تأملوا معي هذه المعاني(الجزء الثالث)
آخر بند في الملكية : " وتَرزُقُ مَن تشاءُ بغيرِ حساب " ، قد يرزق الإنسان الضعيف ، وقد يُفقر القوي الذكي ، لذلك التجار يقولون ليس عند الله تاجر ذكي ، ومن دعاء المؤمنين على الكافرين " اللهم إجعل تدميرهم في تدبيرهم " فالكافر يدبر فإذا هو يدمر نفسه . ،ولا ينفع ذا الجد مِنك الجد .
هناك سؤال : هل يملك العبد بالتمليك ،أي لو أن إنسانا ملَّكك شيئا هل تملكه، كيف نناقش هذه الفكرة ؟ مالك هذه الدار ، هذه المركبة ، تملك أربع وعشرين قيراطا ، هذا كلام نقوله نحن ، وليس هناك غلط كبير في هذا الكلام ، العلماء قالوا بالحرف الواحد : الأصح أن الإنسان لا يملك ! لماذا ؟ لأن استقلاله بالتصرف في الغير فرع من كونه مستقلا في نفسه ، فإذا كان العبد لا استقلال له في نفسه وذاته البتة ، فكيف يكون مستقلا في تصرفه بالغير .؟ ولهذا قال ربنا عزوجل معلِّما رسولا ومن بعده عباده :
[الأعراف:188]
إذا كان النبي لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضَرَّاً ، أفيملك النفع والضُّر للآخرين ؟ الجواب :لا . من باب أولى ، إذا كنت عاجزا عن هداية ابني ! فهل بإمكاني أن أهدي ابنك ؟ مستحيل! فلذلك فالكلام القطعي والثابت أن الله سبحانه وتعالى هو الملك الحقيقي وأن الإنسان إذا ملك فهي ملكية مجازية فمثلا قد يقول لك مستخدم في وزارة الخارجية : والله عينَّا فلانا سفيرا ! هذا كلام مجازي ، إن الذي عين فعلا ، ليس المستخدم بل الوزير. أما في الحقيقة المطلَقة: الذي ملَّك هذا الإنسان هذا المنصب ، هو الله سبحانه وتعالى .
العبد مثلا متى يكون مسافرا ؟ إذا سافر سيده ، ومتى يكون مقيما ؟ إذا أقام سيده ، هل للعبد استقلال في حركته عن سيده ؟ لا ، إذن كلام قطعي: يجب أن تشعر وأنت تملك أوراق الملكية للبيت أن هذا البيت ملك الله عزوجل . في أية لحظة يمكن أن تبيعه ، قد يتعطل جهاز بالجسم ، فيقال لك : هذه العملية تكلفتها 800 الف ليرة ومصاريف سفر وإقامