة عقيد، وحصل علي «الدكتوراه» في الخارج وعاد ليقود الحركة الشعبية لتحرير السودان في منزل السفير المصري في «أديس أبابا» «أحمد الزنط» ـ رحمه الله ـ في أواخر الثمانينيات من القرن الماضي ويومها كان «جارانج» معبراً بقوة عن تقديره لمصر وارتباط جنوب السودان تاريخياً بالدولة المصرية، مؤكداً أن مصر لم تلعب يوماً دوراً انتهازياً في الصراع القائم بين شمال السودان وجنوبه، وقد تحدث معي «جارانج» بلغة عربية واضحة عن أمله في ظهور سودان جديد يكون موحداً وديمقراطياً في ذات الوقت، كما أبدي اعتزازه باللغة العربية واحترامه للدين الإسلامي وفهمه للعلاقة بين المزاج الإفريقي والشخصية العربية. وأتذكر يوماً أنه كان يجلس مع السيد «عمرو موسي»، وزير خارجية مصر الأسبق، فبادر الدكتور «جارانج» الوزير المصري بقوله (إنني أريد أن أشارك في حكم السودان ولا يجب أن يكون هناك مانع يحول بيني وبين هذا الحق كمواطن سوداني أصيل)، فرد عليه الوزير بذكاء شديد قائلاً (نعم هذا حقك يمكن أن تحصل عليه بالحوار الوطني والعمل السياسي ولكن لا يمكن الوصول إلي ذلك الهدف «بالبندقية» فالعنف لا يصنع المستقبل، ولا يفتح الأبواب نحو المجتمع الذي ينعم بالتعددية السياسية والفكرية علي حد سواء)، وكان اللقاء الثالث الذي جمعني بالشهيد «چون جارانج» في دار مولانا «محمد الميرغني» «بشارع الخرطوم» في مصر الجديدة علي عشاء أقيم تكريماً له وكانت معه السيدة قرينته التي كانت تسعي يومها لدعم حملة تنوير وتحديث في جنوب السودان لرفع مستوي الحياة بين أبنائه، حتي إنها طالبت بإنشاء مدارس لتعليم اللغة العربية بصورة تؤكد التوجهات الوحدوية لزوجها في إطار سودان موحد وديمقراطي تنعم فيه كل الطوائف والثقافات بقدر متكافئ من الحقوق والواجبات، وعلي الرغم من الصلات الوثيقة التي ربطت بين «جارانج» وحركته في جانب والولايات المتحدة والغرب في جانب آخر، بل اتصالاته المستمرة بالكنائس الغربية إلا أن الرجل كان يعمل في حدود علمي سعياً نحو وحدة السودان ومستقبله الديمقراطي ولم يكن خيار الانفصال هو الأول لديه، ولكنه كان تعبيراً عن تنامي دور الجبهة الإسلامية وتأثيرها علي أركان الحكم في «الخرطوم» إذ يجب ألا ننسي أن «جارانج» هو ابن الجيش السوداني الباسل تربي فيه وتخرج منه وقد اعتمد علي مستشار سياسي رفيع القدر هو الصديق د.«منصور خالد» وزير خارجية «السودان» الأسبق، كما أن الرجل كان يرتبط بعلاقات طيبة مع عدد من العواصم العربية ربما كان أبرزها «القاهرة» و«طرابلس». ونحن إذ نستشعر الخسارة الكبيرة لرحيله في ظروف صعبة لا نشكك في كفاءة خلفائه ولكننا نري أن غيابه هو افتقاد لدوره الوحدوي في مستقبل جنوب السودان، كما أن مصر علي وجه الأخص كانت تري فيه أملاً لوحدة ذلك القطر الشقيق، خصوصاً أن ارتباط الجنوب بمصر كان قوياً دائماً، خصوصاً علي مستوي المنح الدراسية والأنشطة التعليمية، ولم يكن ذلك أمراً جديداً، ولكنه ظل تقليداً استمر في العصرين الملكي والجمهوري دون تراجع أو توقف، وعندما عبرت أرملة الزعيم السوداني الراحل ـ الذي تزامن مصرعه مع وفاة الملك «فهد بن عبد العزيز» ـ عن شكوكها حول طبيعة حادث الطائرة الذي أودي بحياته رغم سلامة التحقيقات التي تمت واستبعاد أي شبهة جنائية فيه، فإنها قد فتحت ملفاً يظل محل جدل ونقاش قد يستمر لعدة سنوات قادمة لأن توقيت رحيل الدكتور «چون جارانج» كان مأساوياً بكل المعايير لا بالنسبة لأسرته وحدها بل للسودان كله ومستقبل أبنائه، حيث مازالت تعصف به الرياح علي نحو يدعو إلي القلق ويتطلب اليقظة لأن أكبر الدول الإفريقية مساحة وأكثرها ثراء في الأرض والمياه لا يمكن أن تكون مجرد مسألة موسمية نؤمن بها حين نريد ونبتعد عنها حين نشاء!. [/align] |
رد: الدكتور مصطفى الفقى وهؤلاء
[align=center]محمد حسنين هيكل
بقلم د. مصطفي الفقي ١٧/ ١/ ٢٠٠٨ إن «الأستاذ» هو ظاهرة فريدة في ذاتها، ومؤسسة مستقلة تمشي علي قدمين، ومهما اختلف الناس معه فإن التشكيك في قيمته يبدو نوعاً من العبث، كما أن المساس بمكانته هو تطاول لا يليق، فإذا أخذنا «محمد حسنين هيكل» من الناحية «المنهاجية» فقط ودون الغوص في الأفكار والأعماق والآفاق، فإننا أمام عقلية منظمة للغاية، وذاكرة قوية بلا حدود، وقدرة علي الملاحظة الاستثنائية، لا نكاد نجد لها نظيراً، فالرجل يفهم بعينيه ويستقبل بأذنيه ويرصد كل ما حوله في دقة بالغة وذكاء حاد ورؤية شاملة، ولا شك أن مسار حياته يعتبر نموذجاً غير متكرر، ولا أظن أن كاتباً في التاريخ العربي الحديث نال من ذيوع الشهرة وانتشار الاسم واحترام الكلمة مثلما تحقق للأستاذ «هيكل»، ولقد رأيته أول مرة في حياتي في نهاية الستينيات، من خلال ندوة دعاني إليها أستاذي د. «عبد الملك عودة» مساعد الأستاذ «هيكل»، رئيس مجلس الإدارة ورئيس تحرير «الأهرام» في ذلك الوقت، وعندما قدمني إليه أستاذي كان الأستاذ «هيكل» مشغولاً بالحديث مع بعض كبار ضيوف الندوة، فلم تتح لي فرصة الحديث إليه، وتذكرت لحظتها ما حدث عام ١٩٦٥، عندما كنت رئيساً لاتحاد طلاب كلية «الاقتصاد والعلوم السياسية» وبادرت مع زميل لي بالذهاب إلي المبني القديم لمؤسسة «الأهرام» القديم، لندعو الأستاذ «هيكل» إلي لقاء مفتوح مع طلاب الكلية الذين كانت بينهم زميلة دفعتي، الدكتورة «هدي جمال عبد الناصر»، والمشهود لها بالتفوق الدراسي حينذاك، وعندما ذهبنا إلي مكتب الأستاذ «هيكل» استقبلتنا سكرتيرته الراحلة السيدة «نوال المحلاوي» وتصورت أنا ـ وهماً ـ أنني لو دعوت «الأستاذ» للحديث في موضوع ثقافي عام فسوف يكون ذلك أدعي لقبوله الدعوة، فقلت للسيدة «نوال» إن اتحاد طلاب كلية الاقتصاد يتشرف بدعوة «الأستاذ» للحديث في موضوع غير سياسي، حتي لا نثقل عليه، وإننا نقترح موضوع (أزمة المثقفين بين أهل الثقة وأهل الخبرة) فنظرت إلي سكرتيرة الأستاذ «هيكل» وقالت لي: وهل هذا موضوع غير سياسي؟! إنه يقع في جوهر القضايا السياسية! وعندئذ انصرفت أنا وزميلي شاكرين، ثم التقيت «الأستاذ» في ندوات مختلفة إلي أن أتاحت لي فرصة عملي في مؤسسة الرئاسة المزيد من المعرفة والتواصل مع ذلك النجم الكبير، الذي أشعر تجاهه دائماً بالعجز الكامل، الذي يصيب الإنسان العادي، عندما يتطلع إلي عملاق في الفكر والثقافة مع إلمام موسوعي بحقائق الكون وشؤون الحياة وهو شعور يتجدد كلما أتاحت لي الظروف لقاء «الأستاذ»، وما أكثر ما دار بيني وبينه من أحاديث أستفيد منها وأجترها، كلما احتجت إلي لحظات تأمل صادق أو فرصة فكر عميق، فالرجل صنع نفسه بنفسه وفرض اسمه علي الدنيا وأصبح واحداً من أولئك الكتاب الذين يعدون علي أصابع اليدين في العالم كله، وإنني أندهش كثيراً عندما أتابع سلسلة حلقاته علي إحدي الفضائيات، وأعجب بذاكرة ذلك الثمانيني المخضرم، الذي ملأ الدنيا وشغل الناس، وأتذكر يوم أن هبط العاصمة البريطانية وأنا دبلوماسي في مقتبل العمر مع مطلع السبعينيات من القرن الماضي، ودعاه يومها سفير الجزائر لدي المملكة المتحدة، وهو الدبلوماسي الدولي المعروف الأستاذ «الأخضر الإبراهيمي» ـ صديق الأستاذ «هيكل» منذ سنوات طويلة ـ لحضور حفل استقبال العيد القومي «للجزائر»، وعندما شاع خبر وجوده في «لندن» تهافت الدبلوماسيون والسياسيون والإعلاميون في العاصمة البريطانية للقاء «الأستاذ» والاستمتاع بالتحدث معه، ولست أري زائراً دولياً مرموقاً يهبط «القاهرة» إلا وهو يسعي للذهاب إلي «برقاش» لمقابلة «الأستاذ» والاستماع إلي آرائه والإفادة من تحليلاته، والمذهل أن الرجل لايزال يملك رصيداً من المعلومات الطازجة والمتجددة، التي قد لا تتوافر في أروقة الدوائر الدبلوماسية أو الهيئات الأمنية، فقد اختار لنفسه طريقاً منذ البداية ومضي فيه ووضع لذاته تصوراً سعي إليه، فأثري الفكر السياسي المعاصر ووضع الصحافة في مكانها الرفيع، وأبي أن يمضي دون أن ينشئ مؤسسة تعليمية عالمية لتدريب الصحفيين الشبان، إيماناً منه بالتواصل بين الأجيال، واحتراماً للعلاقة بين المعلم والصبيان!، وكلما التقيته في السنوات الأخيرة وجدته ناقداً لبعض ما أكتب، عاتباً علي المضي في بعض الاتجاهات التي لا جدوي منها، وأنا الآن أقف بين يدي «الأستاذ» لأجدد احترامي وأقول له: «لك العتبي حتي ترضي»! الصادق المهدي بقلم د.مصطفى الفقي ١٠/ ١/ ٢٠٠٨ تربطني بالسيد «الصادق المهدي» صلة قوية، لأنني أري فيه نموذجًا مشرفًا للعربي الأفريقي، الذي حصل علي تعليم راق وحاز ثقافة عالية، وكانت أول مرة رأيته فيها في منتصف السبعينيات من القرن الماضي، متحدثًا في مؤتمر كبير في قاعة «الأمير ألبرت»، الشهيرة بوسط العاصمة البريطانية، ويومها أدهشتني كثيرًا فصاحته بالإنجليزية، وتدفقه اللغوي الرصين إلي جانب أفكاره المتميزة، ولا غرو فقد درس في جامعة «أكسفورد»، وكان رئيسًا لوزراء بلاده لأول مرة في الستينيات من القرن العشرين، عندما كان لايزال في العشرينيات من عمره، لأنه وريث بيت عريق فهو حفيد الإمام «المهدي الكبير»، الذي حاول في يوم من الأيام أن يتفادي مقتل «جوردون باشا» ليقايض به «عرابي»، حتي يعود من منفاه، و«المهدية» - لمن لا يعرف - حركة دينية سياسية كبري ارتبطت بالكفاح الوطني والسعي لاستقلال السودان، ووصفت دائمًا بالتحفظ تجاه «مصر» مع وجود حساسيات تاريخية حيالها، ولقد ظل هذا الانطباع سائدًا حتي عندما تولي «الصادق المهدي» رئاسة الحكومة السودانية، بعد سقوط نظام «نميري» في منتصف الثمانينيات من القرن الماضي، حيث لم تكن «الكيمياء البشرية»، متفاعلة بينه وبين القيادة السياسية والأمنية في شمال الوادي، وأذكر أن لقاءه الوحيد برئيس مصر علي هامش إحدي القمم الأفريقية في مدينة «أديس أبابا» لم يكن له من النجاح ذلك القدر المطلوب، ولكن يرجع الفضل الأساسي في رفع الحساسيات التاريخية، وذوبان الشكوك الموروثة بين «الصادق المهدي» و«مصر» إلي فترة ما بعد قيام «ثورة الإنقاذ» في السودان عام ١٩٨٩، حيث بدأ السيد «الصادق» يتردد علي «مصر» بانتظام، ويقضي فيها أوقاتًا ليست قصيرة، كما اقتني منزلاً بمدينة نصر، واختلط بفئات الشعب المصري بمختلف مستوياته، ورأي منهم جميعًا حبهم الشديد للسودان واحترامهم الكامل له، باعتباره سليل «بيت المهدي» العريق، كما سعي إليه المثقفون المصريون والمفكرون والكتاب، وفي مقدمتهم شيخ المعنيين بالشأن السوداني الدكتور «ميلاد حنا»، وكان لي شخصيا شرف لقائه، والحديث إليه كلما سمحت الظروف، بل إنني اشتركت معه، متحدثًا، في عدد من الندوات المتعلقة بشؤون السودان والأوضاع العربية والأفريقية، ولقد اندمج السيد «الصادق المهدي» في الشارع المصري حتي أصبح يتردد علي نادي «هليوبوليس»، ليلعب التنس في الصباح الباكر، ولعلي أقول إنه لو لم يكن «لثورة الإنقاذ» في السودان من فضل فيكفيها أنها أزالت الحساسية بين الزعامة «المهدية» والدولة المصرية، ورغم أن السيد «الصادق المهدي» يميل إلي التنظير أحيانًا فإنه مرتبط بالواقع، دائمًا، متابع للأحداث الدولية والإقليمية بشكل يدعو إلي الإعجاب، ويتميز بقدر من الكبرياء الشخصي المستمد من قيمته الفكرية والثقافية، ومازلت أذكر من لقاءاتي مع الرئيس السوداني السابق «جعفر نميري» أنه كان شديد التحفظ علي شخصية «الصادق المهدي» ومكانته السياسية، وقد جمعتني بالسيد «الصادق المهدي»، مناسبات اجتماعية كثيرة منها تلك التي كان يدعونا فيها علي الغداء دائمًا الصديق الدكتور «محمود أباظة»، رئيس «حزب الوفد» بداره في الزمالك، إعزازًا للعلاقة التاريخية بين الحزب والسودان الشقيق، وكثيرًا ما سمعنا من السيد «الصادق المهدي» في السنوات الأخيرة تحليلات موضوعية حول الدور المصري في السودان والضغوط الدولية التي تتعرض لها «القاهرة» في هذا الشأن، ولا شك أن اختلاط السيد «الصادق المهدي»، في السنوات الأخيرة بمثقفي مصر ومفكريها وأدبائها قد أتاح له أيضًا أن يعرف «مصر» أكثر وأكثر، وذلك يذكرني بعبارة قالها لي القيادي الديني والسياسي الدكتور «حسن الترابي» ذات يوم، عندما عبر عن استيائه من أن من يستقبلونه في «مصر» هم من الجهات الأمنية والسياسية، بينما هو يتطلع إلي لقاء مع الكتاب والمفكرين في مركز الدراسات الاستراتيجية بالأهرام مثلاً، أو تتاح له فرصة محاضرة وحوار في إحدي قاعات «الأزهر الشريف»، ورغم أن «الترابي» يقف علي مسافة بعيدة من صهره «الصادق المهدي» فكريا وسياسيا فإن طبيعة الحساسيات لديهما من أسلوب التعامل المصري كانت متشابهة إلي حد كبير، لذلك عدلت «مصر» في السنوات الأخيرة عن إرسال سفير لها في «الخرطوم» يأتي من مؤسسة أمنية، وفضلت أن يكون دائمًا دبلوماسيا محترفًا، تأكيدًا لطبيعة الندية بين البلدين التوأمين، ولسوف يظل اسم «الصادق المهدي» مرتبطًا بحاضر السودان ومستقبله، مثلما كان الأمر في الماضي بالنسبة لأبيه وجده، وسوف تزول إلي الأبد حساسيات أحداث جزيرة «أبا»، ويدرك الأنصار في السودان أن «مصر» طرف مباشر ومتكافئ مع كل القوي السياسية في السودان بغير استثناء. تلك لمحات عابرة من صلة وثيقة بزعيم كبير، وصديق عزيز هو السيد «الصادق المهدي»، حفيد الإمام «محمد أحمد المهدي»، أبرز قادة السودان في القرنين التاسع عشر والعشرين.[/align] |
رد: الدكتور مصطفى الفقى وهؤلاء
[align=center]أحمد بهاء الدين»
بقلم د.مصطفى الفقي ٣/ ١/ ٢٠٠٨ كلما طافت بذاكرتي تلك اللقاءات التي جمعتني بالمفكر الراحل الكاتب الكبير «أحمد بهاء الدين» تداعي إلي ذهني مباشرة تعبير «ضمير الوطن»، فلقد كان الرجل تجسيداً لهذا المعني في أروع صوره، فهو ابن الوادي العريق الذي تنحدر أصوله من محافظة «أسيوط»، وهو الذي شق طريقه في حكمة واقتدار منذ أن تبنته الراحلة «فاطمة اليوسف»، وهو يبدأ مشواره - شاباً صغير السن - في شارع الصحافة بعد أن أنهي دراسته في كلية «الحقوق»، ونال إجازة القانون، وكان يمكن أن يواصل طريقاً آخر ليكون أحد الكواكب اللامعة في عالم المحاماة، ولكنه غير طريقه ليصبح أحد النجوم الساطعة في عالم الصحافة، ولقد ربطتني به صلة طويلة منذ مطلع السبعينيات من القرن الماضي، عندما سجلت درجة الدكتوراه في جامعة «لندن» عن موضوع «الأقباط في السياسة المصرية - دراسة تطبيقية حول دور مكرم عبيد» حيث تحدث إليه الراحل «تحسين بشير»، المتحدث الرسمي المصري الأسبق، والدكتور «سمير رؤوف» المستشار السياحي الأسبق في «لندن»، وكلاهما كان يقف علي مسافة قريبة من الكاتب الراحل، ويبدو أنهما قد ذكرا شيئاً عن موضوع أطروحتي للدكتوراه، وفي أول زيارة للأستاذ «أحمد بهاء الدين» إلي «لندن» وجدته يتصل بي في السفارة المصرية ويطلب لقائي، فذهبت إليه في فندق «تشرشل» الشهير وكان يجلس معه درة ظرفاء العصر الكاتب الساخر «محمود السعدني» - عافاه الله في محنته - وقد ابتدرني الأستاذ «بهاء الدين» بحديث طويل عن الوحدة الوطنية المصرية ودور «مكرم باشا عبيد» كأحد رموزها، ومنذ ذلك اللقاء توطدت علاقتي بالأستاذ وأصبحت شغوفاً بالجلوس إليه، والاستماع منه كلما سنحت الفرصة في «القاهرة» أو «لندن»، خصوصاً أن الكاتب الراحل كان معنياً بقضية الوحدة الوطنية المصرية لأسباب لا تبتعد عن هموم الشأن العام في الوطن، وتقترب أيضاً من تركيبة أسرته الصغيرة واختياره شريكة حياته من إحدي العائلات القبطية العريقة، ولقد أتاحت لي الظروف أن أكون مشرفاً علي البحث السنوي لابنته النابهة الدبلوماسية المتميزة الأستاذة «ليلي بهاء الدين» - وهي قرينة سفيرنا المتألق في العاصمة البرتغالية حالياً- فازدادت أسباب اقترابي من الأستاذ ولم تفتني كلمة واحدة مما كتب، سواء كان ذلك في كتبه الرائعة أو مقالاته الرصينة التي عالج فيها شؤون الأمة وهموم الوطن. أما البعد القومي في شخصيته فإنني أتمني أن يكون موضوعاً مستقلاً لأطروحة دكتوراه حديثة، فقد ارتبط «أحمد بهاء الدين» بفكرة العروبة وناضل من أجلها في أروقة «البعث» وصفوف «القوميين العرب» وساحات «العصر الناصري» وتحمل - رحمه الله - عبئاً كبيراً في مسار القضية الفلسطينية، ولن ينسي العرب ولا الإسرائيليون أنه صاحب المبادرة التاريخية لقيام الدولة الديمقراطية في إسرائيل، التي تضم العربي واليهود في فلسطين علي قدم المساواة، وهو طرح ذكي قدمه الكاتب الراحل غداة هزيمة ١٩٦٧، ولقد أثار اقتراحه في ذلك الوقت جميع الدوائر الإقليمية والدولية وملأ الدنيا وشغل الناس، كما أحرج «الدولة العبرية» بشكل مازالت تتهرب منه حتي الآن، وما أكثر من تأثروا بالأستاذ الراحل، فلقد أطلق صديقي وزميل دراستي الدكتور «علي الدين هلال» اسمه علي ابنه البكر كما أن الأستاذ «أحمد بهاء الدين» كان رئيساً للجنة المناقشة في أطروحة الكاتب الصحفي الدكتور «عمرو عبدالسميع» في منتصف الثمانينيات، كذلك ارتبط الكاتب الراحل بعلاقة صداقة متينة مع الأستاذ الكبير «محمد حسنين هيكل»، ولم تكن علاقتهما تنافسية أبداً ولكنها كانت تكاملية في جميع الأدوار، وعندما أبلغ المناضل الوطني الكبير «خالد محيي الدين» صديقه «أحمد بهاء الدين»- وكانا علي موعد لقاء في مناسبة اجتماعية مساء الثامن والعشرين من سبتمبر ١٩٧٠- بوفاة الزعيم «جمال عبدالناصر» كاد «أحمد بهاء الدين» أن يسقط مغشياً عليه لرحيل رمز الأمة في وقت الشدة، وكلما رددت ابنته السيدة «ليلي» اسم ابنها الوحيد «بهاء» تذكرت الجد بحصافته الفكرية وتوهجه الذهني وحسه الوطني، ومنذ أيام كنت أجلس إلي ابنه الوحيد الدكتور «زياد بهاء الدين» رئيس مجلس أمناء الهيئة العامة للاستثمار، وأحسست من طريقة حديثه وتدفق أفكاره وتألق رؤيته ما جعلني أشعر أن «أحمد بهاء الدين» لم يمت ومازالت روحه تسعي بين من ورثوا عنه «الجينات» العقلية عائلياً أو فكرياً، فما أكثر تلاميذه بين أروقة الوطن وساحات الأمة، وكلما تطلعت إلي وجه قرينته العظيمة السيدة «ديزي» وجدت أن الحزن الغامض يطل من عينيها علي رفيق الحياة الذي رحل، وكان صراعه مع المرض طويلاً وأليماً، ولكن مكانته وقيمته تتزايدان كلما افتقد الناس الفكر الشريف والكلمة النزيهة والعبارة الصادقة. مولانا «محمد الميرغني» بقلم مصطفى الفقى ٢٧/ ١٢/ ٢٠٠٧ هو الزعيم الروحي لطائفة «الختمية» في السودان وهو سليل الإمام «الميرغني الكبير»، الذي ارتبطت جماعته تاريخيا ثم حزبها السياسي بعد ذلك بعلاقات وثيقة مع «مصر»، تحت شعار «وحدة وادي النيل»، ولقد تواصلت بيني وبين مولانا صلات العمل بحكم وظيفتي في نهاية التسعينيات من القرن الماضي مساعدًا لوزير الخارجية للشؤون العربية والشرق الأوسط، حيث كان السيد «عمرو موسي» يحرص علي استقبال الرموز التاريخية للحياة السياسية في السودان ومسؤولي الحكومة في «الخرطوم» بمعدل يكاد يكون أسبوعيا، حرصًا منه علي الروابط الأزلية بين البلدين التوأم «مصر»، و«السودان» وكنت أحضر تلك اللقاءات بحكم عملي، فتوطدت علاقتي أكثر بمولانا «الميرغني»، والسيد «الصادق المهدي» وأعضاء الحكومة السودانية وزعماء الجنوب أيضًا. وعندما ذهبت إلي «الخرطوم» في مايو عام ٢٠٠٠، علي رأس الوفد التحضيري لاجتماع اللجنة المشتركة بين البلدين، وكان الوفد يضم الدبلوماسيين المعنيين بالشأن السوداني إلي جانب الخبراء من جميع الوزارات المصرية ذات الصلة، وكانت فترة ثرية بالاتصالات الناجحة حتي استقبلنا الرئيس «البشير» ومعظم قيادات السودان شماله وجنوبه، وحدث بعد عودتنا بأيام قليلة أن أبلغني مكتب وزير الخارجية أن مولانا «محمد الميرغني» ومعه شقيقه السيد «أحمد الميرغني» الذي كان رئيس مجلس رأس الدولة في السودان بعد الإطاحة بحكم «نميري» عام ١٩٨٥ سوف يحضران للقاء الوزير، وأنني مدعو لحضور اللقاء ومعي مدير إدارة السودان السفير «محمد رفيق خليل» وعدد من الدبلوماسيين المصريين المعنيين بالشأن السوداني من قطاع الشؤون العربية، الذي كنت أترأسه. وجلست مع مولانا «الميرغني» وشقيقه المعروف بالهدوء ودماثة الخلق عدة دقائق في صالون الانتظار نتجاذب أطراف الحديث في ود بالغ ونتناول أقداح الشاي انتظارًا لانتهاء مقابلة الوزير مع آخر ضيف لديه حتي استقبلنا في مكتبه وجلس الزعيمان اللذان ينتميان إلي «بيت الميرغني» العريق مع وزير الخارجية المصري ومعهم عدد من أعضاء وزارة الخارجية بقيادتي نتابع الحوار حول شؤون السودان والعلاقة بين المعارضة والحكومة في «الخرطوم» وكيفية رأب الصدع ولم الشمل للوطن السوداني الواحد بجميع أصوله وأعراقه وفصائله. ولاحظت أن مولانا «محمد الميرغني» يحمل مظروفًا كبيرًا يحتوي عدة أوراق يمسك به في يده أثناء اللقاء ثم طلب «مولانا» من وزير الخارجية أن يقتصر اللقاء عليه هو وأخيه مع الوزير، فخرجنا جميعًا لنترك الثلاثة في جلسة مغلقة وكدت أتحرك إلي مكتبي في الدور العاشر بمبني الوزارة ولكن ما هي إلا دقائق قليلة حتي أبلغت أن الوزير يريد مني الانضمام إلي ذلك اللقاء الثلاثي المغلق فدخلت وجلست فنظر إلي السيد «عمرو موسي» بابتسامة ذات مغزي وقالي لي (إن «مولانا» جاء ليشكو منك ومعه قصاصات من صحف «الخرطوم» الصادرة أثناء زيارتكم وهو يعتب عليك أنك قلت إن مصر مع السودان كله بجميع طوائفه دون تفرقة!) فقلت (نعم إنني ألقيت محاضرة كبيرة في «الخرطوم» وقلت فيها إن «السودان» شماله وجنوبه وشرقه وغربه بما فيه من «ختمية» و«أنصار» محسوبون جميعًا علي «مصر» بنفس الدرجة). وهنا انفعل «مولانا» وقال (هذا عبث بالثوابت لأن «الختمية» هي الطائفة المرتبطة بمصر تاريخيا منذ أيام «سعد زغلول» و«مصطفي النحاس»)، فرددت عليه بقولي «إنني أعرف ثوابت العلاقة بين البلدين أكثر من غيري ولم يكن في حديثي أي إشارة سلبية للعلاقة بين الطائفة «الختمية» و«مصر» ولكنني كنت أتحدث عن «سودان» ديمقراطي موحد تنظر إليه «مصر» بندية واحترام)، وكان السيد «عمرو موسي» يتابع الحديث ويعطيني الفرصة كاملة لكي أرد علي اتهامات «مولانا» وقد أردف السيد «الميرغني» قائلاً إنني رفضت دعوة عشاء وجهها إلينا الحزب الاتحادي «حزب الختمية» أثناء الزيارة فقلت له (إنني أسف أن ذلك لم يحدث بل إنه علي الجانب الآخر وجه إلينا «حزب الأمة»، بتعليمات من السيد «الصادق المهدي»، دعوة علي العشاء فاعتذرنا عنها، لأن تعليمات وزير الخارجية المصري لنا هي أن يكون الوفد المسافر علي مسافة واحدة من كل القوي السياسية والاتجاهات الدينية والثقافية في «السودان»). وكان السيد «أحمد الميرغني»، يجلس إلي جانب شقيقه الأكبر في هدوء ووقار معروف بهما أما أنا فقد كنت أنظر إلي المظروف الكبير وأنا أضحك في داخلي لأنني رأيت ذلك المظروف مع «مولانا» قبل دخوله إلي السيد الوزير ولم أكن أعلم أن فيه ما يمثل انتقادًا لي أو شكوي مني ولقد ذكرني ذلك بما جاء في الأدب العربي القديم «حامل حتفه بيده»، ولقد ظلت علاقتي بمولانا «الميرغني» محل شكوك قوية من جانبه رغم أنني تشرفت بزيارته بداره العامرة بشارع «الخرطوم»، في مصر الجديدة وتناولت العشاء معه علي شرف وفد الجنوب برئاسة الراحل «جون جارانج»، كما أن سكان ضاحية مصر الجديدة يعرفون اسم «الميرغني» منذ عشرات السنين، لأن أحد خطوط المترو الرئيسية يحمل اسمه حتي الآن. وعندما تقرر تعييني في «مجلس الشعب المصري» في نهاية عام ٢٠٠٠، اتصل بي «مولانا» ضاحكًا، وقال لي (إنني أريدك أن تأتي للعشاء في منزلي تكريمًا لك بمناسبة تركك الخدمة في «السلك الدبلوماسي المصري»)، فقلت له (يا مولانا إنه ليس تكريمًا لي بقدر ما هو تعبير عن سعادتك بتركي وزارة الخارجية المصرية)، فرد علي قائلاً ( نعم ربما يكون ذلك صحيحًا)![/align] |
رد: الدكتور مصطفى الفقى وهؤلاء
[align=center]أحمد زويل
بقلم د.مصطفى الفقي ٢٠/ ١٢/ ٢٠٠٧ عشنا في مدينة واحدة، هي «دمنهور»، معظم سنوات الدراسة، قبل أن ينتقل هو وأسرته إلي مدينة «دسوق»، ليجاور «سيدي إبراهيم» بمسجده الكبير وساحته الواسعة، إنه ابن مصر العظيم الذي رفع رأسها في وقت كانت تحتاج فيه إلي ذلك، فلقد نفض عنها غبار التخلف العلمي والتكنولوجي، مضيفاً إلي الكوكبة المتألقة من علمائها الكبار اسماً جديداً يرصع سماءها أمام العالم. وبرغم أنني شخصياً كنت طالباً متفوقاً في سنوات الدراسة، وكنت الأول علي منطقة «البحيرة» التعليمية في الشهادة العامة، فإن أحمد زويل ظل هو فرس الرهان، والاسم الذي نعتز به جميعاً. لقد كان تخصصي في المرحلة الثانوية هو علم «الفيزياء»، إلا أنني تحولت إلي طريق آخر هو دراسة الاقتصاد والعلوم السياسية. أما هذا العالم الفذ فلقد واصل طريقه، معروفاً طوال حياته بالذكاء الحاد، والتوهج العقلي، ودماثة الخلق، والبساطة والتواضع اللذين ظلا يلازمانه حتي أصبح نجماً دولياً، رفيع الشأن، متألق المكانة، فجائزة «نوبل» في العلوم تختلف عنها في السلام أو في الآداب، لأنها لا تخضع في هذه الحالة لاعتبارات سياسية أو توزيع جغرافي بين الحضارات والثقافات، إذ لا يحصل عليها إلا من أوتي العلم الحقيقي، ومن قدم للإنسانية جديداً يدفعها إلي الأمام. وهذا شأن «أحمد زويل»، الذي لا يختلف اثنان علي إسهامه الضخم في التقدم العلمي علي مستوي العالم، الذي لايزال مستمراً في أبحاثه الجادة، وقد يتوج عمله الحالي بـ«نوبل» الثانية بعد سنوات قليلة، خصوصاً أنه يكرس جهود مجموعته حالياً في خدمة الطب وصحة الإنسان، ويركز علي مرض «ألزهايمر» والتغيرات الكيميائية التي تصيب خلايا المخ فتؤدي إليه. وأحمد زويل - لمن لا يعرف - يحظي باحترام دولي كاسح، فلقد حضرت له منذ سنوات قليلة محاضرة ضخمة في أعرق جامعة ببرلين، وكان موضوعها عن عالم «الضوء» العربي «الحسن بن الهيثم»، ويومها احتشد له في القاعة مئات العلماء الألمان، وكنت أشعر وقتها بأن قامتي تطول فخراً بهذا العالم المصري المرموق، وقد حكي لي زميلي الدكتور خيرالدين عبداللطيف، سفير مصر السابق في الهند، كيف احتشد أيضاً لأحمد زويل علماء الهند - وهم بالمناسبة قوة علمية هائلة لا يستهان بها - وكيف كان إعجابهم واحترامهم بالعالم الكبير من دلتا النيل محل دهشة سفيرنا وسعادته، وتبدو قيمة زويل الحقيقية في أنه ليس عالماً فحسب، ولكنه أيضاً مفكر رفيع الشأن ومتذوق حساس للآداب والفنون، ولاأزال أتذكر جلستنا الأخيرة في «مقهي الفيشاوي» بحي «الحسين»، عندما جمعتنا الظروف نحن الثلاثة: العالم الفذ أحمد زويل، والشاعر الكبير فاروق جويدة، وأنا، وتحركت بيننا ذكريات العمر والدراسة، فنحن أبناء محافظة واحدة، ودرس ثلاثتنا بمدينة دمنهور العريقة في الوقت ذاته، ويومها انطلقت روح الفن الكامنة لدي العالم المصري وهو يتحدث عن أم كلثوم، ودور صوتها في حياته وإنجازاته، بينما كانت تسجيلاتها تصدح في المكان، وتعيد إلينا عبق الستينيات من القرن الماضي. إنه أحمد زويل المهموم بالقضايا الكبري في عالم اليوم، خصوصاً في مجال التنمية ورفع مستوي الحياة بين الشعوب، وهو المهموم أكثر بالشأن الوطني في بلاده بصورة كادت تظلمه، توهم البعض أنه يفكر في دور سياسي رسمي داخل مصر، وذلك في ظني أمر لم يفكر فيه لأنه يعلو فوقه، فقيمة العالم لا تطاولها قيمة أخري. ولقد لعب الإعلام المصري المتهافت علي جاذبية ذلك العالم الكبير دوراً مؤثراً، ولأن الرجل ببساطته كان يستجيب حياء وكرماً، فإنهم قد أسرفوا عليه، ولكن لحسن الحظ لم يسيئوا إليه. إنه أحمد زويل الذي التقاه قادة العالم ومعظم الحكام العرب، وعرض عليه الجميع استضافة علمه الفريد وجهده المتميز في خدمة البشرية وشعوبها، إلا وطنه الأم الذي أرهقته فيه الإجراءات البيروقراطية والشائعات المغرضة، بل بعض المواقف الحذرة إلي حد التوجس والتخوف، وظل الرجل صامداً، عاشقاً لمصر، قانعاً بتكريم رئيس بلاده له، راضياً بحب الناس. ولقد رأيت بعيني رجل الشارع العادي وفقراء مصر وكادحيها وهم يلهثون إليه ويسعون إلي مصافحته، وأخذ صور تذكارية معه، لأنهم يؤمنون بأن ذلك الرجل البسيط في شخصه، الضخم في علمه، يسعي لخدمتهم والارتقاء بالظروف المحيطة بهم، لأنه معني بالإنسان حياة وصحة ورفاهية، وقد قالوا قديماً: «إن شاعر الحي لا يطربه»، وأنه «لا كرامة لنبي في وطنه»، وكلتا المقولتين تنطبق علي ما شعر به أحمد زويل في مصر، التي أنجبته وقدمته هدية للعالم المعاصر. دعونا نعترف - ليس من قبيل جلد الذات، ولكن رغبة في تصحيح المواقف - بأننا أعطينا أحمد زويل قيمته إعلامياً، ولكننا لم نستفد منه علمياً، رغم أن الرجل سعي إلي ذلك حثيثاً وحاوله جاداً، ولكننا لم نتمكن من توظيف علمه واستخدام مكانته لإقامة مركز علمي لبحوث التكنولوجيا المعاصرة، واكتفينا بالمناسبات الاحتفالية والأحاديث الصحفية، ولم ندرك أن أحمد زويل ظاهرة تستحق الإمساك بها والاعتزاز بوجودها، ووضع جميع إمكانات الوطن العلمية والبحثية في خدمته، خصوصاً أن جامعاتنا العريقة تضم حشداً ضخماً من العلماء، الذين لو تعاملوا مع العبقري المصري أحمد زويل لاستطعنا أن ندفع إلي الساحة العالمية، بعشرات الأسماء ممن يتجهون نحو «نوبل» العالمية، ويمضون علي خطي «زويل» العظيم. «توماس كليستل» بقلم د.مصطفى الفقي ١٣/ ١٢/ ٢٠٠٧ هو الرئيس السابق لدولة النمسا، وقد اشتغل بالسلك الدبلوماسي حتي وصل إلي أعلي درجاته، مندوبًا لبلاده لدي الأمم المتحدة، وكانت أول مرة رأيته فيها بعد وصولي إلي «فيينا» بعدة أيام عندما دعا الرئيس النمساوي الراحل إلي حضور قداس كبير في الكاتدرائية الكبري بالعاصمة النمساوية، حيث يسبق السفراء جميعًا سفير الكرسي البابوي، الذي هو عميد للسلك الدبلوماسي، بحكم وضعه كسفير لدولة «الفاتيكان» بغض النظر عن تاريخ وصوله، وموعد تقديم أوراق اعتماده، وهو تقليد متبع في عدد من الدول الكاثوليكية، ومنها «النمسا»: ولقد اكتشفت أن الاختلاف المذهبي داخل الديانة المسيحية قد يفوق أحيانًا الاختلاف بينها وبين الديانتين السماويتين الأخريين الإسلام واليهودية، فلقد شعرت بحماس من الحكومة النمساوية لإنشاء الأكاديمية الإسلامية التابعة «للأزهر الشريف»، والتي تشرفت بأن أكون مع الدكتور «محمود حمدي زقزوق» وزير الأوقاف، والدكتور «أحمد عمر هاشم» رئيس جامعة الأزهر ـ حينذاك ـ من مؤسسيها في منتصف التسعينيات من القرن العشرين، ولكن الذي أدهشني كثيرًا أنني عندما ذهبت إلي الخارجية النمساوية، طالبًا استضافة الأقباط المصريين، عند إقامة صلواتهم ومناسباتهم في إحدي الكنائس الكاثوليكية القديمة المغلقة منذ سنوات طويلة، والسماح بتحويلها إلي كنيسة قبطية أرثوذكسية بمقابل مادي مفتوح، فوجئت برفض السلطات النمساوية، بل استنكارها الطلب، وأحالوني إلي عمدة «فيينا» الذي أتاح للأشقاء الأقباط شراء قطعة أرض بنوا عليها كنيستهم، التي سعدنا بافتتاحها جميعًا، في حضور قداسة البابا «شنودة الثالث». أقول ذلك لأنني أريد أن أضع القارئ أمام شخصية الدولة التي جاء منها رئيسها السابق «توماس كليتسل» بعد رئيسها الأسبق «كورت فالدهايم» صاحب المحنة الشهيرة مع اليهود، والذي كتبنا عنه من قبل. ولعلي أذكر هنا أن «توماس كليستل» قد هجر زوجته الأولي، وأم أولاده، وتزوج بدبلوماسية نمساوية شابة تصغره بقرابة ثلاثين عامًا، حتي إن الوضع البروتوكولي للزوجة الأولي كان يمثل مشكلة في كل دولة زارتها بعد ذلك، حيث كان القصر الرئاسي النمساوي ينتقد أي حفاوة بها، رغم أنها أم أبناء رئيس الجمهورية، وعندما تمكنت من نقل السفارة المصرية والقسم القنصلي ومنزل السفير في «فيينا» إلي واحد من أعرق وأفخم قصور العاصمة النمساوية، وهو القصر الذي أمضي فيه «أدولف هتلر» ليلة زيارته لـ «فيينا» قبيل الحرب العالمية الثانية عندما خاطب سكانها من شرفة القصر الرئاسي «الهوفبورج» كان جاري المباشر هو رئيس الجمهورية «توماس كليستل»، وعندما كنت أتمشي مع زوجتي أمام منزلنا - إذا سمح الطقس بذلك - كنا نلتقي كثيرًا الرئيس النمساوي، وقرينته الشابة، وكان «كليستل» يبادرني دائمًا بقوله مازحًا، هل يمكن أن نتبادل المباني بين منزل رئيس الجمهورية ومقر السفير المصري؟، تعبيرًا عن إعجابه بما تحقق للوجود المصري في العاصمة النمساوية من صرح كبير تتوسطه «مسلة» فرعونية ضخمة من جرانيت «أسوان»، وهو أمر سوف يبقي شاهدًا علي مكانة مصر في دولة «موزارت» و«فاجنر» و«بيتهوفن» (ألماني الأصل) وغيرهم من أساطين الموسيقي الكلاسيكية. ولقد أسرني كثيرًا الرئيس النمساوي الراحل «توماس كليستل» بمبادرته في الأسبوع الأخير من خدمتي في «فيينا» عندما أوعز إلي مدير مكتبه ليتصل بي قائلاً: «إن رئيس الجمهورية يريد أن يستقبلك قبل مغادرتك البلاد، ولكن ذلك تقليد غير متبع في (النمسا) وإذا حدث فسوف يطلب جميع السفراء المغادرين المعاملة نفسها، لذلك فإن الرئيس قد حدد لك موعدًا لزيارة مدير مكتبه - وهو سفير قديم من الخارجية النمساوية - وسوف يدلف الرئيس من مكتبه إلي الحجرة المجاورة ليتناول معك فنجان شاي تحية لبلادك ولك». وكان الرئيس رقيقًا معي للغاية حتي استمر لقاؤنا أكثر من نصف ساعة، قدم لي فيها هدية رمزية منه مع صورة له موقعة بإمضائه، وودعني بنفسه حتي حجرة مدير مكتبه. ولقد حزنت كثيرًا عندما رحل هذا الرجل عن عالمنا منذ سنوات قليلة حيث دخل في غيبوبة مرضية طويلة وتردد وقتها أن زوجته الشابة قد طلبت رفع أجهزة التنفس الصناعي عنه قبل انتهاء ولايته الرئاسية بيوم واحد، حتي يموت وهو رئيس الدولة، فتنعم هي بمعاش الرئاسة كاملاً! وقد تكون هذه الرواية مغرضة، ولكن المؤكد أن الرجل كان معتزًا ببلادي، كريمًا معي، ودودًا في كل لقاء.[/align] |
رد: الدكتور مصطفى الفقى وهؤلاء
[align=center]محمود فوزي»
بقلم د. مصطفي الفقي ٦/ ١٢/ ٢٠٠٧ ترتبط الدبلوماسية المصرية الحديثة بأسماء متعددة لروادها الأوائل من أمثال الباشوات القدامي: «حسن نشأت» و«حافظ عفيفي» و«محمود فخري» و«عبدالفتاح عمرو» و«محمد صلاح الدين»، ثم مرحلة الدكتور «أحمد حسين» و«محمود حسن» و«عوض القوني» و«محمود فوزي»، ولكن يظل الأخير هو أكثرهم شهرة، وأعلاهم مكانة في تاريخ السلك الدبلوماسي المصري، ذلك أن الرجل - الذي خدم في «اليابان» في مطلع حياته، ثم في أروقة الأمم المتحدة منذ إنشائها - قد جاءت به ثورة يوليو وزيرًا للخارجية، بعد فترة قصيرة شغل فيها السفير «أحمد فراج طايع» ذلك المنصب بعد قيام الثورة مباشرة، وقد كان «طايع» قنصلاً عامًا لمصر في «تريستا» بإيطاليا، وهو ينتمي لواحدة من عائلات الصعيد العريقة، أما «محمود فوزي» فهو ابن «محافظة المنوفية» لواحد من أعيان الريف، يحمل لقب «الفقي»، رغم أنه لم يستخدمه طوال حياته، وفي ظني أن «فوزي» و«القوني» وبعدهما «محمود رياض» و«إسماعيل فهمي» و«عصمت عبدالمجيد» و«عمرو موسي» و«أسامة الباز» و«أشرف غربال» و«أحمد ماهر» و«نبيل العربي» و«عبدالرؤوف الريدي» و«أحمد صدقي» و«محمد شاكر» وغيرهم، وصولاً إلي جيل الوزير الحالي «أحمد أبوالغيط»، إنما يمثلون جميعًا الطبقة المتوسطة العليا في مصر وأبناء رجال الخدمة المدنية، وبعض رجال الدين، وأعيان الريف. نعود مرة أخري إلي الدكتور «محمود فوزي» الذي بدأ في السلك الدبلوماسي بدرجة «تلميذ قنصلي»، بعد تصريح «٢٨ فبراير ١٩٢٢»، وقيام السلك الدبلوماسي المصري المستقل، واكتساب مصر حق التمثيل الخارجي، بمقتضي ذلك التصريح ووفقًا لـ«دستور ١٩٢٣»، ولا شك أن «محمود فوزي» قد اكتسب قدرات كثيرة من المواقع التي شغلها طوال حياته الدبلوماسية الثرية، فكان معروفًا بإجادته اللغات الأجنبية، وفصاحته في اللغة العربية، وهدوئه الشديد، وميله للعزلة، والاستغراق في التأمل، فضلاً عن تذوقه للآداب والفنون، حتي إنه كان مغرمًا بتنسيق الزهور علي الطريقة اليابانية في مستهل حياته الدبلوماسية، كما كان واسع الثقافة، متذوقًا لاختلاف الشخصيات الحضارية في الأماكن التي عمل بها، ولكنني أسمح لنفسي بأن آخذ عليه - رغم كل احترامي له وتقديري لتاريخه - أنه كان سلبيا، إلي حد كبير، في تعامله مع الضباط الأحرار من شباب ثوار «٢٣ يوليو ١٩٥٢»، ربما لأنه اقتنع منذ البداية بأنهم سوف يفعلون ما يريدون، فآثر السلامة، واكتفي بالجانب المهني والحرفي في وظيفته، فهو المتحدث رفيع الشأن أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة بعد تأميم «قناة السويس»، ثم في أعقاب العدوان الثلاثي، وهو صاحب الخطوة الشهيرة في انتقاد شاه إيران السابق عندما كان الأخير داعمًا لإسرائيل، والتي قال فيها: (لقد شاه وجه الشاه وآن لشعب إيران أن يضحي بشاه)، فضلاً عن أن كفاءته الدبلوماسية لم تكن محل جدل، بل كانت دائمًا مثار احترام وتقدير، دوليا وإقليميا، ولكن الرجل في تعامله مع الرئيس الراحل «عبدالناصر» كان تنفيذيا تبريريا بالدرجة الأولي، وعندما استشاره «عبدالناصر» في إحدي الخطوات التي يزمع القيام بها، قال له أب الدبلوماسية المصرية «محمود فوزي»: (إن هذا الأمر - يا سيدي الرئيس - يحتاج إلي قرار مستمد من إلهام الزعامة، وليس مجرد رأي وزير الخارجية!) مع أن مهمة رئيس السلك الدبلوماسي هي مهمة سياسية بالدرجة الأولي، فهو المستشار الأول لرئيس الدولة في الشؤون الخارجية، وعندما يتعامل وزير الخارجية مع نظام عسكري، فإن مسؤوليته تكون مضاعفة، كما أن مهمته تبدو أحيانًا أكثر تعقيدًا، ولكن الفيصل دائمًا هو حسه الوطني وشعوره القومي. وأتذكر الآن اللقاء الوحيد الذي جمعني بالدكتور «محمود فوزي» عندما جاء للعلاج في لندن عام ١٩٧٥، وذهبت مع صديقي وزميلي في السفارة حينذاك السفير «أحمد والي» لزيارة جد ابنه في المستشفي، الذي كان يخضع فيه لعلاج جراحي بالعاصمة البريطانية، وقد جلسنا معه في حجرته لأكثر من ساعتين، قدمني في بدايتها السكرتير أول «أحمد والي» لصهره السابق نائب رئيس الجمهورية المصرية الدكتور «فوزي»، تقديمًا سخيا، وقال عني إنني قارئ جيد ومتابع دؤوب للشأنين الداخلي والخارجي، عندئذٍ تفتحت شهية الدبلوماسي الكبير للمناقشة - وكان في طور النقاهة من محنته الصحية- وقال لي ما هو تفسيرك أيها الدبلوماسي الشاب لما. (بدأ في لبنان من حرب أهلية مع بدايات التصدع في الجبهة العربية عمومًا؟)، عندئذٍ استجمعت شجاعتي، رغم ما كنت أشعر به من اضطراب، وأنا أجلس إلي أب الدبلوماسية المصرية، وتفتق ذهني يومها عن رد طويل، أشرت فيه إلي أن ما يجري في الساحة اللبنانية إنما هو محصلة للوضع العربي العام ونتيجة له. وأعترف بأن الرجل العظيم قد استمع إلي في صبر واهتمام شديدين، ثم فاجأني قائلاً: (مع تقديري لتحليلك يا بني إلا أنني أظن أن السبب غير ذلك)، فتطلعت إليه في شغف وتأدب شديدين، لكي أستمع منه إلي ما يراه تفسيرًا لما يجري في الوطن العربي حينذاك، فإذا به يقول إن السبب هو أننا قد حُسدنا بعد انتصار «أكتوبر ١٩٧٣»!، مضيفًا أنه يجب ألا ننسي أن الحسد مذكور في القرآن الكريم! عندئذٍ لا أعرف لماذا طافت بخاطري مقولة شهيرة لأحد الأئمة الأربعة عندما قال: (آن لـ«الشافعي» أن يمد رجليه). تلك هي المقابلة الوحيدة التي تشرفت فيها بالحديث إلي أسطورة الدبلوماسية المصرية، والتي لا تنتقص من مكانته الكبيرة وتاريخه الضخم وتأثيره المشهود علي الساحة الدبلوماسية في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، قبل أن يولّيه الرئيس الراحل «السادات» رئاسة أول حكومة في عهده، ويومها قال الدكتور «محمود فوزي» للإعلام: (إن المصريين يريدون أن يشعروا بأن أمورهم تؤخذ بجدية!).. رحم الله رائد الدبلوماسية المصرية، الذي يذكره الناس في كل مكان بالتوقير والاحترام والعرفان. محمد البرادعي بقلم د.مصطفى الفقى ٢٩/ ١١/ ٢٠٠٧ شنت «الدولة العبرية» هجوما مركزا علي المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية الدكتور «محمد البرادعي» وهي إذ تستهدفه في هذه المرحلة، إنما تقوم بدور أساسي في التمهيد للتداعيات المحتملة في المواجهة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، ولابد أن أسجل هنا أن «محمد البرادعي» في نظري هو نموذج فريد للإنسان الموضوعي الملتزم الذي تشرف به الوظيفة الدولية التي يشغلها، فهو إنسان صلب متجرد من التأثيرات الجانبية ويتمتع بدرجة عالية من شجاعة الرأي والصدق مع النفس والبعد عن الهوي، ولا غرو فهو ابن لشخصية وطنية مرموقة، فوالده- رحمه الله- نقيب سابق للمحامين في «العصر الناصري» معروف بمواقفه الجريئة ومبادئه الثابتة التي التزم بها في كل الظروف، ولقد ورث الابن عن أبيه الخلق الرفيع والعلم الغزير والتواضع الذي لا يخلو من مسحة حياء ونزعة كبرياء، وعندما عينت سفيرا لبلادي في العاصمة النمساوية ومندوبا مقيما لمصر لدي الوكالة الدولية للطاقة الذرية عام ١٩٩٥ سعيت إليه باعتباره مدير إدارة الشؤون القانونية، والعلاقات الخارجية في الوكالة، وكانت تربطني به من قبل صلات قديمة في فترة عمله دبلوماسيا مرموقا بمكتب السيد «إسماعيل فهمي» نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية في السبعينيات من القرن الماضي، فضلا عن لقاءات صيفية في قرية الدبلوماسيين الساحل الشمالي، ولقد لفت نظري عندما بدأت التعامل اليومي مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن ذلك المصري العظيم يحظي باحترام شديد لدي الدوائر المختلفة في الوكالة ووفود الدول فيها، كما أنني لاحظت أيضا أن الدكتور «هانز بليكس» المدير العام للوكالة حينذاك- وهو وزير سابق للخارجية في «السويد» وقد أمضي قرابة ستة عشر عاما كمدير للوكالة- يتعامل مع الدكتور «البرادعي» في ندية واحترام شديدين، وعندما قاربت مدة «بليكس» علي الانتهاء وبدأ الغرب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية التفكير في مدير عام من دول الجنوب اتجهت الأنظار نحو ابن مصر «محمد البرادعي»، وقد جرت في كواليس الدبلوماسية المصرية وقتها مناقشات أدت إلي ترشيح شخصية مصرية مرموقة أخري لها صلة وثيقة بقضايا الطاقة النووية علي المستوي الدولي، ولكن كان واضحا أن «الدكتور البرادعي» هو المطلوب لهذا الموقع شديد الحساسية في المجتمع الدولي المعاصر، وقد كان موقفي حرجا للغاية كمندوب لمصر في الوكالة حيث تعين علي الالتزام بتعليمات بلادي في ظل ذلك الوضع الصعب، إلي أن تقدم الدكتور «البرادعي» للمنصب مرشحا عن القارة الإفريقية كلها، ولم يكن هناك أمامي إلا أن أقرر أن مصر جزء من القارة الأفريقية تلتزم بما أجمعت عليه دولها، وقد تأثرت كثيرا بالروح القدرية التي تمتع بها الدكتور «البرادعي» وشخصيته «الصوفية» دون تمسك بالمنصب أو لهفة عليه أو إلحاح في الوصول إليه، وعندما جاء وقت التصويت حصل «البرادعي» علي أربعة وثلاثين صوتا من مجموع أعضاء مجلس محافظي الوكالة وعددهم خمس وثلاثون دولة حيث اكتفت «كوريا الجنوبية»- وقد كان لها مرشح منافس هو وزير البحث العلمي الأسبق في «سيول»- بالامتناع عن التصويت ولم تدعم مرشحها بالحد الأدني وهو تصويتها له، ويومها كان «ابن النيل» محط أنظار العالم كله وهو يتقدم نحو أكثر المناصب الدولية حساسية في العصر الحديث وهو منصب ظل يشغله علي امتداد السنوات العشر الماضية، وقد استطاع الدكتور «البرادعي» بحكمته وحصافته أن يرفع الحرج عن نفسه بحكم انتمائه للحضارة العربية الإسلامية التي ينظر إليها الغرب بكثير من الشك والحذر، ومازلت أتذكر، في اتصال هاتفي تشرفت به مع رأس الدولة المصرية بعد فوز الدكتور «البرادعي» بعدة أيام، أنني سمعت من الرئيس حماسا شديدا له وتقديرا لتاريخه واحتراما لكفاءته وعندما أبلغت ذلك للدكتور «البرادعي» بدا متأثرا بتكريم بلاده له وقد ازداد ذلك التكريم بعدما حصل مع «الوكالة» علي «جائزة نوبل» للسلام، وما أكثر لقاءاتي مع الدكتور «البرادعي» وأسرتينا علي مائدة الطعام في مطعم تركي كنا نفضله وسط العاصمة النمساوية خلال عطلة نهاية الأسبوع، وكثيرا ما تنقل الدكتور «البرادعي» بين العواصم النووية الساخنة شرقا وغربا بدءا من «بيونج يانج» وصولا إلي «القدس» مرورا «بطهران» وغيرها من مناطق التوتر النووي والنشاط الذري، ولست أنسي أبدا عندما زارني في مكتبي بالسفارة بعد انتخابه مديرا عاما للوكالة الدولية الذرية بأيام قليلة لكي يسلم لي جواز سفره الدبلوماسي المصري بعد أن أعطته «الوكالة» جواز سفر دولياً هو الأقوي من نوعه، ونحن لا ننسي موقفه قبل غزو العراق وبعده ولا نتجاهل شهادته العادلة تجاه البرنامج النووي الإيراني ولا ننسي لقاءه المهم مع «شارون» في العاصمة الإسرائيلية، وأتذكر أيضا كيف عرضت عليه بعد ذلك أرفع المناصب في بلاده فاعتذر شاكرا وآثر أن يواصل مهمته الصعبة في ظل الظروف الدولية الراهنة، إنه صديقي الذي أعتز به وبأسرته وأسعد بلقائه في كل زمان ومكان. [/align] |
رد: الدكتور مصطفى الفقى وهؤلاء
[align=center]صدام حسين
بقلم د.مصطفى الفقي ٢٢/ ١١/ ٢٠٠٧ لم تثر شخصية من الجدل - علي امتداد العالم كله في العقود الأخيرة - مثل شخصية «صدام حسين» فقد ملأ الدنيا وشغل الناس وسيطر لسنوات علي أحاديث البشر في أركان الدنيا الأربعة، وإذا كانت الأغلبية تري فيه دكتاتورًا دمويا وحاكمًا مستبدًا فإن ما عرفته عنه من قرب يضيف إلي ذلك انطباعات مختلفة وآراءً متباينة، فقد كان الرجل في اجتماعاته الرسمية وجلساته العادية ودودًا لطيفًا لايبدو فارغ العقل أو محدود المعرفة بل كان شأنه شأن معظم البعثيين الذين تربوا في مدرسة الجدل السياسي وارتبطوا بالفكر القومي، ومازلت أذكر في أحد الاجتماعات الرسمية بين الوفدين المصري والعراقي في أحد قصور «صدام» ببغداد أن وجدناه يقف فجأة ليحرك ستارة النافذة قائلاً (إن أشعة الشمس مركزة علي مقعد الدكتور «أسامة الباز») فعل ذلك في بساطة أمام ضيوفه ومعاونيه، كما رأيته أيضًا يقف وفي يديه عباءة عراقية يضعها علي أكتاف الرئيس «مبارك» في ود ومحبة شديدين ولا عجب فلقد كانت مصر والمصريون إحدي نقاط ضعف الرئيس المشنوق «صدام حسين» ففيها عاش بعض سنوات حياته وارتبط بشوارع «الدقي» ومقاهي «القاهرة» وظل حتي نهاية عمره يحمل لها أجمل الذكريات وقد انعكس ذلك بشكل ملموس في معاملته لمعظم المصريين المقيمين في العراق أثناء سنوات حكمه، ومازلت أتذكر ما جري لي ذات يوم في «بغداد» ونحن نجلس علي مائدة الطعام المشترك للوفدين الرئاسيين المصري والعراقي حيث كان مقعدي علي طرف المائدة المستطيلة كأصغر عضو في الوفد المصري فإذا بالرئيس «مبارك» - وهو معروف بتواضعه وبساطته ومداعبته لمساعديه ورفاق العمل معه - ينظر إلي ويقول ( هل أكلت بطيخ أم لا؟) فلقد كان يعرف شيئًا عن غرامي بتلك الفاكهة الشعبية وعندما سمعه الرئيس «صدام» يقول ذلك وقف يحمل الطبق الكبير بالبطيخ مناديا بعض الخدم قرب المائدة قائلاً (إن الدكتور «مصطفي» يبغي البطيخ)، وعندما وقف الرئيس الراحل «صدام» وقف الوفد العراقي كله معه وشعرت بحرج شديد بينما الرئيس «مبارك» يبتسم مما جري هو وأعضاء الوفد المصري وأنا أتمتم بعبارات الشكر والثناء وأريد لهذا الموقف أن ينتهي في أسرع وقت، وفي ظني أنه لا يمكن أن تصدر مثل هذه التصرفات إلا عن شخص لديه حس إنساني وشهامة وكرم شديد وكثيرًا ما سألت نفسي كيف يكون ذلك الرجل هو ذاته الذي يشرف علي وجبات الإعدام وحفلات الموت، ويقتل بمسدسه الشخصي أحيانًا! ولكن يبدو أن كثيرًا من الطغاة لم يكونوا رجال عنف واستبداد فقط ولكن كانت لديهم بضاعة أخري في أوقات مختلفة منها الفكر العميق والقدرة علي الجدل وسبر أغوار الناس، وربما كان الرئيس الراحل هو واحد من ذلك الطراز حيث كان ضعيفًا أمام بعض أصدقائه القدامي ورقيقًا مع المرأة ومعتزًا بذاته إلي أبعد الحدود، أما عن تقديره لمصر ووعيه بمكانتها فإنني أظنه أكثر حكام العراق الحديث في هذا الشأن باستثناء حكم عائلة «عارف» - الراحلان «عبد السلام» و«عبد الرحمن» - وهما يحسبان علي زعامة «عبد الناصر» القائد العربي أكثر من ارتباطهما بمصر الدولة والشعب وفي هذا السياق فإن «صدام حسين» يعتبر شيئًا مختلفًا، ومازلت أتذكر أن الدكتور «أسامة الباز» قد ذهب يومًا من القاهرة إلي بغداد حاملاً رسالة شفهية من الرئيس «مبارك» إلي الرئيس «صدام حسين» قبيل زيارة محددة للرئيس المصري إلي «باريس» حيث يتمتع بدلال شديد علي رؤسائها خصوصًا «ميتران» ومن بعده «شيراك» وقد كانت زيارة المبعوث المصري إلي الرئيس العراقي في أوج اشتعال الحرب العراقية الإيرانية وقد فوجئ الدكتور «الباز» بالرئيس العراقي ينتحي به جانبًا عند مدخل حديقة القصر ويطلب منه أن يتكرم الرئيس «مبارك» بالحديث مع صديقه الرئيس «ميتران» للإفراج عن صفقة أسلحة فرنسية مشتراة من العراق فأبدي الدكتور «الباز» دهشته قائلاً للرئيس العراقي (إن معلوماتنا يا فخامة الرئيس أن علاقتكم وثيقة للغاية بفرنسا خصوصًا من الناحيتين الاقتصادية والعسكرية)، فرد عليه الرئيس «صدام» بأن (ذلك قد يكون صحيحًا ولكنهم هناك في باريس لايثقون فينا كثيرًا، وينظرون إلينا أحيانًا باعتبارنا قبائل ترفع علمًا وتختار رئيسًا، أما نظرتهم لمصر فهي مختلفة إذ إن مصداقية الكنانة لديهم ولدي غيرهم تفوق ما عداها لذلك فإنني أريد أن يكون الرئيس «مبارك» - بثقل مصر ومكانته الشخصية - وسيطًا لنا في هذا الأمر)، هكذا كان ينظر «صدام حسين» إلي مصر شعبًا وحكومة وقائدًا ورغم ذلك لم يستمع إلي نصائح الرئيس «مبارك» الشفهية والمكتوبة بعد غزوه للكويت، وأنا شخصيا شاهد علي عشرات الرسائل المكتوبة من «مبارك» إلي «صدام» والتي حمل بعضها سفير العراق في القاهرة حينذاك الصديق «نبيل نجم» ولو أن «صدام» أخذ بنصيحة «مبارك» لتجنب العراق وربما المنطقة كلها جزءًا مما نعانيه الآن، وسوف يظل مشهد إعدام هذا الرجل فجر يوم عيد الأضحي مأساة إنسانية مروعة ظهرت فيها شجاعة إنسان صلب أمام جلاديه وبرزت قوة أعصابه علي نحو غير مسبوق، ثم يبقي بعد ذلك حسابه في النهاية بما له وما عليه عند خالقه وحده، فهو الآن في رحاب الله. البابا شنودة الثالث بقلم مصطفى الفقى ١٥/ ١١/ ٢٠٠٧ إذا كان تاريخ الكنيسة القبطية يتحدث عن البابا «كيرلس الرابع» باعتباره «أب الإصلاح»، فإن تاريخ الكنيسة القبطية سوف يتحدث قطعًا عن البابا «شنودة الثالث» باعتباره «أب الهوية الوطنية الحديثة للأقباط». وفي ظني أن ذلك الحبر الجليل قد دخل بوابة التاريخ من الزاوية الوطنية وليس فقط الزاوية الدينية. فالرجل مُسيس حتي النخاع وهو ضابط سابق بالقوات المسلحة، وصحفي وشاعر عرف جوانب الحياة المصرية قبل أن يدخل سلك الرهبنة ويعلو فيه حتي أصبح أسقف التعليم والمشرف علي «مدارس الأحد»، في ظل قداسة البابا الناسك العابد الزاهد «كيرلس السادس» الذي رحل عن عالمنا بعد رحيل الرئيس «عبد الناصر» بشهور قليلة فاقترنت رئاسة الرئيس «السادات» للدولة المصرية برئاسة البابا «شنودة الثالث» للكنيسة القبطية، بعد انتهاء عصر «عبد الناصر - كيرلس» الذي اتسم بالهدوء الكنسي حيث تراجعت الأحداث الطائفية، إذ إن عصر «عبد الناصر» رغم ضعف المؤسسات الديمقراطية فيه وأحادية التنظيم الشعبي وظهور فلسفة الاستفتاءات الموسمية بديلاً للانتخابات العامة فإن توجهاته الوطنية العلمانية قد اكتسحت أمامها رواسب التعصب الديني والمخاوف الطائفية. ويرجع الفضل إلي البابا «شنودة الثالث» في دفع الأقباط إلي الساحة القومية بشكل غير مسبوق حتي إن الجماهير العربية تلقبه «بطريرك العرب» بمساندته القوية للقضية الفلسطينية، لذلك كان الرئيس الراحل «ياسر عرفات» حريصًا علي زيارة البابا كلما سنحت له الفرصة أثناء وجوده بالقاهرة، ويكفي أن نتذكر أن قراره بمنع زيارة الأقباط للقدس إلا مع إخوانهم المسلمين بعد التسوية العادلة للقضية الفلسطينية إنما هو قرار - مهما اختلفت الآراء في تقييمه - يصب في خانة التوجه القومي لبابا الكنيسة القبطية الأرثوذكسية. ولقد ربطتني بقداسته علاقة قوية بدأت منذ عملي السابق في المؤسسة السيادية الأولي حيث كنت مبعوثًا إلي قداسته في كثير من المناسبات والأزمات، وامتدت مهمتي تلك في ظروف تالية لخروجي من تلك المؤسسة بحكم قربي من الكنيسة القبطية نتيجة تخصصي الدراسي في شؤونها من جامعة «لندن» منذ قرابة أربعين عامًا، وأتذكر أنني أوفدت ذات مرة إلي قداسة البابا طالبًا تزكيته لمن يري من الشخصيات القبطية للتعيين في «مجلس الشوري» - وكان ذلك في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي - ففوجئت به يملي علي أسماء لبعض المسلمين يتقدمهم الراحل الدكتور «فرج علي فودة» قائلاً ليس يعنيني من هو المعين بدينه ولكن ما يهمني هو إيمانه بالوحدة الوطنية ونبذه التطرف ودعوته للمحبة والتسامح. وفي مرة أخري حدثني قداسته عن شؤون الأقباط في وعي وطني كامل، بل إنني حضرته مرة وهو يسجل شرائط لإرسالها إلي أقباط المهجر يدعوهم فيها إلي الاعتدال والتوقف عن مهاجمة وطنهم وضرورة فهم ظروفه وعدم الانسياق وراء الشائعات الكاذبة والمعلومات المغلوطة. ولقد وصلت محبة هذا الرجل العظيم لدرجة أنه حكي لي تفاصيل خلافه مع الرئيس الراحل «السادات» دون مرارة أو حقد، فمثله لا يعرف مشاعر البغضاء، بل تفضل وشرح لي أيضًا أسباب خلافه مع الأنبا «متي المسكين» في موضوعية واحترام، ويكفي أن أقول هنا إنه قد بلغ من احترام دولة مثل المملكة العربية السعودية له درجة إلحاح الأمير «سلمان بن عبد العزيز» علي أن يكون البابا «شنودة الثالث» موجودًا في حفل افتتاح معرض «الرياض اليوم» الذي أقيم في «القاهرة» منتصف الثمانينيات من القرن العشرين، رغم القطيعة الدبلوماسية بين «القاهرة» والعواصم العربية. وأشهد أن «الرئيس مبارك» رحب يومها بتلك الدعوة واستجاب للمطلب السعودي لكي يكون البابا «شنودة» في مقدمة الحاضرين بعد فترة وجيزة من عودته من منفاه الاختياري في خلوته الروحية بالدير في أعقاب أزمته الشهيرة مع الرئيس الراحل «أنور السادات»، الذي كان هو الآخر خريج مدارس الأقباط بشهادته في أكثر من مناسبة. كما أن علاقة «البابا شنودة» بالدولة الشقيقة «الجماهيرية الليبية» قد انتقلت مائة وثمانين درجة من التحفظ والفتور إلي درجة منح البابا جائزة «القذافي» منذ سنوات قليلة وذلك بفضل حكمته وحصافته وذكائه السياسي وتوهجه الفكري. ويملك «البابا شنودة» روحًا ساخرة فقد كنت أحدثه ذات مرة عن دول الجوار فقال لي «إن هناك الجار وهناك أيضًا من استجار!» وهو يستخدم تعبيرًا آخر يقول لقد تحدثت مع شخص ما «فماً لأذن» تدليلاً علي المباشرة والوضوح، وهو صاحب الدعابة الشهيرة حول تنظيم «التكفير والهجرة» عندما اعتبر ذلك دافعًا لغيرهم في «التفكير في الهجرة». أما عن وطنيته الأصيلة فتكفيه عبارته الشهيرة «إن مصر ليست وطنًا نعيش فيه ولكنها وطن يعيش فينا». أما عن ثقافته الإسلامية فهي مصدر دهشتي فقد كان ينادي سكرتيره أثناء جلوسنا ويطلب منه أحد كتب التراث ليستخرج من صفحاته إشارة إلي آيات قرآنية بعينها أو وقائع محددة جرت في التاريخ الإسلامي، وأنا أظن مخلصًا أن «البابا شنودة» قد حمي مصر من كثير من الأزمات الطائفية وكبح جماح الانفعالات الدينية، ولقد تعاملت معه خلال كل أزمات الكنيسة ووجدته حزينًا ولكن في هدوء، متأثرًا ولكن في إطار الوطنية المصرية، لذلك لم يكن غريبًا أن امتدت شعبيته بين الأقباط والمسلمين علي حد سواء، ويكفي أن يتذكر بعض الأقباط الذين يصفونه بالتشدد والصرامة، وأنه هو ذلك البابا الذي تشكلت في عهده الطويل الشخصية القبطية المعاصرة في العالم، فقد جلس علي الكرسي البابوي وللأقباط بضع كنائس في الخارج والآن يتجاوز عددها العشرات في الدولة الأجنبية الواحدة، بل إن دول الخليج العربي الإسلامي استقبلت الكنيسة القبطية في عهده كما لم يحدث من قبل، وهو البابا الذي التقي به رؤساء الدول في كل مكان حل به ولقد شهدت بعيني وأنا أستقبله في مطار «فيينا» كيف كان «رئيس جمهورية المجر» ينتظره علي الحدود النمساوية المجرية لأن البابا المصري كان هو ضيف الشرف في الاحتفال بألفية أقدم دير في الدولة المجرية، ولا عجب فمصر هي التي اكتشفت الرهبنة وعرفت التوحيد واحتضنت ديانات السماء، فتحية لقداسة «البابا شنودة» المواطن المصري «نظير جيد» قدر ما قدم لأمته ووطنه وطائفته من أعمال جليلة سوف تبقي دائمًا في ضمير التاريخ المعاصر للكنيسة القبطية المصرية.[/align] |
رد: الدكتور مصطفى الفقى وهؤلاء
[align=center]أحمد خليفة السويدي
بقلم د.مصطفى الفقي ٨/ ١١/ ٢٠٠٧ هو زميل دراستي الجامعية قضينا معًا سنوات الجامعة في ستينيات «القاهرة» عندما كانت جيوبنا خاوية ولكن هامتنا عالية! إنها تلك السنوات الحالمة من رومانسية الثورة وزعامة «عبد الناصر» الكاسحة، سنوات المد القومي والمجد العربي وذروة الدور المصري في المنطقة، في تلك السنوات تخرجنا - قبل النكسة بعام واحد - وعاد «أحمد خليفة السويدي» الذي كان يدرس علي نفقة مكتب «قطر» في «القاهرة» لأن عائلته تركت مدينة «العين» إلي «قطر» بسبب تخلف الشيخ «شخبوط» وسوء إدارته لإمارة «أبو ظبي» الصغيرة والفقيرة نسبيا حينذاك، وارتبطت عودته بوصول «الشيخ زايد آل نهيان» إلي حكم الإمارة بديلاً لشقيقه، فكان مجيئه إيذانًا بميلاد الدولة الحديثة وامتداد حركة الإعمار في تلك المنطقة من الخليج العربي، وقد تولي «أحمد خليفة السويدي» رئاسة الديوان الأميري «للشيخ زايد» فور عودته ثم أصبح أول وزير لخارجية دولة الإمارات المتحدة وهو يعتبر بحق أحد مهندسي هذا الاتحاد وأبرز مستشاري «الشيخ زايد» طوال سنوات حكمه، وما أكثر الأوقات التي قضيناها في منزل «أحمد خليفة السويدي» في العمارة رقم ٧ بشارع التحرير بالدقي وكان معه زميلاه «راشد بن عبد الله» الذي أصبح وزيرًا لخارجية الإمارات أيضًا وكذلك «علي مفتاح» الذي أصبح سفيرًا لقطر في السودان، وكان حديثنا في تلك السنوات يدور حول هموم الأمة العربية والمواجهة الحادة بين «عبد الناصر» والغرب وحيث إنني كنت رئيسًا لاتحاد طلاب كلية الاقتصاد والعلوم السياسية فإن الطلاب العرب كانوا دائمًا علي مقربة مني حتي إنني اتهمت رسميا بقيادة تنظيم طلابي قومي في الجامعة مما أدي إلي طردي من التنظيم الطليعي للاتحاد الاشتراكي العربي في ديسمبر ١٩٦٦، ولقد استراح «أحمد خليفة السويدي» كثيرًا في التعامل معي والتقي الحس القومي لدينا بشكل كبير ثم انصرفت بنا السبل بعد سنوات التخرج إلي أن بدأت ألتقيه بانتظام في العاصمة البريطانية - في مستهل حياتي الدبلوماسية - كلما حل بها في زيارات منتظمة في وقت كان يجري فيه دعم الكيان الاتحادي الوليد لدولة الإمارات، وأذكر عندما حصلت علي الدكتوراه من جامعة لندن عام ١٩٧٧ أن جاءني الصديق «أحمد خليفة السويدي» مهنئًا وعرض علي مباشرة العمل في دولة الإمارات مستشارًا سياسيا للشؤون العربية وأبدي دهشة شديدة لاعتذاري خصوصًا عندما إن ما يربطني بتلك الدولة الشقيقة هو صداقتي معه وإذا عملت لديهم فإن الصداقة الخالصة سوف تتحول إلي تبعية وظيفية لا أقدر عليها، ومرت السنوات وعملت في مؤسسة الرئاسة المصرية وكلما جاء «الشيخ زايد» إلي مصر وبرفقته السيد «أحمد السويدي» وأيضاً كلما ذهبنا في زيارة رسمية إلي دولة الإمارات كان تكريمه لي زائداً وظاهراً وراقياً وظل «أحمد السويدي» يعمل بجد ووعي لخدمة بلاده حتني إنني أعتقد أن جزءاً كبيراً من التوجهات القومية «للشيخ زايد» -رحمه الله- والارتباط الشديد بمصر قيادة وشعباً كانا نتاجاً لفكر «أحمد السويدي» ووعيه وحبه للكنانة التي كان مغرماً بزرعها الأخضر ملبياً لدعوات زملائه لزيارة قراهم أثناء الدراسة الجامعية حباً في الريف المصري وتعلقاً بالفلاح البسيط في الدلتا والوادي، وسوف نظل نذكر «لأحمد خليفة السويدي» هذا الدور الوطني والقومي الذي لا تنساه له مصر ولا العرب أيضاً عندما أوفدته «قمة بغداد» ضمن وفد رفيع للقاء الرئيس «السادات» بعد توقيع «اتفاقية السلام» المصرية - الإسرائيلية وقد رفض الرئيس «السادات» استقبال ذلك الوفد بسبب ملابسات تلك الأيام الصعبة ولكنه استثني «أحمد السويدي» من انتقاده وذكره بكلمات طيبة تعكس اعتراف «القاهرة» بدوره وتقدر ظروفه، ولقد دعاني الصديق «أحمد خليفة السويدي» عام ٢٠٠١ لإلقاء محاضرة تذكارية في المجمع الثقافي «لأبي ظبي» الذي كان رئيساً له عندما طلق عالم السياسة في السنوات الأخيرة لحياة «الشيخ زايد» واقتصر دوره علي النشاط الثقافي الذي حرص عليه دائماً واعتز به في كل مراحل حياته، ولقد كنت منذ أيام في زيارة قصيرة لمدينة «دبي» مشاركاً في المؤتمر الأول للمعرفة الذي دعتني إليه «مؤسسة الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم» نائب رئيس الدولة حاكم دبي، وسألت هناك عن صديق عمري الأستاذ «أحمد خليفة السويدي» فقيل لي إنه قد اعتزل الناس إلي حد كبير بعد وفاة «الشيخ زايد» وانصرف إلي القراءة المكثفة مع شيء من التصوف، وقد جاءني صوته عبر الهاتف محيياً ومرحباً وداعياً لي بالذهاب إليه في «أبوظبي» للقاء نتطلع إليه معاً نقلب في أمور الدنيا وأحوال الأمة وشؤون العرب، ولكن ذلك لم يتيسر لي بسبب ارتباطي بالعودة سريعاً إلي الوطن. .. إنها صفحات ناصعة لصداقة طويلة تربطني «بأحمد خليفة السويدي» علي امتداد خمسة وأربعين عاماً وهي علاقة يعتز بها كل من اقترب منه أو تعامل معه فهو نموذج رائع للعربي الواعي والإنسان الصادق الذي جمع بين البساطة والتواضع ودماثة الخلق في قت واحد. عبد الله بن عبد العزيز بقلم د. مصطفي الفقي ١/ ١١/ ٢٠٠٧ عُدت في إجازة طارئة من «فيينا» حيث كُنت سفيراً لمصر في النمسا والمنظمات الدولية وكان ذلك عام ١٩٩٧ لزيارة والدتي ـ رحمها الله ـ في أيامها الأخيرة وأثناء وجودي في القاهرة تلقيت اتصالاً هاتفياً من الشيخ «عبد العزيز التويجري» ـ طيب الله ثراه ـ وهو شخصية فذة بكل المقاييس، فقد علم نفسه بنفسه في بادية الجزيرة العربية، وبلغ مستوي ثقافياً رفيعاً بجهده الذاتي، وأعجب بـ«عبد الناصر» في فترة من حياته وهو السعودي المتفتح تجاه الحركة القومية وارتبط بالأمير «عبد الله بن عبد العزيز» رئيس الحرس الوطني السعودي وأصبح نائباً له وقريباً منه، وأصدر عدداً من الكتب المتميزة أشهرها كتابه عن سيرة الملك «عبد العزيز آل سعود» موحد الجزيرة العربية، والذي كتب مُقدمته الأستاذ الكبير «محمد حسنين هيكل»، ولقد تعرفت بالشيخ «عبد العزيز التويجري» وامتدت علاقتي به لسنوات طويلة كنت ألتقيه في القاهرة أو لندن، والفضل في تعرفي عليه يرجع إلي صديقي الكاتب الكبير «محمود السعدني» الذي قدمني له في مطلع الثمانينيات من القرن الماضي، ولقد كان «التويجري» مستودعاً للذكريات السياسية والثقافية، وربطته بمصر دائما علاقات وثيقة وكان له فيها أصدقاء من بينهم الأستاذ «محمود السعدني» والدكتور «محمود شريف» الوزير الأسبق، ولقد كانت علاقته بخادم الحرمين الحالي الملك «عبد الله بن عبد العزيز» شديدة الارتباط منذ سنوات طويلة عندما كان الملك أميراً، ولقد اصطفي ذلك الأمير القوي الشيخ «عبد العزيز التويجري» صديقاً وخليلاً ومستشاراً.. وكان الرجل يستحق هذه الثقة بكل المقاييس، أقول ذلك لكي أستطرد، متذكراً أن الشيخ «التويجري» اتصل بي من القصر الجمهوري بالقبة في ذلك اليوم من ربيع ١٩٩٧ حيث كان ينزل الأمير «عبد الله بن عبد العزيز» ومعه ثلاثة من أبرز أصحاب السمو الملكي أبناء «عبد العزيز الكبير»، وكانوا قد وفدوا إلي مصر في زيارة لعدة أيام ترضية للرئيس «مبارك» عن خطأٍ وقعت فيه صحيفة سعودية، رأوا هم فيه مساساً بنجلي الرئيس المصري، الذي يقدرونه كثيراً، وقد قال لي الشيخ «التويجري» في الهاتف إن صاحب السمو الملكي الأمير «عبد الله بن عبد العزيز» يريد أن يستقبلك مساء اليوم في قصر القبة مع المفكر الكبير «لطفي الخولي» ـ رحمه الله ـ والكاتب الصديق «محمود السعدني»، وبالفعل دخل ثلاثتنا علي الأمير وإخوانه وبدأ الأستاذ «لطفي الخولي» يتحدث في حماس شديد عن جماعة «كوبنهاجن للسلام» وحكي «السعدني» بعض الملاحظات الطريفة عن الشخصية العربية، ثم اتجه الأمير ببصره نحوي وقال إني أريد أن أسمع منك أنت تصورك لما يمكن أن يضمن استمرار متانة العلاقات بين البلدين الشقيقين دون السقوط في مستنقع التراشق الإعلامي مثلما يحدث أحياناً في محاولة لتسميم العلاقة بين الشعبين المصري والسعودي، فقلت له يا صاحب السمو .. بداية ليس لي في هذا اللقاء صفة رسمية فأنا مجرد سفير لمصر في أحد العواصم الأوروبية، فقال إنني أعرف ذلك ولكنني دعوتك كمثقف مصري نُريد أن نستمع إلي رأيه، فاستطردت شارحاً وجهة نظري في ذلك الأمر حتي استقر رأينا جميعاً علي ضرورة تشكيل مجموعة عمل من عدد من الكتاب والصحفيين المصريين والسعوديين، لوضع ضمانات تحول دون تكرار الحملات الإعلامية المفتعلة بين البلدين، وأذكر أن خادم الحرمين الشريفين الملك «عبد الله بن عبد العزيز» ـ ولي العهد حينذاك ـ قد ذكر الرئيس «مبارك» أمامنا بعبارات شديدة الود وحيا عروبته بشكل خاص، وقال إنه يمضي وإخوانه عدة أيام «بالقاهرة» في حب الرئيس المصري وتحية لشعبه الشقيق، وكان متجها في ذلك المساء إلي دار الأوبرا المصرية لحضور عرض فني علي شرفه مع الرئيس مبارك، وعند خروجي من قصر القبة طلبت من أمين الرئاسة الأستاذ «حامد عبد الرازق» إبلاغ مكتب الرئيس بزيارتي للأمير، ويبدو أنه لم يكن بحاجة إلي هذا الطلب! وكانت المناسبة الثانية التي التقيت فيها العاهل السعودي عندما اصطحبني الأستاذ «عمرو موسي» وزير الخارجية حينذاك وكنت مساعده لشؤون الشرق الأوسط للقاء الأمير «عبد اللهَ» القائم بأعمال الملك «فهد» ـ رحمه الله ـ أثناء أزمته الصحية واكتشفت أن «عبد الله بن عبد العزيز» عروبي حتي النخاع، بدوي الطباع، لا يعرف الالتواء في الحديث ويتميز بالصراحة غير المعهودة في ملوك هذا الزمان، كما أنه رجل شديد البأس قوي الشكيمة يرتبط تاريخياً بمنطقة الشام الكبير حيث جاءت من إحدي القبائل العريقة للبادية العربية المتاخمة له والدته ثم زوجته أيضاً بعد ذلك، وله نظرة إكبار لمصر هي امتداد لوصية «عبد العزيز الكبير» لأبنائه وهو في مرض الموت عندما دعاهم إلي الحرص الخاص علي العلاقات الوثيقة مع الشعب المصري، ويهمني هنا أن أسجل عن ذلك الرجل الذي رأيته عن قرب مرتين أنه كان شديد التقدير لمستشاره الشيخ «عبد العزيز التويجري» حتي أنني أذكر أنه كان يطلب أن يحضر الشيخ لقاءاته الثنائية مع الملوك والرؤساء تقديراً له واحتراماً لفكره، كما يهمني أن أسجل أن العلاقات المصرية السعودية تتأثر أحياناً ببعض الأحداث الفردية علي نحو ينال من متانتها ويؤثر في صفائها، وإذا كانت الظروف قد أتاحت لي أن أجلس مع العاهل السعودي مرتين إلا أنها حرمتني من فرصة لقاء أكثر ملوك العرش السعودي خبرة وحنكة ومعرفة بالعالم الخارجي وأعني به الملك الراحل «فيصل بن عبد العزيز» الذي اغتيل غدراً عام ١٩٧٥ ولم ينل حقه من التكريم العربي لدوره المشهود في «حرب ١٩٧٣» ومعركة حظر البترول الفاصلة في أعقاب تلك الحرب الظافرة والتي كانت نقطة تحول في مسار الاقتصاد العالمي كله، تلك بعض الخواطر أردت أن أسجلها حول من رأيت «عن قرب» في أمانة ودقة وموضوعية.[/align] |
رد: الدكتور مصطفى الفقى وهؤلاء
[align=center]«خالد محيي الدين»
بقلم د.مصطفى الفقي ٢٥/ ١٠/ ٢٠٠٧ قد يذكر التاريخ المعاصر أن «خالد محيي الدين» هو أبرز الشخصيات السياسية المصرية، علي امتداد الفترة منذ عام ١٩٥٢ حتي الآن، ولا يقاس الأمر هنا بالمناصب الرسمية أو المواقع السيادية، ولكن الفيصل هو تواصل العطاء لمصر والإخلاص للوطن الغالي. «وخالد محيي الدين» نموذج فريد لا نكاد نجد له نظيراً في تاريخنا الحديث، وعلي الرغم من أن الرجل يحمل «ميدالية لينين الكبري» من قيادة الاتحاد السوفيتي السابق «والميدالية التذكارية لثورة ١٩٥٢» في عيدها الخمسين من الرئيس «مبارك» فإن مجلس قيادة الثورة، عندما منح كل أعضائه «قلادة النيل»، حرم ذلك الفارس النبيل «خالد محيي الدين» منها، وكأنما أخذ الرجل علي نفسه عهداً من ذلك الحين بألا يحضر مناسبات رسمية أبداً حتي لا يشعر، من خلال الترتيب «البروتوكولي»، بالظلم الذي وقع عليه، وهو واحد من أبرز قادة تنظيم الضباط الأحرار، ومن أشجع ثوار «٢٣ يوليو» وأكثرهم ثقافة وإيماناً بالحرية ودفاعاً عنها، ورغم انتمائه العقائدي المعروف لليسار المصري فإنه وظف ذلك لخدمة الوطنية المصرية قبل أي اعتبار آخر. ولقد جمعتني بهذا الرجل العظيم فترة عضويته للجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشعب المصري منذ عام ٢٠٠٠ حتي عام ٢٠٠٥، حيث ترأسها في العام الأول الراحل «ماهر أباظة»، ثم انتُخبت بعده رئيساً لها، ولن أنسي حرص السيد «خالد محيي الدين»، بتاريخه الطويل واسمه الكبير وماضيه المشرف، علي حضور جلسات اللجنة في مواظبة شديدة والتزام واضح، وهو في ثمانينيات العمر، وهو أيضاً ذلك الثائر الذي قرر مجلس قيادة الثورة تعيينه رئيساً للوزراء، لامتصاص ثورة ضباط سلاح الفرسان، في وقت كنت أنا ومعظم زملائي في اللجنة لانزال نرتدي «الشورت» أطفالاً ونلهو في فناء المدرسة الابتدائية! وقد كان حضور الرجل دائماً مؤثراً وفعالاً، فهو يشارك في الرأي ويبدي الملاحظات في لغة واضحة وسهلة مع عفة في اللسان وعمق في التفكير وسلام شديد مع النفس دون مرارة تنغص عليه حياته، بسبب الثمن الذي دفعه، في شجاعة وتجرد، من أجل الديمقراطية فيما سُمي «أزمة مارس ١٩٥٤» وما بعدها، حيث فرض عليه رفاقه النفي في «سويسرا» ليبتعد بشعبيته داخل الجيش عن الساحة كلها، لأنه كان يحظي باحترام وحب شديدين بين الضباط من مختلف الرتب. وعندما قرر الدكتور «أحمد فتحي سرور»، رئيس مجلس الشعب، تشكيل وفد كبير لزيارة رسمية للبرلمان الأوروبي كان من أعضائه السادة «خالد محيي الدين»، «ومنير فخري عبدالنور»، «ومنصور عامر»، والدكتورة «فائقة الرفاعي». حرص الدكتور «سرور» علي أن يستمزج رأي الأستاذ «خالد محيي الدين» في المشاركة ضمن وفد يترأسه رئيس لجنة العلاقات الخارجية، ولكن الرجل، بتواضعه المعروف وأدبه الجم وشخصيته الراقية، لم يمانع في ذلك، وكان حضوره معنا في الوفد كشخصية تاريخية مرموقة قومياً ومعروفة دولياً ما أكسبنا مزيداً من الاحترام، وحقق لمهمتنا النجاح المطلوب، وكنت أحرص علي تقديمه عنا جميعاً، وأكاد أحمل عنه حقيبة يده أحياناً تقديراً لمكانته وحباً لشخصه. ولقد تسابق أعضاء الوفد في رعايته والحفاوة به، وأتذكر أنه عند زيارتنا مدينة «ستراسبرج»، المقر التبادلي للبرلمان الأوروبي، أن نائباً فرنسياً يترأس لجنة المشرق ـ وهو جزائري الأصل ويعتبر شخصية برلمانية معروفة ـ قال لنا عندما رأي الأستاذ «خالد محيي الدين»: لقد تحققت أحد أحلامي، فلقد كنت أريد أن أري الرجل الذي قرأت عنه كثيراً، وها هو الحلم يتحول إلي حقيقة أخيراً! إنه السيد «خالد محيي الدين» الذي ترك رئاسة «حزب التجمع» طواعية، في بادرة غير مسبوقة علي مسرح السياسة المصرية في العقود الأخيرة، حتي اختاره أعضاء الحزب رئيساً فخرياً لهم مدي الحياة، ولقد لفت نظري كثيراً أن هذا الرجل الكبير كان يحمل هموم دائرته الانتخابية في تفانٍ وإخلاصٍ واضحين، ويساعد كل من يلجأ إليه، ويسعي لتلبية طلب كل من يتصل به، ولا أنسي أحاديثي الطويلة معه حول «٢٣ يوليو» وتحول أسلوبها إلي نمط سلوكي في السياسة والحكم داخل مصر وخارجها، وكان الرجل موضوعياً فيما يقول، صادقاً فيما يحكي، لا يتحامل علي أحد، ولا يشوه التاريخ، الذي هو جزء مهم منه، وكان يتحدث عن «عبدالناصر» في مودة، وعن «السادات» في موضوعية، وهو صاحب التوليفة التاريخية بين «الفكر الماركسي» «والشخصية الإسلامية»، فلقد أجري الرجل مصالحة نفسية بينهما منذ البداية، وعاش في صدق مع الذات بصورة يحسد عليها. لقد عرفت «خالد محيي الدين» عن قرب لسنوات عديدة، وازددت كل يوم احتراماً له وتقديراً لدوره في الحياة السياسية والعمل الوطني علي امتداد ستة عقود. وسوف يظل «خالد محيي الدين» جزءاً لا يتجزأ من ضمير مصر وأمتها العربية، فالحوار معه ميزة، والاستماع إليه متعة. أمد الله في عمره رمزاً، ومكانة، وقدوة. ماهر أباظة بقلم د.مصطفى الفقى ١٨/ ١٠/ ٢٠٠٧ ربطتني بهذه الشخصية المتميزة علاقات وثيقة ومواقف متعددة، فلقد تعاملت مع ماهر أباظة بحكم موقعي في مؤسسة سيادية لسنوات طويلة، وأدهشني فيه كفاءته العالية وإلمامه الشامل بكل التفاصيل والمشكلات المتعلقة بقطاع الطاقة والكهرباء، وقدرته الفريدة علي تطوير ذلك القطاع في سنوات قليلة، ليصبح واحداً من أقل القطاعات إثارة للمتاعب، وأكثرها أملاً في المستقبل، فهو «تكنوقراط» رفيع الشأن، امتدت علي يديه شبكة الربط الكهربائي من الكونغو غرباً إلي تركيا شرقاً، حتي حظيت مصر بخبرة مشهودة في هذا المجال، جعلتها تبادر بالمشاركة في دعم الأشقاء والأصدقاء عند الحاجة، بدءاً من الكويت إلي لبنان، مروراً بفلسطين، وصولاً إلي عدد كبير من الدول الأفريقية، ولعلنا نتذكر أن الكهرباء في مصر قبل «ماهر أباظة» كانت شيئاً مختلفاً تماماً عما هي عليه حالياً، والفضل في ذلك يرجع إلي رجل عشق مهنته وأجاد تخصصه وخدم بلده، ومازلت أتذكر دقته فيما كان يقول، حتي إنه اتصل بي ذات يوم ليصحح تعبيراً خاصاً بقياسات التيار الكهربائي، جري استخدامه خطأ في عديد من المناسبات الرسمية، وقد فعل الرجل ذلك بلا تردد أو مواربة، وعندما أقصيت عن موقعي في تلك المؤسسة السيادية، انزويت في مكتب صغير بوزارة الخارجية، وجدت الوزير المتألق ماهر أباظة يسعي إلي مكتبي في تواضع جم وأدب شديد، ويمضي في ضيافتي ساعة أو بعض ساعة، في حديث طيب يرطب النفس ويبدد الغيوم ويحيي الشعور بالثقة بالناس في لحظات قاسية لا يعرفها إلا من مر بها، وقد كان ـ رحمه الله ـ وهو سليل عائلة عريقة بكل المقاييس لا يذكر أحداً بسوء، ويتحدث عن الناس جميعاً بمحبة زائدة ومودة ملحوظة، ويعطي الفضل لأهله ويشيد بإنجازات غيره، كما كان طلق المحيا، بشوش الوجه اجتماعياً بفطرته مقبلاً علي الناس بطبيعته، وعندما ذهبنا معاً ذات مرة في وفد رئاسي إلي «دمشق» سعي إليه عشرات من أبناء الأسرة الأباظية الضخمة من قاطني الشام، وبدأوا يتحدثون عن أصول العائلة في إقليم «أبخازيا» بالاتحاد السوفيتي السابق، واكتشفت يومها أن للرجل وعائلته فروعاً في معظم دول غرب آسيا وشمال أفريقيا، وعرفت ماهر أباظة عن قرب في محنة مرض زوجته الراحلة، التي أمضت معنا أكثر من ستة شهور تحت العلاج المكثف في العاصمة النمساوية، عندما كنت سفيراً لبلادي هناك، وكان الرجل يتسلل من أعبائه الضخمة ومهامه الثقيلة ليأتي إلي «فيينا» في عطلة الأسبوع، يزور زوجته المريضة ويطمئن علي رفيقة حياته وشريكة عمره في حنو وعطف بالغين، وقد كان لي شرف استضافته في منزلي طوال فترات وجوده في «فيينا»، فازدادت علاقتي به توثقاً وأصبحت قريباً منه علي نحو غير مسبوق وعرفت أعماقه الطيبة وخلقه الحميد بصورة لا أنساها أبداً. ولقد كان ماهر أباظة مجاملاً بغير حدود، ودوداً بلا غاية، عطوفاً علي الفقراء والضعفاء، رحب الصدر أمام شكاوي الناس ومطالب المحتاجين، كما كان محسناً معطاء عفيف النفس شفاف السريرة، وعندما انتقلت من وزارة الخارجية إلي مجلس الشعب، وعملت تحت رئاسته في لجنة العلاقات الخارجية، كان الرجل كبيراً كالمعتاد، فقد ترك لي جزءاً كبيراً من مهام رئاسة اللجنة، وأعطاني تفويضاً في العديد من صلاحياته، لأن الكبير يظل كبيراً في كل موقع، وعندما تقرر في العام التالي أن اترأس اللجنة استقبل الرجل العظيم الأمر في رقة بالغة، واتصل بي هاتفياً مهنئاً وسعي إلي مشاركاً، وظلت علاقتنا متينة، كما هي بفضل مساحة الثقة بالذات لديه، والصدق مع النفس في شخصيته، ولقد لفت نظري احترام العائلة الأباظية له باعتباره عميدها، بعد رحيل المرحومين أحمد أباظة ووجيه أباظة، حتي إن ابن أخيه الدكتور محمود أباظة، رئيس حزب الوفد لم يفكر في احتلال مقعد العائلة بالبرلمان، إلا بعد أن زهد عمه ماهر أباظة فيه، وسيطرت عليه هموم حالته الصحية في السنوات الأخيرة، وتلك تقاليد رفيعة لا نجدها إلا في البيوت العريقة، وأتذكر الآن أن الراحل الكبير كان يتحدث الإنجليزية والألمانية والفرنسية، وأتذكر كذلك أنه عندما ترك المهندس ماهر أباظة موقعه الوزاري كان موزعاً بين شعورين مزدوجين، أولهما الارتياح، لتخففه من أعباء المنصب بعد قرابة عشرين عاماً فيه، والثاني شعوره بالقلق من أن يكون انتهاء دوره مرتبطاً بتقصير في عمله، أو ملاحظات علي أدائه، حتي جاءت «قلادة النيل» تتهادي إليه لتهدئ من نفسه ولتطمئن شخصيته ذات الحساسية المفرطة في الأدب والرقة، وعندما رحل عن عالمنا منذ أيام شعر المواطن العادي في بلادي بأن الرجل الذي أضاء مصر قد أصبح في رحاب الله، وأن قبره لن يعرف الظلام أبداً، جزاء ما قدم لوطنه وشعبه وأسرته.[/align] |
رد: الدكتور مصطفى الفقى وهؤلاء
[align=center]أم كلثوم»
بقلم د.مصطفى الفقي ١١/ ١٠/ ٢٠٠٧ إذا ترامت إلي مسامعي إحدي أغنياتها وجدتني أنسحب من واقع اللحظة إلي عصاري الستينيات من القرن الماضي ولياليها الرائعة عندما بدأ عشقي لذلك الصوت الذي لن يتكرر. إنها تلك الريفية الفقيرة التي بدأت حياتها بالأناشيد الدينية والمديح النبوي، وانتقلت من «طماي الزهايرة» قرب «السنبلاوين» لتغني علي أعظم مسارح الدنيا، وفي القاعات الكبري بالعالم. إنها تلك الموهبة التي أجزلت لها العناية الإلهية العطاء ومنحتها صوتاً كانت جيوش الحلفاء والمحور في الحرب العالمية الثانية توقت بعض غاراتها مع حفلاتها الغنائية استثماراً لحالة الاسترخاء التي يعيشها الناس أثناءها. إنها الفنانة الفذة التي خالطت الملوك والزعماء والساسة حتي إنه عندما جري اغتيال «النقراشي» باشا رئيس الوزراء بدأ جحوظ عينيها بتأثير اضطرابات الغدة، نتيجة صدمة الحزن علي صديق عزيز. ولابد أن أعترف بأن الاستماع إليها عن بعد أمتع بكثير من التعامل معها مباشرة، لا لأنها شخصية غير مقبولة، ولكن لأن صوتها وحده ينقل الإنسان إلي مراتب عليا من الاندماج والشجن، ويفتح أمامه أبواب الخيال المطلق الذي لا توقفه حدود الشخصية بواقعها البشري المعتاد. وأتذكر يوماً من صيف عام ١٩٧٣ عندما كلفني القنصل العام أن أذهب صباح «السبت» إلي فندق «الجروفنر» الشهير لأصطحب السيدة «أم كلثوم» وزوجها الراحل الدكتور حسن الحفناوي إلي مطار «هيثرو» لتوديعهما، بمناسبة انتهاء فترة علاجها في لندن، ولأن الوقت كان عطلة الأسبوع فقد اصطحبت معي زوجتي وابنتي «سلمي»، التي كانت في عامها الأول، وذهبت بسيارتي «الفولكس» الصغيرة تتبعني سيارة السفارة «الجاجوار» يقودها الحاج «واعر»، سائق السفير المصري في لندن، ووقفت في بهو الفندق حتي نزلت حقائب السفر وأطلت علينا «كوكب الشرق» وزوجها الطبيب الشهير، وقد بدت علي وجهها آثار الزمن وبصمات العمر، ولكنها كانت متماسكة ويقظة، فقدمت لها نفسي ودرجتي الدبلوماسية فبدا عليها شيء من عدم الارتياح لأن دبلوماسياً من درجة صغيرة هو الذي يودعها ثم انطلقت السيارتان إلي المطار، وأخذت جواز سفرها الدبلوماسي واتجهت به إلي ضابط الجوازات البريطاني الذي قال لي إن الاسم المكتوب في الجواز هو «أم كلثوم» فقط، وأنهم يريدون الاسم ثلاثياً، فاستوفيت البيان منها، ولا حظت أن تاريخ ميلادها المدون هو عام ١٩١٠، وأنا أظن أن هناك سنوات عشراً مختصرة من ذلك التاريخ! ثم جاءت مندوبة علاقات عامة من شركة الخطوط البريطانية لتكون في خدمة الشخصية المهمة المسافرة، وكانت فتاة رائعة الجمال من أب مصري وأم انجليزية هي «جيهان نخلة» وقد اقتربت منها السيدة «أم كلثوم» وأبدت إعجابها الشديد بها، وظلت تتحدث معها لفترة، ودعتها لزيارتها في القاهرة عند وجودها في أرض الوطن، ثم فتحت الشركة البريطانية صالة خاصة لكبار الزوار تكريماً لأهم مغنية في التاريخ العربي الحديث، وهمست «كوكب الشرق» في أذني تسألني إن كانت أسعار المشتروات بمطار لندن أرخص أم في الطائرة أم في مطار القاهرة لأنها تريد شراء بعض اللوازم، وأخذت تداعب ابنتي الصغيرة وتقول إنها صغيرة الأنف وتبدي إعجابها بإسمها، ثم بادرتني بسؤال مباشر لماذا لم يكن السفير كمال رفعت في وداعها؟ فقلت لها إنه لا يخرج للمطار مستقبلاً أو مودعاً إلا لرئيس دولة أو رئيس الوزراء أو وزير خارجية، فهو من كبار قيادات ثورة يوليو ونائب سابق لرئيس الوزراء، فقالت لي: هل يعلم أن الذي كان يودعني في مطار القاهرة بتكليف من الرئيس السادات هو الدكتور محمد عبد القادر حاتم النائب الأول لرئيس الوزراء؟ فشرحت لها ظروف العمل الضاغط في لندن وأن سفرها صادف عطلة الأسبوع ، يبدو أنها لم تقتنع بما قدمته من تبرير، وشعرت يومها أنني أقف أمام تاريخ مصر كله مجسداً في تلك السيدة التي عاشت حياة حافلة بالعطاء والمجد والشهرة، وعندما صعدت معها إلي داخل الطائرة وجهت لي عبارات شكر مقتضبة وأخرجت أحد الكروت الشخصية بعنوان فيلتها في شارع «أبو الفدا» بالزمالك ورقم تليفونها المنزلي، عندئذ أدركت أنني قد نجحت في مهمتي، ونجوت علي الأقل من سخريتها المحتملة فقد كانت صاحبة نكتة ذكية وملاحظة سريعة، فعندما سخر بعض أفراد فرقتها من رابطة عنق أحد زملائهم قائلين إن قيمتها لا تزيد علي خمسين قرشاً قالت لهم إن ذلك ظلم لأن عليها بقع زيت تتجاوز قيمتها جنيهاً كاملاً! وعندما كان المذيع المعروف «سيد الغضبان» يقدم إحدي حفلاتها تساءلت غضبان من ماذا؟! وحين قدم لها الكاتب الراحل أحمد بهاء الدين صديقه المفكر اللبناني «د. كلوفيس مقصود» ضحكت ساخرة وقالت وهي تصافحه: إذا كان هذا هو اسمك الفني فما هو اسمك الحقيقي؟!، وما أكثر نوادرها وقصصها الطويلة مع رامي والسنباطي والقصبجي وعبدالوهاب ومحمود الشريف وبليغ حمدي وسيد مكاوي وعلاقتها القوية بشعراء عصرها وأدباء زمانها، ولن ينسي المصريون دورها الرائع بعد هزيمة ١٩٦٧ وهي تجوب العواصم العربية والأجنبية من الكويت إلي السودان إلي المغرب ثم إلي باريس ولندن وغيرها تشدو دعماً للمجهود الحربي وإزالة آثار العدوان. والغريب أنها عندما رحلت عن عالمنا تضاربت بيانات الحكومة في توقيت وفاتها، ربما لأن البعض كان يظن أن حياتها المجيدة سوف تستعصي علي الموت، بينما الخلود لله وحده. يوسف صديق بقلم د. مصطفي الفقي ٤/ ١٠/ ٢٠٠٧ قد يتساءل البعض لماذا أكتب عن شخصية بعينها ولا أتعرض لغيرها؟ والجواب بسيط، وهو أنني أكتب فقط عمّن تعاملت معهم «عن قرب»، ولذلك قد تكون هناك شخصيات دولية أو عربية أو محلية ذات ثقل سياسي أو وزن أدبي، ولكنني لم أسعد بلقائها، فلم أكتب عنها، بينما يكون تركيزي علي الشخصيات المهمة التي ساقتني ظروف العمل أو الصداقة الدائمة أو اللقاء المباشر، للتعرف عليها من مسافة قريبة فكرياً وإنسانياً، وهاأنا ذا أكتب اليوم عن شخصية ذات موقع خاص في تاريخ الثورة المصرية من ناحية تنظيمها العسكري وطبيعة العمليات الاستثنائية ليلة «٢٣ يوليو ١٩٥٢»،إنه رجل تصدق فيه المأثورة التاريخية «الثورات يقوم بها الشرفاء. ولكن يستفيد منها الجبناء»! إنه القائمقام «يوسف صديق» بطل تلك الليلة الفاصلة في تاريخ مصر الحديث، والذي تحرك بقواته - بطريق الخطأ - قبل ساعة الصفر، في مبادرة شجاعة أنقذت الضباط الأحرار من أحكام إعدام كانت تنتظرهم لو أن الأمر كله قد جري اكتشافه، لتبدأ محاكمة القائمين علي تمرد عسكري فاشل، وهو أيضاً ذلك البطل الذي كادت قواته أن تعتقل جمال عبدالناصر، وعبدالحكيم عامر، بزيهما المدني، وهما يستطلعان مجريات الأمور قرب القيادة عند مبني رئاسة أركان الجيش، وذلك مع اعترافنا الكامل بأن «عبدالناصر» هو مفجر ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢، وقائد تنظيم الضباط الأحرار، إلا أننا نندهش للمعاناة القاسية التي تعرض لها يوسف صديق بعد نجاح الثورة، وكأنما كان عليه أن يدفع مثل قائده اللواء محمد نجيب - أول رئيس للجمهورية المصرية - الثمن الفادح لدورهما الوطني وعملهما التاريخي، فقد أبعدت قيادة الثورة بطل ليلة ٢٣ يوليو ١٩٥٢، الثائر المثقف يوسف صديق، الذي أنقذت مبادرته الشجاعة مصر من مواجهة دامية في ليلة حاسمة تدخل القدر فيها ليتغير معها مجري التاريخ كله، ولقد كان لقائي مع بطلنا الراحل الضابط الباسل والرجل الواعي والشاعر الرائع يوسف صديق، علي امتداد أسبوع كامل من شهر سبتمبر عام ١٩٧١، وكان الرئيس «السادات» قد أوفده للعلاج في العاصمة البريطانية، وكنت قادماً جديداً إلي لندن، حيث عملت نائباً للقنصل المصري هناك ولم أكن قد انتقلت إلي مسكني الدائم بعد، فاكتشفت أنني أقيم مع السيد يوسف صديق في فندق واحد، هو فندق «نيرا» في منطقة «كوينز واي» الشهيرة في «عاصمة الضباب» كما كانوا يسمونها في ذلك الوقت، واقتربت من الرجل كثيراً واستمعت إليه طويلاً، وحكي لي عن النزيف الدموي الذي انطلق من صدره عبر فمه ليلة الثورة، وكيف أن «حقنة» لا يكاد يتذكر اسمها قد أوقفت ذلك النزيف لما يقرب من عشرين عاماً حتي عاودته آلام المرض مرة أخري، وجاءت به إلي رحلة العلاج التي التقيته فيها. وأعجبني كثيراً في ذلك البطل المصري أن مرارة الشعور بالجحود من رفاق الثورة والسلاح لم تترك بصماتها السوداء في قلبه، بل كان يتحدث بحس إنساني رفيع عن عبدالناصر ورحيله، ونجيب وعزلته، وعامر ومصيره، وشرح لي أكثر من مرة تحليلاته السياسية والعسكرية لدوافع الثورة ونتائجها، بإنجازاتها وأخطائها، لماضيها ومستقبلها، وبدا الرجل أمامي كأنه طيف عابر من ضمير وطن جريح ينزف دائماً قطرات من دم، مثل تلك التي نزفها يوسف صديق ليلة الثورة. كما قرأ علي فقرات من مذكراته، وتلا علي بعض أشعاره، واستعرض سنوات النفي والعزلة داخل الوطن الذي عاش من أجله وضحي في سبيله، وتناول أزمة مارس ١٩٥٤ وملابساتها، وطرح رأيه فيها، والشيء العظيم أنه ظل قابضاً علي مبادئه، عاشقاً لوطنه، مؤمناً بثورته، مدركاً فضل زوجته المناضلة والتي تنتمي إلي عائلة مسيسة، قدوة لأسرته الصغيرة التي ارتبط بها صديقي وزميل دراستي الأستاذ عبدالقادر شهيب رئيس مجلس إدارة دار «الهلال» ورئيس تحرير «مجلة المصور»، لقد تعلمت الكثير من الأسبوع الذي قضيته مع ذلك الضابط المتقاعد والفيلسوف الزاهد الذي زرع الكثير وحصد الهشيم، ولكنه ظل دائماً متماسكاً مترفعاً عن شهوة المناصب وعطايا السلطان، وظل ولاؤه لتراب الوطن قوياً حتي سكن في أحضانه ذات يوم تاركاً وراءه سيرة عطرة، وبطولة باقية، وزوجة صلبة، وذرية صالحة.[/align] |
رد: الدكتور مصطفى الفقى وهؤلاء
[align=center]يوسف إدريس»
بقلم د.مصطفى الفقى ٢٧/ ٩/ ٢٠٠٧ لا أظن أن أديباً عربياً عاني في السنوات الأخيرة من عمره مثل معاناة «أب القصة القصيرة» في الأدب العربي المعاصر «يوسف إدريس»، فلقد عاش الرجل ذو الحساسية المفرطة سنوات من عمره وهناك من يلوح له في الخارج بجائزة «نوبل» للأدب ولكن عندما هبطت الجائزة أرض النيل اتجهت إلي الروائي الكبير «نجيب محفوظ» ولا شك أن الذين داعبوا أحلام «يوسف إدريس» ودغدغوا مشاعره لم يكونوا واهمين أو مخدوعين فالرجل يستحقها بجدارة ولكن الإطار السياسي الذي وضع نفسه فيه كان كفيلاً بإبعاد الجائزة عنه وهي بالمناسبة جائزة قد تكون بريئة في فروع العلوم والتكنولوجيا إلا أنها في فرعي السلام والأدب تخضع في الأولي لتوازنات دولية وفي الثانية لحسابات جغرافية بين الثقافات المختلفة والآداب المتنوعة كما أنها في هذين الفرعين تحديداً لا تبرأ من اعتبارات سياسية تدل كل الشواهد علي وجودها، خصوصاً في العقود الأخيرة، ولقد ربطتني «بيوسف إدريس» علاقة وثيقة امتدت لسنوات طويلة ما بين «لندن» و«القاهرة» و«نيودلهي» فقد عرفته وأنا دبلوماسي شاب، حيث كنت نائباً للقنصل المصري في «لندن» وجاء الأديب المتميز طلباً للخلاص من داء آلم به وليبرأ من مشكلة صحية ونفسية سيطرت عليه، وكنت في ذلك الوقت المشرف الدبلوماسي علي القسم الطبي بالقنصلية العامة في لندن فتعددت لقاءاتي مع الكاتب الكبير في حضور صديقي الراحل د. «عبدالغفار خلاف» المستشار الطبي للقنصلية ورأيت في «يوسف إدريس» شخصية فريدة خارج الدائرة التقليدية للبشر فهو مفكر حقيقي وإحساسه الإنساني مرتفع للغاية وانتماؤه السياسي واضح فهو منحاز للفقراء والكادحين ولا غرو فهو صاحب «أرخص الليالي» وأديب «الفرافير» الذي كتب عن عمال التراحيل وأجراء الأرض وهو ابن محافظة الشرقية الذي تخرج طبيباً في «قصر العيني» وعايش وهو في الامتياز اللحظات الأخيرة من حياة الشهيد «عبدالقادر طه» الذي اغتاله أعوان الملك «فاروق» قبيل الثورة فتجمعت لدي «يوسف إدريس» رؤية وطنية مبكرة جعلته بحق «الترمومتر» الحساس للحياة العامة المصرية والضمير اليقظ للوطن علي امتداد العصر الملكي وحكم «نجيب» و«عبدالناصر» و«السادات» و«مبارك»، ومازلت أتذكر شطحاته الفكرية وخروجه عن السياق العام برؤي غير تقليدية كان يبدو فيها سابقاً لعصره ومعاصريه، وعندما عدت إلي الوطن تواصلت لقاءاتنا وتوطدت علاقتنا وعرفت فيه إنساناً فريداً يعشق الحق والخير والجمال، وعندما عملت في السفارة المصرية بالعاصمة الهندية جاء «يوسف إدريس» عام ١٩٨٢، ضيفاً كبيراً قضي معنا أسبوعاً لا أنساه أبداً حيث رافقته في محاضرة ألقاها بجامعة «جواهر لال نهرو» عن «الاتجاهات الحديثة في الأدب العربي المعاصر» واستقبلته بعدها السيدة «أنديرا غاندي» الرئيسة القوية للحكومة الهندية واحتفت به كثيراً وتهللت عند استقباله حتي ظل يقبل يديها ويلثم ذراعيها في مودة واضحة وهي سعيدة بذلك الشعور العفوي لأديب مرموق له مكانته المحلية والدولية بينما تصاعدت مكانته القومية منذ رفضه جائزة «حوار» اللبنانية بسبب غموض دوافعها في وقت كان المد القومي فيه كاسحاً والرأس العربية شامخاً، وأتذكر جيداً أن ليل «يوسف إدريس» كان طويلاً ينتعش بعد الحادية عشرة مساء بينما سفيرنا اللامع في النهد حينذاك القاضي الدولي د. «نبيل العربي» ينام مبكراً ولا يهوي السهر فكان علي أن أواصل مع أديبنا الراحل ساعات طويلة بعد العشاء الذي يكون مدعواً إليه في عدد من البيوت المصرية أو الهندية علي السواء، ولم يتوقف الأديب الكبير عن مداعباته الراقية لزوجات السفراء الأوروبيين في سهرات الهند فقد كان، رحمه الله، فناناً قبل أن يكون أديباً تسيطر عليه قيمة الجمال قبل غيرها من القيم وذلك دأب ذوي الانتماء البشري العميق، ولقد حكي لي «يوسف إدريس» أنه عندما اعترض علي اتفاقية «كامب ديفيد» ومعاهدة السلام المصرية ووقف في المعسكر المناوئ لسياسات الرئيس الراحل «أنور السادات» اتصل به المستشار الصحفي للسفارة العراقية بالقاهرة وأبلغه دعوة خاصة من «صدام حسين» النائب القوي لرئيس العراق والحاكم الحقيقي لأرض الرافدين والذي كان يعرف «يوسف إدريس» شخصياً من سنوات الصعلكة الدراسية للمغامر العراقي في العاصمة المصرية وعندما هبط «يوسف إدريس» مطار «بغداد» أخذته سيارات الضيافة العراقية إلي حيث كان «صدام» يشرف بنفسه علي تنفيذ «وجبة» إعدام في عدد من معارضيه قرب ضواحي بغداد وكاد «يوسف إدريس» أن يغمي عليه وهو الذي أجريت له جراحة «قلب مفتوح» قبل تلك الزيارة بسنوات قليلة، وعندما عاتب الأديب الكبير نائب الرئيس العراقي علي دعوته المتهورة لمشاهدة ذلك الحدث الدامي ضحك «صدام» كثيراً وقال له «إن الأدباء الكبار لا يجزعون من الموت لأنهم يصنعون الحياة» وظلت العبارة لا تفارق ذهني أبداً لأنها تمثل المواجهة الحقيقية بين السياسة والثقافة، بين السلطة والأدب، بين الموت والحياة، ولقد كتب «يوسف إدريس» مقالاً طويلاً بالأهرام في يومياته بعد عودته من الهند خصني فيه بفقرات طويلة أعتز بها حتي الآن، ولقد رأيته في سنواته الأخيرة وهو يشعر بجحود حقيقي لعطائه الفذ وإنكار لموهبته العبقرية، وظل يري في ابنه الراحل وشقيقه وفي «نسمة» ابنته ودرة وجدانه امتداداً حقيقياً له يربطه بشريكة حياته ورفيقة عمره، وعندما كان يحضر الحوار الفكري بين الرئيس «مبارك» والأدباء والمفكرين في «معرض القاهرة الدولي للكتاب» كان يتحدث مع الرئيس عن شواغل الناس وهموم الشارع المصري وقضايا الوطن الكبير، وكان الرئيس يتلقي آراءه باهتمام بالغ ومحبة زائدة، وعندما اعترض «يوسف إدريس» ذات مرة علي ارتفاع أرقام «فواتير الكهرباء» سأله الرئيس «كم جهازاً للتكييف في بيتك أيها الأديب الكبير؟» وضجت القاعة بالتصفيق في جو ودي حميم، لذلك كله لست أشك في أن رحيل «يوسف إدريس» كان ولايزال خسارة كبيرة للوطن وللأدب ولي شخصياً. جعفر نميري بقلم د. مصطفي الفقي ٢٠/ ٩/ ٢٠٠٧ شاهدت برنامجاً تليفزيونياً منذ أيام، تحاور فيه المذيعة ضيفتها المناضلة السودانية «فاطمة إبراهيم»، أول سيدة تدخل البرلمان السوداني عام ١٩٦٥، وزوجة القيادي الشيوعي الذي كان عضواً بارزا في الحركة العمالية الدولية، وأعني به شهيد الرأي «الشفيع أحمد»، الذي أعدمه الرئيس السوداني «جعفر نميري» في بدايات حكمه، ولابد أن أعترف هنا بأن الشأن السوداني كان، ولايزال، وسوف يظل، واحداً من أهم شواغلي وأخص اهتماماتي، وإذا كنت سوف أكتب يوما عن السيد «الصادق المهدي» ومولانا «محمد الميرغني»، وغيرهما من زعامات السودان التقليدية، التي تعاملت معها فإنني أكتب اليوم عن الرئيس «جعفر نميري»، الذي حكم السودان قرابة خمسة عشر عاماً اتسمت بالصعود والهبوط، بالاستقرار والاضطراب، وتفجرت خلالها معظم مشكلات السودان أكبر الدول الأفريقية مساحة، والذي كان يمكن أن يكون «سلة الغذاء» لدول وادي النيل وشرق أفريقيا. والرئيس «نميري»، كما عرفته، شخصية تحتاج إلي دراسة، فهو الرجل العسكري الذي فقد والديه في حادث سير وهما يتجهان إلي مبني الكلية الحربية السودانية لحضور حفل تخرجه ضابطاً فيها، ولقد شاءت الظروف أن ألتقيه مرات عديدة في سنوات منفاه الاختياري بالقاهرة، ولفت نظري أنني كلما ذهبت إليه وجدت لديه المستشار الإعلامي للسفارة السودانية في القاهرة والملحق العسكري بها وبعض الدبلوماسيين من السفارة في وقت كانت حكومة «الخرطوم» تسعي فيه لاستعادة «نميري» ومحاكمته رسمياً وشعبياً! وتلك ظاهرة ينفرد بها السودانيون دون غيرهم، وهي الفصل بين المواقف السياسية والعلاقات الشخصية. ولقد تحدثت إلي الرئيس «نميري» كثيراً وتطرقت معه إلي موضوعات ذات حساسية بالنسبة له مثل علاقته بالمعارضة السودانية وموافقته علي إقامة جسر جوي ينقل يهود «الفلاشا» إلي إسرائيل وما تردد عن حصوله شخصياً علي مقابل لتلك العملية التي تتعارض مع انتمائه الأفريقي والعربي والإسلامي وقد نفي الرئيس السوداني السابق ذلك تماماً، وشرح ملابسات تلك العملية وتداعياتها، وقد لاحظت أنه يحمل قدراً كبيراً من مرارة الخصومة تجاه عدد من الشخصيات التاريخية علي مسرح الحياة السياسية للسودان، ذاكراً بعض أخطائهم، راصداً عدداً من سقطاتهم، ولا عجب في ذلك فهو الرئيس السوداني الذي انقلب عليه «الشيوعيون» واحتواه «المتأسلمون» وانصرف عنه «القادة التقليديون»، كما أن تحالفاته مع ليبيا «القذافي»، ثم انهيار العلاقة معها كانت هي الأخري ظاهرة متكررة، بل إن علاقاته بـ «القاهرة» أيضاً لم تخل من شد وجذب، وإن كانت مصر «السادات» تذكر له رفضه الانصياع لقرار القمة العربية بقطع العلاقات الدبلوماسية مع مصر، بعد توقيعها اتفاقية السلام مع إسرائيل، وهو موقف انفرد به، ولم يشاركه فيه إلا حكومتا دولتي «عمان» و«الصومال». ويجب أن أسجل هنا أن «نميري» ينتمي إلي أكثر الدول العربية إحساساً بالحرية، والتزاماً بحق إبداء الرأي مهما كانت الظروف، فالشعب السوداني هو الذي أدخل المفهوم الحديث لحركة العصيان المدني في قاموس السياسة الدولية المعاصرة مرتين في النصف الثاني من القرن العشرين، كانت الأولي ضد نظام «إبراهيم عبود» عام ١٩٦٤، والثانية بالحركة الشعبية للنقابات ضد نظام «نميري» عام ١٩٨٥، ولابد أن أعترف هنا بأن سنوات حكم «نميري» كانت نسبياً هي أكثر العهود تقارباً بين القاهرة والخرطوم، ولعلي أتذكر الآن من لقاءاتي مع عدد من السياسيين المرموقين في تاريخ السودان من أمثال الراحل «جون جارانج» والسياسي الفذ الدكتور «منصور خالد» وصديقي العزيز «فاروق أبوعيسي» الأمين العام السابق لاتحاد المحامين العرب، ولكن أقرب السودانيين إلي قلبي هو السفير «إبراهيم طه أيوب»، الذي جاءت به حركة ١٩٨٥ وزيراً للخارجية بعد أن كان سفيراً لبلاده في الهند في فترة تزامنت مع عملي مستشاراً بالسفارة المصرية في «نيودلهي» مع نهاية السبعينيات ومطلع الثمانينيات من القرن الماضي، وأتذكر الآن جيداً يوم أن دعاني السفير «إبراهيم طه أيوب» إلي منزله في العاصمة الهندية ورأيت صورة كبيرة في قاعة الاستقبال للرئيس السوداني «جعفر نميري» فقلت له مجاملاً: «إن هذا الرجل قد حقق للسودان استقراراً لم يتوفر لها من قبل» فضحك السفير «أيوب» ساخراً وقال: «إن هذا رجل سيئ ولا يزيد عنه سوءاً إلا رئيسكم السادات»! فاندهشت لذلك الموقف العفوي من دبلوماسي متميز، ولكن تلك هي دائماً الشخصية السودانية الصريحة الواضحة التي لا تقبل النفاق ولا تهوي المجاملة الزائفة، وأسجل هنا أن الرئيس «نميري» قد بدا لي بعد زوال السلطة عنه إنساناً عاطفياً للغاية يهتم ببعض المشروعات الخيرية، ويرعي عدداً من الأطفال المحتاجين، خصوصاً أنه لم يرزق أولاداً، ولكن مشكلة بعض القادة وهم في الحكم أن بريق السلطة يعمي الأبصار ويستولي علي الأفئدة ويجعل القرارات أحياناً شديدة القسوة، إلي حد يصل بالخصوم إلي حبل المشنقة.. إنها السياسة لعنها الله في كل زمان ومكان![/align] |
رد: الدكتور مصطفى الفقى وهؤلاء
[align=center]محمد متولي الشعراوي»
بقلم د.مصطفى الفقى ١٣/ ٩/ ٢٠٠٧ هو إمام الدعاة في النصف الثاني من القرن العشرين بغير منازع، وهو أكثر علماء الإسلام شعبية في العقود الأخيرة، حتي دخلت مكانته إلي قلوب الملايين في العالمين العربي والإسلامي، وقد كنت مدعواً منذ شهور قليلة لدي الفنان العالمي «عمر الشريف»، وأدهشني كثيراً غرام الفنان الكبير بالشيخ الراحل، وقدرته الفذة علي تقليده وحفظ مقاطع كاملة من أحاديثه، وهو ما يعني أن «كاريزما» الشيخ قد شملت الجميع، ووصلت إلي الناس بمختلف ثقافاتهم وتوجهاتهم وأفكارهم، ورغم ما يتردد من أن تفسير الشيخ للقرآن الكريم كان يعتمد علي الجانب اللغوي، بحيث يغوص في أعماق العبارات البليغة، إلا أنه امتلك جاذبية خاصة صنعت درجة عالية في التعلق الشديد بالإمام، وجعلت منه مؤسسة دينية مستقلة، لا نكاد نعرف لها نظيراً بين دعاة العصر. وعندما تردد أن مشيخة الأزهر قد عُرضت عليه أثناء وزارة الدكتور «فؤاد محيي الدين»، وأن الشيخ قد اعتذر عنها، انتابني شعور بالحزن علي فرصة ضاعت علي الإسلام والمسلمين، وعبرت عن ذلك لصديقي منذ عشرات السنين الشيخ الجليل «محمود عاشور»، وقد كان قريباً من إمام الدعاة ـ وقد أصبح وكيلاً للأزهر فيما بعد ـ فعاد بعد حديثنا بأيام ليقول لي- نقلاً عن الإمام- إن مشيخة الأزهر لم تعرض عليه. وأضاف أنه ربما كان هناك توجيه من الرئيس بعرضها عليه، ولكن الراحل «فؤاد محيي الدين» لم يتحمس، لأنه لم يكن من محبي الشيخ ولا من مريديه. ولي مع الشيخ «الشعراوي» مواقف كثيرة، لعل أشدها تأثيراً في نفسي هو ما فعله معي في نهاية ١٩٩٢ عندما تركت موقعي في مؤسسة الرئاسة، حيث تلقيت اتصالاً هاتفياً من وزير الأوقاف الأسبق السيد «أحمد عبدالله طعيمة» ـ وهو من الضباط الأحرار وكان شديد القرب من إمام الدعاة ـ يقول لي فيه إن الشيخ يريد الدعوة لعشاء، تكريماً لشخصي، نظراً للعلاقة الطيبة التي ربطتني به لعدة سنوات، وعندما ذهبت إلي ذلك العشاء وجدت الشيخ متهللاً ومرحباً ومازحاً في ليلة لا أنسي كرمه فيها، وكان من الحاضرين وزير كويتي سابق ومحافظون وسفراء سابقون وعدد كبير من مريدي الشيخ ومحبيه، وأجلسني إلي جانبه علي مائدة الطعام، وظل يناولني الأطباق بيديه في تواضع وسماحة يستحقان التقدير والعرفان، وقال في حقي كلاماً طيباً، ربما لا أستحقه، وظل يحكي عن ذكرياته وطرائف حياته، بصورة خلقت جواً من المحبة، حتي إنني أذكر أنه كان من بين الحاضرين ضيف قبطي، صديق لأحد المقربين من الإمام الراحل، وعندما خرجنا من منزل الوزير «طعيمة» في أحد شوارع الزمالك بعد العشاء بدأ الشيخ يوزع حسنات بغير حدود علي طوابير من الفقراء يقفون في انتظاره، ليعطيهم صدقة من الأموال التي كانت تأتيه من أهل الميسرة ليوجهها في مصارف الخير. وعندما مرض الشيخ واعتلت صحته، وذهب إلي لندن للعلاج، سعي إليه عدد من كبار الأطباء الأقباط في العاصمة البريطانية بتوجيه من قداسة البابا «شنودة»، وأسهموا بشكل كبير في رعايته والاهتمام بصحته، وأظن أن ذلك الأمر قد أثر في الشيخ كثيراً، وأحدث لديه تحولاً فكرياً جعله يدرك أكثر من ذي قبل قرب المسيحيين من المسلمين، ووطد علاقته أيضاً بالبابا «شنودة الثالث»، وقطع الطريق علي كثير من الادعاءات حول ما تردد عن عبارات تمس النصاري في بعض أحاديث الشيخ السابقة. ولن ينسي المصريون يوم عاد الرئيس «مبارك» سالماً من محاولة الاغتيال الغادرة في «أديس بابا» عندما وقف الشيخ متحدثاً ليقول عبارته الشهيرة: «إذا كنت قدرنا فأعاننا الله عليك، وإذا كنا قدرك أعانك الله علينا»، ويومها هرع رئيس ديوان رئيس الجمهورية بنفسه ليستند عليه الشيخ في مشيته، احتراماً لمكانته وتقديراً لهيبته، ورغم أنني لا أميل إلي التفسير التآمري للأحداث فإنني أتذكر جيداً أن صديقي الراحل الشهيد «فرج فودة» قد لقي مصرعه اغتيالاً في نفس الأسبوع، الذي كتب فيه مقالاً في مجلة «أكتوبر»، تضمن تلميحات سلبية حول شخصية الشيخ بصورة تنال من هيبته، وتمس مكانته وتؤثر في شعبيته الكاسحة. ولست أنسي أبداً عندما رأيت مصرياً نحيلاً طويل القامة، يرتدي حلة غربية أنيقة في أحد شوارع لندن في السبعينيات من القرن الماضي برفقة صديقين، وكان هو الشيخ «الشعراوي» وزير الأوقاف حينذاك. إنه ذلك العالم الفذ الذي قضي سنوات من عمره في الجزائر والسعودية، وعرفه الناس من خلال شاشات التليفزيون عندما أصبح نجم حلقات برنامج «نور علي نور» الذي كان يقدمه الإعلامي الراحل «أحمد فراج». ولست أنسي أيضاً يوماً كنت فيه بمطار القاهرة عام ١٩٩٤ مسافراً، وحدث لبس في الإجراءات حول فتح صالة كبار الزوار لمودعي الشيخ «الشعراوي»، الذي كان مسافراً إلي الأراضي المقدسة، وكانوا كثراً، وقد غضب الشيخ يومها بشدة، وتدخلت شخصياً، وطيبت خاطره، وأشهد أن الرجل استسلم لما أقول في طيبة ووداعة شديدين، وأذكر أنني قلت له إن رئيس ميناء القاهرة الجوي رجل تقي هو اللواء طيار «عبدالعزيز بدر»، وهو صهر لواحد من أكبر البيوت الإسلامية في وسط آسيا، وهو بيت «المجددي» كبري عائلات «أفغانستان»، فكان لتلك الكلمات وقع طيب لدي الشيخ، وسافر راضياً، وقد نشرت صحيفة الأهرام هذه الواقعة في صفحتها الأخيرة في اليوم التالي. .. ذلك هو إمام الدعاة بحق، وأقرب رجال الدين إلي قلب رجل الشارع في العصر الحديث، وهو الداعية الذي كنا نترقب أحاديثه في شهر رمضان وفي غيره من شهور العام. ريمون بار بقلم مصطفى الفقى ٦/ ٩/ ٢٠٠٧ إنه ذلك السياسي الفرنسي المخضرم، الذي تولي رئاسة الوزراء في بلاده ١٩٧٦ ـ ١٩٨١، ورشحته قطاعات كبيرة من المجتمع الفرنسي لرئاسة الدولة، منافساً لشيراك في فترته الأولي، إنه رجل الدولة المخضرم البدين جسداً الهادئ عقلاً والذي رحل عن عالمنا منذ أيام، عن عمر يناهز ثلاثة وثمانين عاماً. وقصتي مع رئيس وزراء فرنسا الأسبق تتلخص في أنني تلقيت دعوة من المنتدي الاقتصادي في «دافوس»، وهو ذلك المنتدي السنوي الشهير الذي يؤمه رؤساء دول وحكومات ووزراء وساسة ورجال أعمال ومفكرون ودبلوماسيون وإعلاميون، وذلك كي أكون متحدثاً في اليوم الأول للمؤتمر، وفي قاعته الكبري، حول موضوع «الدين والسياسة في الشرق الأوسط»، وقد كان ذلك في نهاية شهر يناير عام ١٩٩٥. وأظن أن الذي نصح إدارة المنتدي بدعوتي للحديث في ذلك الموضوع المثير للجدل، كان هو البروفيسور الفرنسي الشهير «كيبيل» وكنت قد التقيته في صيف ١٩٩٤ ودار بيننا حديث طويل حول الأصولية والإسلام السياسي والغرب، وعندما ذهبت إلي «دافوس» وجدت أنني أول المتحدثين بعد مراسم الجلسة الافتتاحية مباشرة، وأن الذي يدير الجلسة هو السيد «ريمون بار» رئيس وزراء فرنسا الأسبق، والذي كان اسمه لايزال يتردد كمرشح محتمل للرئاسة الفرنسية، ووجدتني أمام رجل صافي الذهن هادئ الطبع رتيب الحركة، وعندما قدمني لجمهور الحاضرين وهم صفوة متميزة من رواد ذلك المنتدي السنوي الشهير، حيث تنقل شاشات العرض وقائع الجلسة في أبهاء المبني الكبير الذي يعتبر مقراً لذلك اللقاء السنوي المهم. فوجئت بأن السيد «ريمون بار» يمثل نموذجاً متواضعاً للغاية في التعامل مع الآخرين، ولفت نظري أنه استعرض تاريخ حياتي الشخصية عند تقديمي بصورة تدعو إلي الدهشة، فقد أشار إلي تفاصيل كثيرة، فأمنت أن الرجال العظام يدرسون الشخصيات التي سوف يتعاملون معها قبل الالتقاء بها، وأذكر أن الجلسة كانت مثيرة وعاصفة، كما دار حوار طويل بيني وبين السفير الإيراني الشهير «جواد ظريف»، وهو واحد من ألمع مندوبي إيران الثورة الإسلامية في المنظمات الدولية. كما أن الحضور كانوا يمثلون حشداً كبيراً من شعوب العالم، وأذكر منهم رئيس جمهورية قبرص السابق، ومجموعة إسرائيلية مدربة تتحرك بشكل مدروس بين أروقة المنتدي، وقد تطرق النقاش يومها إلي الأصولية اليهودي والتشدد المسيحي والتطرف الإسلامي، وظل «ريمون بار» محتفظاً بهدوئه في أكثر اللحظات حدة في الحديث وتوتراً في الحوار، وبدا لي متعاطفاً إلي حد كبير مع أفكار الشرق وفلسفاته ودياناته. وليس ذلك غريباً علي مثقف فرنسي لعبت بلاده دوراً رئيسياً في صحوة المنطقة العربية، وإيقاظ الشخصية المصرية، وميلاد الدولة الحديثة فيها، وعندما انتهت الندوة جلست إلي السياسي الفرنسي الكبير علي مائدة الغداء ودار بيننا حديث طويل قلت له فيه.. إن «نابليون» هو أهم شخصية في التاريخ الأوروبي خلال القرن التاسع عشر، وأن «ديجول» هو واحد من أبرز الشخصيات العالمية في القرن العشرين، وسألته أن يفاضل بينهما، فذكر أن التأثير الحضاري والثقافي لغزوات «نابليون بونابرت» ومغامراته يختلف عن دور المنقذ الذي لعبه «شارل ديجول» في الأخذ بيد الأمة الفرنسية مرتين. الأولي في قيادته للمقاومة ضد النازي في الحرب العالمية الثانية، وكانت المرة الأخري عندما أنقذ سمعة فرنسا المتورطة في الوحل أثناء حرب التحرير الجزائرية، فبينما رحل «نابليون» مهزوماً وحبيساً في جزيرة «سانت هيلانة»، فإن «ديجول» قد قضي للقاء ربه بعد أن خذلته أصوات الفرنسيين في أعقاب «حركة الطلاب عام ١٩٦٨»، عندما لم تتحقق له نسبة من الأغلبية اشترط الحصول عليها لمواصلة قيادته فرنسا. إنه كبرياء الجنرال طويل القامة في وقت يظل فيه تأثير «بونابرت» قصير القامة، مذكوراً حتي الآن في تاريخ العلاقات الأوروبية والحملات الشرق أوسطية، ثم يبقي أيضاً «كود أوف نابليون» علامة مضيئة في تاريخ التشريعات المدنية المعاصرة، ولقد استمر التواصل بيني وبين السياسي الفرنسي إلي أن انقطع منذ سنوات، حتي فوجئت بالدولة الفرنسية تنعاه في الرابع والعشرين من أغسطس ٢٠٠٧، بعد أكثر من اثني عشر عاماً منذ لقائي الأول به. وأريد أن أسجل هنا أن الحديث إلي جيل السياسيين القدامي في أوروبا يجعلنا نشعر أنهم يفهموننا أكثر من غيرهم، لأنهم عايشوا الحقبة الاستعمارية وعاصروا تواجد دولهم في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بل إنني استمعت يوماً إلي السيد «كوف دي مورفيل» رئيس وزراء فرنسا الأسبق والذي كان سفيراً لفرنسا بالقاهرة، عندما قامت «ثورة يوليو ١٩٥٢»، وبهرتني تعليقاته العميقة حول الثورة والضباط الأحرار، إنه جيل عظيم مضي ولن يعود، رحم الله «ريمون بار» أستاذ الاقتصاد السياسي الذي لم يبحث عن الشعبية الزائفة، ولم يتبع الأساليب «الديماغوجية» الرخيصة، ولعب دوراً حاسماً في دعم السياسات الاقتصادية لبلاده في فترة حكم الرئيس الفرنسي الأسبق «جيسكار فاليري ديستان»، إنه حقاً واحد من آخر الساسة المحترمين!. [/align] |
رد: الدكتور مصطفى الفقى وهؤلاء
[align=center]«جاد الحق علي جاد الحق»
بقلم د.مصطفى الفقى ١٦/ ٨/ ٢٠٠٧ كان شيخاً للأزهر، شديد المراس، معتزاً برأيه، يتميز بصلابة في التمسك بما يؤمن به وما يقتنع بسلامته، عاش فقيراً، ومات فقيرا، لم يتربح من مناصبه وظل يعيش في شقته المتواضعة حتي رحل عن عالمنا، وعندما شعر الشيخ الراحل «محمد الشعراوي» بمعاناة شيخ الأزهر في صعود الدرج إلي شقته المتواضعة حاول أن يشتري له، من ماله الخاص، شقة بديلة يقيم فيها تتناسب مع سنه وظروفه الصحية، ولكن الشيخ «جاد الحق علي جاد الحق» اعتذر شاكراً، وظل علي تمسكه بأسلوب حياته الذي لم يتغير، وقد بدأ صعود نجم هذا العالم الراحل مع حكومة الدكتور «فؤاد محيي الدين»، رئيس الوزراء الأسبق، الذي سعي شيخنا إلي مكتبه ذات يوم شاكياً بعض أحواله الوظيفية وتأخر الترقية عنه، وعندما خلا منصب مفتي الجمهورية تذكره رئيس الوزراء الدكتور «فؤاد محيي الدين»، واستدعاه وعرض عليه المنصب، والحقيقة أن الحكومة المصرية كانت تعاني كثيراً عند شغل منصب الإفتاء، لأن الإقبال عليه كان محدوداً بسبب إحجام الكثيرين عنه لاحتمال خسارة مكافأة نهاية الخدمة، إذا كان المرشح له من رجال القضاء، كما أن الحياة الفكرية والثقافية قد عانت هي الأخري من بعض شطحات من تولوا ذلك المنصب الرفيع، الذي يتبع وزارة العدل، والذي احتله يوماً إمام التجديد والإصلاح والاستنارة الشيخ «محمد عبده» عندما جري فصل منصب الإفتاء عن مشيخة الأزهر في بدايات القرن العشرين. ونعود إلي شيخنا الجليل «جاد الحق علي جاد الحق»، الذي تولي المناصب الدينية العامة الثلاثة في مصر، وهي الإفتاء ووزارة الأوقاف ومشيخة الأزهر، واتسمت فترات شغله منصب شيخ الأزهر بالاستقرار والتأكيد علي استقلالية المؤسسة الدينية، مع الحرص الشديد علي أن يظل الأزهر بعيداً عن سيطرة الحكم، وأذكر أنني ذهبت إليه ذات مرة مبعوثاً للاستفسار من فضيلته حول أمر اتخذ فيه قراراً من قبل فأحسن الرجل وفادتي، وكان بسيطاً بشوشاً لا يخلو الحديث إليه من روح الدعابة الوقورة، ولكنه تمسك في نهاية الحوار بما رآه الأزهر، معبراً عن احترامه للجهة التي أوفدتني، ومتمسكاً في الوقت ذاته بما استقر عليه رأيه، كما أنه كان عازفا عن المجالس الخاصة، مبتعدا عن مناسبات التكريم والمنتديات الاجتماعية، محافظاً علي وقار الأزهر ومكانة شيخه وهي مكانة رفيعة لو تعلمون! لأن الشيخ يجلس علي مقعد جلس عليه أئمة من أمثال «المراغي» و«عبدالمجيد سليم» و«الخضر حسين» و«شلتوت» و«عبدالحليم محمود» وغيرهم من الكوكبة الرشيدة من علماء الإسلام، وقد ظل الرجل معتزاً بنفسه محافظاً علي كرامته حتي لحظة الرحيل، وسوف أظل أذكر له فضلاً لا أنساه، فعندما دعوت في شهر يناير ١٩٩٥ فضيلة الدكتور «محمد سيد طنطاوي»، مفتي الجمهورية ـ حينذاك ـ لعقد قران ابنتي الكبري تبركاً به وتفاؤلاً بشخصه، فوجئت قبل عقد القران بأيام قليلة بمكالمة من فضيلته، يعتذر فيها عن عدم عقد القران لسفره ومعه القس «صموئيل حبيب» رئيس الطائفة «الإنجيلية» في رحلة عمل لدعم الوحدة الوطنية المصرية بين أبنائنا في المهجر بالولايات المتحدة الأمريكية، وطلب مني فضيلة المفتي - إن شئت - تأجيل عقد القران حتي يعود فضيلته من مهمته، ولكنني شكرته، وعبرت له عن شعوري بأن تأجيل عقد القران ليس مدعاة للتفاؤل عند الكثيرين، وفي صباح اليوم التالي فوجئت بهاتف المنزل يدق ويقول المتحدث «السلام عليكم»، أنا «جاد الحق علي جاد الحق» شيخ الأزهر وأضاف: «لقد علمت أن عقد قران ابنتنا مستحق في العاشر من هذا الشهر، وشيخ الأزهر يريد أن يعقد القران بنفسه»! وكانت المفاجأة بالنسبة لي رائعة ومؤثرة في ذات الوقت، فقلت له هذا فضل كبير لم أجرؤ علي التفكير فيه، ومكرمة لن أنساها مدي حياتي، لأنني أعرف أن الشيخ لا يقوم بهذه المهمة إلا نادراً، وسألته ـ رحمه الله ـ في أي ساعة يكون عقد القران في مشيخة الأزهر؟ فأجاب: بل سيكون مجلس العقد في منزل والد العروس مثلما كنت تريد. وبالفعل حضر الشيخ الجليل إلي منزلي في الموعد المحدد، وظل يلاطف العروسين بعبارات طيبة وظهر معهما في صور تذكارية استأذنته في نشرها في الصفحة الأخيرة بـ«الأهرام» فلم يمانع، بل بدا مرحباً وكريماً. .. هذه سطور لعلاقتي بعالم جليل كان شيخاً للأزهر، حافظ علي مكانته، وعلا بسمعت، ابتغاء مرضاة الله وخدمة للإسلام والوطن. «يعقوب جووون» بقلم د. مصطفي الفقي ٩/ ٨/ ٢٠٠٧ كنت أسكن في شقة بالشارع الرئيسي لحي «سان جونز وود»، في العاصمة البريطانية، تقع في الدور الأول من البناية الكبيرة، حيث أقيم معرض سيارات «فولكس فاجن»، وذات صباح كنت أقوم بحجز موعد للخدمة الدورية لسيارتي الخاصة، وعندما دخلت صالون الانتظار وجدت أمامي وجهاً مألوفاً، أمعنت النظر إليه وأدركت من يكون، فبادرته قائلاً (هل أنت الجنرال «يعقوب جووون»، رئيس جمهورية «نيجيريا» السابق؟) فابتسم الرجل وأجاب: (أنا الجنرال «جووون»)، وكان قد أطيح به قبل ذلك بشهور قليلة بعد أن كان رجل «نيجيريا» القوي والحاكم الأفريقي المرموق، عندما كانت «لاجوس» لا تزال هي العاصمة قبل إنشاء مدينة «أبوجا»، وهو أيضاً سيد البلاد المتمرس في فترة حرب الانفصال في إقليم «بيافرا». وعندما غادر السلطة مكرهاً في مطلع السبعينيات من القرن الماضي، اعتبر كثير من المراقبين أن حاكماً أفريقياً مهماً قد خرج من دائرة الضوء بعد سنوات من سلطة الحكم ومسؤولياته. نعود الآن إلي الرئيس النيجيري السابق واللقاء معه، فبعد أن تعرفت عليه وقدمت نفسي إليه ودعوته إلي فنجان شاي في منزلي في الدور الذي يعلو صالة استقبال «فولكس فاجن»، استجاب الرجل بسرعة، لأن الحكام يعودون مستأنسين للغاية بعد رحيل السلطة وشحوب الضوء حولهم! وبالفعل جلسنا معاً أكثر من ساعة ونصف الساعة في منزلي، أنا ورئيس دولة سابق لم يمض علي إقصائه أكثر من عدة شهور، حيث اختار منفاه الاختياري في بريطانيا، والتحق بالدراسات العليا في إحدي جامعاتها المرموقة، وقد أذاع التليفزيون البريطاني صوراً للرئيس السابق، وهو يحمل «صينية طعامه» بيده، ويتحرك مع طابور الطلاب بلا تمييز أو تفرقة، فما أحلي الحياة العادية للبشر! وقد بدأ الرئيس النيجيري السابق يحكي لي ذكريات الحكم ويوميات السلطة، وقد قالوا قديماً «إن التاجر إذا أفلس بدأ يبحث في دفاتره القديمة»، فقال لي إنه مسيحي بالتبشير، نتيجة انضمامه في طفولته لمدارس الإرساليات الكنسية، رغم أنه ابن أسرة نيجيرية مسلمة وله أخت تدعي «فاطمة»، وهذه بالمناسبة ظاهرة أفريقية شائعة وهي تحول بعض العائلات، بل والقبائل، إلي المسيحية تحت إغراء المنح التبشيرية والإرساليات التعليمية، و«نيجيريا» عرفت شيئاً من ذلك حتي تراجعت نسبة المسلمين فيها بشكل ملحوظ في العقود الخمسة الأخيرة، وقد حكي لي الرئيس السابق كيف كان يحكم بلاده وكيف كان يتعامل مع خصومه، كما دافع بشدة عن نفسه أمام تهم الفساد السياسي والمالي المنسوبة إلي فترة حكمة، وبرر كثيراً من مواقفه الأفريقية والدولية، كما ظل متماسكاً وراضياً عن أدائه السلطوي، متحمساً لأسلوبه في إدارة البلاد، معترضاً علي ما تنشره وسائل الإعلام عنه وعن عهده بالكامل، ثم امتد الحديث بيننا عن مصر ومكانتها الأفريقية، ودورها في تحرير القارة، ومواجهة الحركات الانفصالية في بعض دولها، وقد لاحظت أنه يبدو كمن استراح من عبء السلطة، ولم تعد لديه رغبة في العودة إليها، وبدت لي طموحاته الدراسية، وقد استحوذت علي تفكيره بالكامل، وذلك هو حال الإنسان دائماً إذا حاز من المال كثيره، تطلع إلي السلطة، وإذا حاز السلطة فقد يتطلع لدور ثقافي وفكري. فهناك نوع من البشر يريد كل شيء، مع أن مقدار المتاح لكل مخلوق هو مقدار ثابت قد يأخذه علما أو مالاً أو صحة أو ذرية أو سلطة. وقد لا يكون لديه شيء من كل ذلك، ولكن تبقي لديه سعادة داخلية ليس لها مصدر!. ذلك درس أدركته من خلال متابعة آلاف الحالات الناجحة والفاشلة علي حد سواء. لقد درات بذهني كل هذه الأفكار وأنا شاب لم يبلغ الثلاثين وقتها، وبانتهاء جلسة الشاي الحميمة بيني وبين الرئيس النيجيري المخلوع، في شقتي بلندن، اكتسبت يومها صديقاً، واتفقنا علي مواصلة الاتصالات واللقاءات، خصوصاً أنه كان يدرس في جامعة قريبة من لندن التي أدرس فيها أيضاً لدرجة الدكتوراه، وقد عدت بعد اللقاء مسرعاً إلي مبني السفارة المصرية، حيث أعمل، وأعددت تقريراً عن أهم ما دار في اللقاء، متصوراً أنني قد حققت سبقاً دبلوماسياً مهماً، ولكن عندما جري إرسال التقرير إلي وزارة الخارجية، كان رد الأجهزة المعنية في القاهرة هو طلب توقف الدبلوماسي الشاب عن لقاء الرئيس النيجيري السابق، لأن أعين النظام النيجيري الجديد ترصد تحركات الرئيس «يعقوب جووون» في منفاه، وإذا علموا أن دبلوماسياً مصرياً من السفارة في لندن يقيم علاقة صداقة أو زمالة معه، فإن ذلك قد ينعكس سلبياً علي علاقات «القاهرة» و«لاجوس» في ذلك الوقت، ومع ذلك فإنني أعتبر تلك العلاقة العابرة بمثابة صفحة مطوية، أتذكرها عندما أرصد البشر وهم في السلطة وخارجها، وأتأمل الفارق بين الحالتين للإنسان الواحد. حاكماً مرة وطريداً مرات![/align] |
رد: الدكتور مصطفى الفقى وهؤلاء
[align=center]عبدالحليم حافظ»
بقلم د.مصطفى الفقى ٢/ ٨/ ٢٠٠٧ في مثل هذه الأيام من كل عام، نتذكر أغاني «عبدالحليم حافظ» في عيد الثورة المصرية، وهي أيام أعترف بأن الكثيرين من جيلي مرتبطون بها عاطفياً حتي ولو رفضوا نتائجها عقلياً. فعلاقتنا بزعامة «عبدالناصر» لا تزال كالحلم الجميل الذي كنا لا نريد أن نستيقظ منه، بينما نعترف أيضاً بأن «السادات» تحرك بواقعية - اتفقنا معه أو اختلفنا - علي نحو يضعه في خانة «رجل الدولة» الذي جاء بعد «زعامة تاريخية» ضخمة، لذلك فإن الأغاني الوطنية «لعبدالحليم حافظ» سوف تظل استكمالاً طبيعياً لأغانيه العاطفية، فكلاهما يمجد عاطفة الحب، سواء كان ذلك لحبيبته الغالية أو للمعشوق الأعظم، وهو الوطن الكبير. بل إنني أعترف هنا أنني كلما استمعت إلي أغنيته «صورة» عادت بي الذاكرة إلي منتصف الستينيات، ووضعتني في حالة شجن عاطفي ووطني بغير حدود، وعندما أستمع إلي «رسالة من تحت الماء» أو «قارئة الفنجان»، وقبلهما عشرات من روائع ذلك الفنان شديد الحساسية، الذي امتلك صوتاً ذكياً، وإن لم يكن قوياً، معبراً، وإن لم يكن سخي الموهبة، مؤثراً لأنه لفنان خرج من طين محافظة الشرقية، وتربي في ملجأ للأيتام، ودفع حياته ثمناً لمرض مصري شائع سببته دودة «البلهارسيا» حتي تكون حياته ومماته مرتبطتين بالأرض الطيبة ونيلها الخالد، وسوف تظل رحلة «عبدالحليم حافظ» مع المرض مأساة إنسانية فريدة، ولقد تعرفت عليه في مطلع السبعينيات من القرن الماضي بالعاصمة البريطانية عندما قدمتني إليه السيدة «عنايات الحكيم» شقيقة الإعلامي الكبير «وجدي الحكيم» - رفيق دربه وصديق عمره - وكان كلما جاء إلي «لندن» سأل عني، فسعيت إليه حيث كان يقيم في شقته بنفس الحي الذي أقيم فيه «سان جونز وود»، وما زالت لدي بعض منقولاته البسيطة التي صمم علي إهدائها لي عندما انتقل من شقته الأولي التي ما زال يعيش في نفس عمارتها الصديق «علاء بدراوي» بالعاصمة البريطانية، وما أكثر ما التقيت به أنا وزميلي الدبلوماسي المصري «محمد أنيس» الذي يشغل حالياً موقعاً مرموقاً في منظمة «اليونيسيف»، وكنا نري دائماً الحزن العميق يطل من عيني العندليب الأسمر، وكأنه يجتر دائماً ذكريات السنوات الصعبة قبل أن تبتسم له الدنيا التي لم ينعم بها طويلاً، لأن المرض داهمه في سنوات الشباب وما زلت أتذكر آخر لقاء لنا في يوم «سبت» كنت أتسوق فيه بمتجر «سيلفريدج» في لندن، فإذا بي ألتقي مصادفة بـ «عبدالحليم حافظ» وجهاً لوجه، حيث كان يشتري بعض المفروشات لاستكمال تأثيث شقته الجديدة، وعندما رآني اندفع نحوي وقال: «إنني وصلت أمس وكنت أطلب من سكرتيرتي السيدة سهير علي - وقد عملت بعد ذلك سكرتيرة للسفير المصري بعد رحيل العندليب - أن ترتب لقاء لي معك ومع محمد أنيس وهاهي الفرصة جاءت لأني أريد الآن أن أستطلع رأيك في أمر يتعلق بحالتي الصحية، فأنا أتعرض لعملية حقن لدوالي المريء كل عام لمنع النزيف المحتمل، ولكن هناك فرصة طبية جديدة يقدمها طبيب هولندي تقوم علي أساس إجراء جراحة تجعلني لا أحتاج إلي حقن الدوالي إلا كل خمس سنوات، فما رأيك في ذلك؟» فأجبته: «إنني أفضل الطرق التقليدية في التعامل مع الصحة ولا أميل كثيراً إلي المجازفة، وقد يكون الحقن السنوي المضمون أفضل من جراحة مجهولة العواقب»، ثم داعبته قائلاً: «إن وزنك قد زاد وهذه علامة تحسن في الصحة»، فأجاب ضاحكاً: «بل هي دليل علي تقدم في السن»، وكان يقترب وقتها من الخمسين فقط من عمره القصير نسبياً، الطويل فنياً، المؤثر إنسانياً، ثم استطرد يحكي لي عن حفلاته في المغرب وبعض الأغاني المرتبطة بالمناسبات الملكية لعرش «الحسن الثاني» وأولاده وأهميتها، رغم أنها غير معروفة للمستمع المصري، وتصافحنا علي أمل اللقاء بعد خروجه من المستشفي، ولم تمض إلا أيام قليلة إلا ومحطات التليفزيون البريطاني تقطع برامجها لتعلن في خبر عاجل رحيل أشهر «مغني» في الشرق الأوسط، فاندفع المصريون والعرب إلي فناء المستشفي في مظاهرة حزينة تعبر عن نهاية جيل من الطرب العاطفي والوطني، ويومها أرسل ملك المغرب طائرة خاصة لنقل جثمان الفنان الصديق، وأرسل الأمير «بدر بن عبد العزيز» طائرة أخري لنفس الغرض ولكن السلطات المصرية صممت علي أن تحمل طائرة مصر للطيران جثمان الفنان الذي غني للوطن والثورة، للحب والمرأة، للحاضر والمستقبل، لذلك سوف يظل اسمه مبعثاً لذكريات دفينة جمعتني فيها الظروف بذلك الفنان شديد الحساسية، الذي غني للهزيمة والانتصار، وردد القصائد والأشعار، وجعلنا نستغرق في سنوات الحلم الجميل، نحلق في سماوات الأمل ونعيش أروع سنوات العمر. زكريا محيي الدين بقلم د.مصطفى الفقى ٢٦/ ٧/ ٢٠٠٧ ونحن نحيي الذكري الخامسة والخمسين لثورة يوليو ١٩٥٢ فإننا نتذكر بعض ثوارها، ممن تركوا بصمات علي صفحة الحياة السياسية المصرية في النصف الثاني من القرن العشرين، ولقد اخترت من بينهم رجلا ترفع عن المهاترات، ولم ينزلق إلي حرب المذكرات، وآثر أن يطوي صفحة الماضي، وأن يمضي بقية عمره في شموخ وكبرياء، معتزلا الحياة العامة، فلم يقف تحت دائرة الضوء في العقود الثلاثة الأخيرة إلا مرة واحدة، عندما سلمه رئيس الدولة المصرية «ميدالية الثورة» في حفل تخريج إحدي دفعات الكلية الحربية منذ سنوات قليلة. وقصة هذا الرجل مع وطنه تثير الاحترام إلي حد كبير، فهو سليل عائلة معطاءة، قدمت للوطن شخصيات مرموقة، حيث يقف هو وابن عمه المناضل التاريخي خالد محيي الدين علي قمتها، وتليهما في الموكب الرائع أسماء أخري، مثل د. فؤاد محيي الدين رئيس الوزراء الأسبق، وصديقي العزيز الاقتصادي اللامع د. عمرو محيي الدين، بالإضافة إلي عبدالعزيز وصفوت محيي الدين وغيرهما، وصولا إلي آخر العنقود الدكتور محمود محيي الدين، لذلك فإن «كفر شكر» لا تباهي فقط بفاكهتها الشهيرة، ولكنها تباهي أيضا بذلك العقد الفريد الذي يرصع جيدها أمام غيرها من مدن الدلتا والصعيد، ومازلت أذكر غداة رحيل قائد الثورة جمال عبدالناصر، أن صحيفة «الأهرام» نشرت في مربع خاص عزاء منفردا من السيد زكريا محيي الدين، ينعي فيه رفيق النضال وشريك الثورة، ولا أظن أن ذلك كان عفو الخاطر، فالكاتب الكبير محمد حسنين هيكل، رئيس التحرير وقتها كان شديد اليقظة لما تنشره «الأهرام»، ولا يترك سطرا يرتبط بتلك المناسبة الحزينة دون أن يكون له مغزي رغم لوعته لرحيل الزعيم الذي قضي كالأسد الجريح، والأرض محتلة والوطن يقف في شجاعة ليبني حائط الصواريخ بعد حرب استنزاف باسلة هي من أمجد حروب الشعب المصري، وأكثرها تضحية وفداء. وأنا أظن أن الأستاذ هيكل كان يعبر فيما نشرته «الأهرام» عن رأيه الشخصي فيمن يخلف القائد، الذي مضي إلي رحاب ربه رغم أن زكريا محيي الدين كان قد ترك المواقع الرسمية قبل ذلك بعامين، وهو بالمناسبة وزير الداخلية الحازم وأبرز مؤسسي جهاز المخابرات المصري، ورئيس الوزراء القوي، والرجل الذي امتلك من الهيبة والاحترام ما جعله محسوبا علي اليمين الوطني قريبا في ذهن الناس من الغرب، حتي إنه كان مبعوث عبدالناصر إلي واشنطن في زيارة لم تتم، لأنها صادفت اليوم الأول في «حرب الأيام الستة»، ويجب ألا يغيب عن أذهاننا أن زكريا محيي الدين هو واضع خطة تحركات قوات الثورة ليلة ٢٣ يوليو ١٩٥٢، فهو رجل «عمليات» موهوب، ومخطط ذكي وعسكري رصين، وعندما وقعت الواقعة وظهر الرئيس عبدالناصر علي شاشات التلفزة، ليعلن لشعبه وأمته رسميا نبأ الهزيمة وتداعياتها فإنه رشح زكريا محيي الدين لخلافته، إما عن رغبة حقيقية في ذلك أو لحرق البديل في ظل يوم تعيس هو التاسع من يونيو ١٩٦٧ حتي كادت الجماهير تتطاول علي الوزير آنذاك السيد محمد فايق ـ وهو شخصية مرموقة استحوذت علي التقدير الأفريقي والعربي والمصري في آن واحد ـ لمجرد التشابه بينه وبين السيد زكريا محيي الدين، خصوصا في صلعة الرأس، وفي ظروف ظلام تلك الليلة الليلاء. ولعلي أسجل هنا أنني واحد من القلائل الذين شرفوا بالاستماع إلي ملاحظات موجزة من السيد زكريا محيي الدين مباشرة رغم عزوفه المعروف عن التعليق علي الماضي. ففي مطلع صيف ١٩٩٩، وأنا سفير لمصر في العاصمة النمساوية، اتصل بي زميلي سفيرنا في «براغ» لكي يبلغني أن السيد زكريا محيي الدين سوف يقضي عدة ساعات في مطار «فيينا» في طريق عودته إلي الوطن بعد أيام قضاها في إحدي المصحات، وأعطاني رقم الهاتف الخاص بالزائر الكبير، فاتصلت بالسيد زكريا محيي الدين، وأسعدني أنه كان يعرف شيئا عني، ثم سعيت إليه بالمطار في اليوم التالي، وقضيت إلي جانبه ساعات أشبع فضولي، وأتعرف علي رجل بقيمة ومكانة زكريا محيي الدين، وقد كان حاضر الذهن، قوي الذاكرة، متقد التفكير، ولا يحول بينه وبين الحياة العادية إلا ثقل الحركة في قدميه علي نحو يستعين فيه بابنته الفاضلة، التي كانت ترافقه في رحلته الاستشفائية. وأتذكر مما قاله أنه عندما انتهي من رسم خطة العمليات كتابة أمام جمال عبدالناصر ورفاقه عشية الثورة، فإن القائد مازحه بقوله «إن من حدد سير العمليات يتوهم أنه هو صانع الثورة الوحيد»، ولكن ذلك وغيره لم يمنع زكريا محيي الدين ابن البيت العريق وصاحب السجل النظيف من أن يتحدث عن جمال عبدالناصر بإكبار وتعظيم، رغم ما اعتري علاقتهما من شوائب، وما اقترن بها من صعود وهبوط أدي به إلي الانسحاب من المناصب الرسمية، والانزواء بعد عام من نكسة يونيو ١٩٦٧، التي كان مرشحا في أعقابها رئيسا لمصر، وهو أيضا الذي قاد تيارا قويا يعارض توجهات الاتحاد الاشتراكي بقيادة السيد علي صبري قبيل النكسة. تلك صفحة مطوية من تاريخ شخصية وطنية، اتسمت بالغموض أحيانا، واتهمت بالقسوة أحيانا أخري، ولكنها بقيت دائما علامة تاريخية في سماء الوطن والثورة معا. [/align] |
رد: الدكتور مصطفى الفقى وهؤلاء
أسامة الباز
بقلم د. مصطفى الفقى ١٩/ ٧/ ٢٠٠٧ عاد إلي مصر بعد سنوات قضاها طالباً للدكتوراه في الولايات المتحدة الأمريكية، وكان ذلك في أواخر عام ١٩٦٧ والشباب المصري ينزح إلي خارج وطنه، في أعقاب الهزيمة النكراء والأجواء الخانقة لنكسة يونيو التي أطبقت علي أنفاس جيل بالكامل وسحقته تحت وطأة الغضب والحزن والإحباط بعد سنوات المد القومي والحلم العربي، عاد إلينا ذلك الشاب المثقف الذي يتحدث الإنجليزية بلكنة أمريكية وفيه من حيوية النشاط السياسي الذي مارسه في الولايات المتحدة الأمريكية رئيساً لاتحاد الطلاب العرب، وفيه من انفتاح وليبرالية سنوات وجوده في الغرب، وفيه من تعددية مصادر المعرفة التي حازها من تجارب في حياته التي بدأها «وكيلاً للنيابة»، تمرس بحياة الشارع ومعاناة الناس، ثم التحق بالسلك الدبلوماسي في منتصف الخمسينيات وفقاً لدرجته التي وصل إليها في النيابة العامة، وقد ربطته حينذاك صلات مباشرة ببعض ثوار يوليو من الضباط الأحرار من خلال زملاء أخيه الأكبر الذي كان ضابطاً في القوات المسلحة، وقد رأوا في «أسامة الباز»، ذلك الشاب النجيب، رفيع الثقافة، غزير المعرفة، متوهج الذكاء، نموذجاً يلتقون به ويستمعون إليه، ويستعينون بخبراته، وظل في وزارة الخارجية لعدة أعوام، فيما كان يسمي بالإدارة العامة للأبحاث، حيث تولي موقعه إلي جانب رجل وزارة الخارجية القوي في ذلك الوقت السفير إبراهيم صبري - ابن أخت الزعيم الراحل مصطفي كامل - وذاع اسم أسامة الباز بين أقرانه، نموذجاً للجرأة والبساطة والكفاءة في وقت واحد، ومن خلال معايشتي له واقترابي منه علي مدي الأربعين عاماً الماضية، أستطيع أن أزعم أنه شخصية استثنائية بجميع المعايير، فهو ابن عالم أزهري من محافظة الدقهلية، تلقي دراسته الأولي في مدينة «دمياط» بحكم عمل والده في سلك التعليم، ومع ذلك فإن درجة تأقلمه - هو وشقيقه عالم جيولوجيا الفضاء «فاروق الباز» - مع مناخ الحياة الغربية، يوحي بالقدرة الرائعة علي التكيف الذكي من بيئة البيت الأزهري إلي طبيعة الحياة المختلفة تماماً في الغرب، كما أن إجادته الواضحة لقواعد اللغة العربية، لم تكن علي حساب تفوقه أيضاً في اللغة الإنجليزية، ولعل الكثيرين لا يعلمون أنه يتميز بخط جميل للغاية في اللغتين معاً، لقد جاءنا ذلك الشاب الرائع ونحن طلاب في معهد الدراسات الدبلوماسية بوزارة الخارجية في أجواء ١٩٦٧ وما بعدها، فإذا به يأتيناب العالم كله عندنا ونحن مبهورون به، مشدودون إليه، لقد أتحفنا بأساتذة مرموقين من أمثال جورج أبوصعب، وتحسين بشير، ويحيي العزبي، وعبدالوهاب المسيري، واستقدم لنا من رجال السياسية والفكر والثقافة والإعلام في العالمين الغربي والعربي، فهذا هو لويس عوض، وذلك هو أحمد بهاء الدين، ومعهما كوكبة من صفوة العقول في المنطقة كلها، فاستطاع أسامة الباز أن يربي أجيالاً في الخارجية المصرية، وأن تتكون له مدرسة دبلوماسية متميزة تجمع بين السياستين الداخلية والخارجية علي اعتبار أن كلاً منهما امتداد للأخري، وقد شرفت شخصياً، ولا أزال، بالانتماء إليها، وعندما اختارني للعمل في مكتبه فور عودتي من خدمتي في «الهند» ألمت به وعكة صحية طارئة، أرسل لي أثناءها كتاباً من مستشفاه، يطلب مني القيام بما أستطيع من أعماله والوفاء بما أقدر عليه من المسؤوليات الملقاة علي عاتقه، عندئذ سنحت لي الفرصة أن أعمل مباشرة مع رئيس الدولة، إلي أن عاد هو معافي من مرضه يواصل دوره، إلي أن التحقت أنا بمؤسسة الرئاسة سكرتيراً للرئيس للمعلومات بعد ذلك بعامين، وأريد أن يعلم الجميع أن شخصية أسامة الباز تقوم علي أسس أخلاقية رصينة، فما رأيته يوماً يدق أسفيناً في شخص، أو يطعن في مكانة غيره، فإذا سئل عن إنسان قال خيراً أو صمت، ولقد لاحظت دائماً إعزاز الرئيس مبارك له وتقديره لمكانته وفهمه لطبيعة شخصيته، وللدكتور أسامة الباز دائرة واسعة من المعارف والأصدقاء في أعلي المستويات عربياً ودولياً ما أتذكر الصورة الرئيسية في الصفحة الأولي في صحيفة «الأهرام» للرئيس الأمريكي السابق «جيمي كارتر» و«أسامة الباز» وحدهما يراجعان معا بعض ملفات الصراع العربي الإسرائيلي، فهو من أخبر الناس بتفاصيل القضية الفلسطينية ودهاليز السياسة العربية وطبيعة العلاقات المصرية الأمريكية ولقد سمعت بأذني حديثا لرئيسة وزراء بريطانيا السابقة «مارجريت تاتشر» وهي تشير إليه باحترام وإعجاب شديدين. إني أكتب عن «أسامة الباز» اعترافا بفضله علي جيلي كله وتقديرا لمدرسته في الدبلوماسية المصرية واعتزازا بدوره الوطني، فقد كان دائما هو المفاوض البارع طوال عمله في مجال العلاقات الدولية المعاصرة، ومن ثم فإنني أنضم إلي غيري من أبناء مصر وبناتها في تحية رجل عاش زاهدا في المناصب، مترفعا عن الصغائر، خادما أمينا للوطن، وعندما فكرنا هذه الأيام في تكريمه بمناسبة عيد ميلاده «الماسي» فإننا لم نجد مكانا أفضل من معهد الدراسات الدبلوماسية الذي علمنا هو فيه، إنه ذلك المعهد الذي تشرفت شخصيا بأن أكون مديرا له في مطلع التسعينيات من القرن الماضي، وعندما عرضت الفكرة علي مدير المعهد الحالي الدكتور «وليد عبدالناصر» سفيرنا القادم إلي العاصمة اليابانية تحمس للفكرة بحكم انتمائه أيضا لمدرسة «أسامة الباز» ضمن آخر جيل تربي علي يديه، وعرض مدير المعهد الأمر علي وزير الخارجية السيد «أحمد أبوالغيط» الذي سبقنا في حماسنا وقرر أن يطلق اسم «أسامة الباز» علي الدفعة الجديدة بالمعهد الدبلوماسي العريق، لذلك فإن هذه السطور هي تحية لمواطن مصري دخل إلي «المطارات» دائما مع العامة ولم يطلب يوما فتح «صالة كبار الزوار»، وركب «مترو الأنفاق» مع كل الطبقات المصرية، وتمشي وحيدا علي «شاطئ النيل» دون أدني حراسة، إنه نبت الأرض الطيبة وابن الكنانة البار الذي يتواصل دائما عطاؤه وتعلو دوما مكانته. أشرف مروان بقلم د.مصطفى الفقى ١٢/ ٧/ ٢٠٠٧ كنت أنتوي الكتابة عنه في ترتيبه، بين من عرفت ولكن رحيله المفاجئ ألزمني بأن أخرجه من «الطابور»، ليتقدم غيره خصوصا أن علاقتي به بدأت مع وصولي إلي «لندن» نائبا للقنصل عام ١٩٧١ بعد خمس سنوات من التحاقي بالسلك الدبلوماسي حيث كان أول رئيس لي هو السفير «محب السمرة» القنصل العام آنذاك- وهو بالمناسبة من أكثر الدبلوماسيين كرما وشهامة- وقد قدمني لسكرتير الرئيس «السادات» للمعلومات «أشرف مروان» ونظرا لتقارب السن بيننا فقد خصني د. أشرف بعلاقة متميزة بلغت حد متابعتي المادة العلمية الواردة من القاهرة والخاصة بتحضيره درجة الدكتوراه التي كان أحد مشرفيها العالم المصري الراحل د. أحمد مصطفي وزير البحث العلمي بعد ذلك. ويهمني هنا أن أقرر أن د. أشرف مروان الذي دخل دائرة المعلومات والثروة والسلطة في آن واحد مثلما هو الحال لأسماء أخري منها السيدان «كمال أدهم» و«عدنان خاشوقجي» وغيرهما فإن د. مروان كان من أكثر الناس خدمة للآخرين وحرصا عليهم ووفاءً لهم، وقد وظف اتصالاته العربية الواسعة لخدمة الاقتصاد والعسكرية المصريين ولعب دورا حاسما في مرحلة الإعداد لمعركة «أكتوبر» الظافرة. ولقد ذكر لي د. عبدالخالق حجازي رئيس وزراء مصر الأسبق ذات يوم أن أشرف مروان كان أحد العوامل الأساسية في دعم الخزانة والجيش المصريين والتمهيد للحظر البترولي أهم أسلحة حرب ١٩٧٣ إلي جانب توثيق العلاقة بين مصر وكل من السعودية وليبيا علي نحو يضعه في مصاف أبطال أكتوبر الذين يعتز بهم الوطن. وعندما تأتي الشهادة من رجل بحجم د. حجازي ومكانته الرفيعة ونزاهته المعروفة فإننا نضعها في مكانها الصحيح تكريما للراحل الذي مسح الرئيس مبارك عن اسمه ضباب الغموض والظلم وعندما قال كلمته الفاصلة «أشرف مروان كان وطنيا مخلصا لوطنه» فاستحق أن يلتف حول جثمانه علم مصر الخالدة، كما أن جنازته العزاء فيه مساء اليوم نفسه وقد حضرتهما كانا استفتاء رسميا وشعبيا علي مكانة الرجل ومدي الثقة فيه، وأذكر أنه عندما اختارني الرئيس مبارك لكي أشغل المنصب الذي كان يشغله د. أشرف مروان في عصر الرئيس السادات مع الفارق الكبير في نوعية الصلاحيات وطبيعة المسؤوليات فإنني تعاملت معه بمودة دائمة كانت هي امتدادا لموقف الرئيس الذي أعمل معه، والآن دعنا نتحدث عن «شرفات لندن» ودورها مع الشخصيات المصرية. خصوصا أنني شاهدت واقعتين كبيرتين هناك علي نفس النمط، فقد كنت أنا الذي اتصل به المرحوم د. «عبدالغفار خلاف» المستشار الطبي المصري الذي كان زميلاً لي في القنصلية العامة «بلندن» ليبلغني بأن جثمان الفريق «الليثي ناصف» قائد الحرس الجمهوري السابق والمرشح سفيراً في اليونان ملقي علي قارعة طريق «ميدافيل» بعد سقوطه من شرفة شقته في برج «ستيورات» والتي انتقل إليها قبل الحادث بيوم واحد، فسارعت إلي الذهاب لموقع الحادث ووجدت مأساة إنسانية حقيقية، زوجة منهارة تتحدث فيما يجب وما لا يجب، وتوزيع الاتهامات بلا وعي وابنتين حزينتين وظروف غامضة تحيط بالرحيل المفاجئ لواحد من أبطال حركة ١٥ مايو ١٩٧١، وبعدها بسنوات قليلة - وكنت ألملم أوراقي بعد حصولي علي الدكتوراه - اتصلت بي قيادة القسم الخاص في الشرطة البريطانية لأخذ رأيي في ملابسات مقتل العقيد «علي شفيق» المدير السابق لمكتب المشير «عبدالحكيم عامر» حيث وجد مقتولاً «بالشاكوش» في شقته بعد اشتباك مع قاتليه فقد كان ملاكماً سابقاً ولكن الكثرة تهزم القوة والشجاعة معاً. وأذكر أنني لاحظت أن الشرطة البريطانية تحاول استيفاء الأوراق وإغلاق الملفات حتي لا تتورط في تفاصيل لا تريد الغوص فيها، ولا أزال أتذكر أن السيد «شمس بدران» وزير الحربية السابق الموجود حينذاك في لندن قد اتصل بي وقال إنني أريد منك إجابة واضحة هل اغتيال علي شفيق سياسي أم جنائي؟ وأجبته بأن الأمر متداخل وغامض وقد كان السيد «شمس بدران» شديد الحذر في تعامله مع الآخرين ويأخذ بكل أسباب الحيطة في تحركاته بمنفاه الاختياري بإنجلترا، إنني أتذكر كل ذلك اليوم لكي أقول إن رائحة المؤامرة ليست بعيدة عن بعض حالات الرحيل المفاجئ للشخصيات الأجنبية المرموقة في العاصمة البريطانية وغيرها من المدن الغربية. ولكن حزني علي «أشرف مروان» سوف يلازمني لفترة طويلة، خصوصاً أنني التقيته في القاهرة قبل رحيله بأسابيع قليلة وكان حديثنا طويلاً عن مذكراته ورغبته في أن يضع شهادة د. «حجازي» في حقه نقلاً عني في مقدمة تلك المذكرات، ولست أنسي زياراتي للندن في خريف ٢٠٠٦ فعندما علم من الصديق د. «علاء الجندي» المستشار الثقافي المصري حينذاك أنني أزور المكتب كعادتي السنوية منذ حصولي علي الدكتوراه تحت إشراف إدارة البعثات المصرية ومقرها في العاصمة البريطانية، لست أنسي أن «أشرف مروان» عندما علم بوجودي هرع للقائي هناك في محبة تلقائية اتصف بها دائماً تجاه كل من يعرفه، لذلك سوف يظل رحيله المفاجئ لغزاً محيراً لا أظن أجهزة الأمن البريطانية قادرة علي حله أو حتي راغبة في ذلك. |
رد: الدكتور مصطفى الفقى وهؤلاء
كورت فالدهايم» بقلم مصطفى الفقى ٥/ ٧/ ٢٠٠٧ بعدما بدأت العمل في منتصف التسعينيات من القرن الماضي، سفيراً لمصر لدي النمسا، ومندوباً مقيماً لدي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وغيرها من المنظمات العاملة في فيينا، ساقتني طبيعة عملي إلي لقاءات متعددة في مناسبات اجتماعية مختلفة مع د. كورت فالدهايم، رئيس جمهورية النمسا الأسبق، وأمين عام الأمم المتحدة لدورتين متتاليتين. وتوثقت عري الصداقة بيننا، التي كان يغذيها حبه لمصر وشعوره العميق بالظلم من جانب إسرائيل واللوبي الصهيوني الدولي، الذي شن علي الرجل حملة قاسية استهدفت الإطاحة به من موقعه كرئيس لبلاده، بدعوي وجود ارتباطات له بألمانيا النازية وخدمته في جيشها، وهي تهمة عامة برعت إسرائيل في إلصاقها بكل من تريد معاقبته وإقصاءه عن موقعه، بينما السبب الحقيقي في معاملة الدولة العبرية للرئيس النمساوي العملاق، هي أنه كان أمين عام الأمم المتحدة، الذي دخلت اللغة العربية في عهده وبمباركة منه، كإحدي اللغات الرسمية العاملة في المنظمة الدولية الأولي. كما أن «فالدهايم» أيضاً هو أمين عام الأمم المتحدة، الذي استقبل الزعيم الفلسطيني الراحل «ياسر عرفات»، متحدثاً أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في منتصف سبعينيات القرن العشرين. وقد حكي لي الرجل كثيراً - بكبرياء مجروح ونفس حزينة - طبيعة الهجوم القاسي الذي تعرض له، إلي حد اعتباره شخصاً غير مرغوب فيه لدي الولايات المتحدة الأمريكية، الأمر الذي حرمه حق المشاركة في العيد الخمسيني للأمم المتحدة، رغم أنه كان أميناً عاماً لها، لأكثر من عقد كامل من الزمان. وقد وصلت درجة العلاقة بيننا إلي أنني كنت أقوم بتوصيله بسيارتي إلي منزله بجوار مقهي «موزارت» الشهير وسط العاصمة، كلما كانت لدينا مناسبة مشتركة في أمسيات «فيينا»، التي خدعتنا فيها «أسمهان»، عندما شدت برائعتها «ليالي الأنس في فيينا»! وكثيراً ما أسعدني ذلك الرجل بحضور جميع المناسبات في منزلي، الذي هو بيت الدولة المصرية في العاصمة النمساوية، الذي يقع علي هضبة عالية في قصر تاريخي، وفقني الله في الحصول عليه لبلادي، في مقابل الأبنية المصرية المتهالكة في العاصمة النمساوية قبل ذلك، ثم كانت المفاجأة الحقيقية عندما شرفني بطلبه أن أكتب مقدمة الطبعة العربية لكتابه «الرد»، الذي رحبت «دار الشروق» في القاهرة بطبعه ونشره في أنحاء العالم. وقد تعرضت في مقدمة طويلة للكتاب إلي تاريخ الرجل الناصع ومعاناته الطويلة، وكيف أنه استشهد في كتابه بعدد من اليهود الألمان المعاصرين له، والذين قرروا بوضوح وبصراحة أن «فالدهايم» بريء من تهمة خدمة «النازية»، ومع ذلك ظلت حملة إسرائيل مستمرة عليه، وقد آلمني كثيراً أن بعض العواصم العربية لم ترحب بزيارته لها، مجاملة لإسرائيل وابتعاداً عن المشكلات المحتملة من وجود «كورت فالدهايم» علي أرضها. رحل الرجل منذ أسابيع قليلة، ومع حزني علي رحيله وحيداً معزولاً تجددت عندي مشاعر التقدير والاحترام لأوروبي عظيم، واجه العواصف العاتية والرياح الكاسحة في شجاعة وثبات، ولا أزال أذكر حديثه عندما كنا نحتفل بعيد ميلاده الثمانين قرب نهاية التسعينيات من القرن الماضي، وكيف كانت كلماته قوية ومباشرة في خدمة سلام البشرية ورفاهية الإنسان، وقد كان يكرر علي مسامعي أنه مدين للدبلوماسي المصري الراحل «إسماعيل فهمي» - وزير الخارجية الذي ترك موقعه، بسبب قرار الرئيس الراحل «السادات» زيارة «القدس»، وهو أيضاً والد الدبلوماسي الرصين «نبيل فهمي»، سفير مصر في «واشنطن» - وقد كان «فالدهايم» يذكر دائماً أنه لولا «إسماعيل فهمي»، واتصالاته الواسعة في أروقة الأمم المتحدة، وتأثيره القوي علي وفود الدول المختلفة، ما تمكن ذلك الدبلوماسي النمساوي المخضرم من الوصول إلي الوظيفة الدولية الأولي في عالمنا المعاصر. ولقد ارتبطت في ذهني دائماً تلك المعاناة الحزينة لـ«فالدهايم» بمعاناة أخري، ولكنها تمتزج بروح الكبرياء لدي د. «بطرس بطرس غالي»، الذي كان أميناً عاماً للأمم المتحدة، وترك موقعه، بسبب غضب «واشنطن» منه بعد سماحه بإعلان تقرير مذبحة «قانا»، فضلاً عن غياب الكيمياء البشرية بين المصري الشامخ و«مادلين أولبرايت»، وزيرة الخارجية الأمريكية. وقد آمنت دائماً بأن «فالدهايم» و«بطرس غالي» وأمثالهما قد دخلوا التاريخ من أوسع أبوابه، بينما خرج الكثيرون من أضيق نوافذه. ************** الى هنا انتهت مقالات الدكتور مصطفى الفقى التى كتبها بجريدة مصر اليوم القاهرية حتى تاريخة ولكم تحياتى احمد المصرى |
رد: الدكتور مصطفى الفقى وهؤلاء
كل الشكر لك استاذ أحمد لطرح هذه المقالات للدكتور مصطفى الفقى
والتى نتعرف من خلالها على بعض من جوانب هذه الشخصيات المهمة عن نفسى كنت أجهل عنها كثيرا شكرا جزيلا لك تحيتى |
| الساعة الآن 07:07 AM |
Powered by vBulletin® Version 3.8.12 by vBS
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions Inc.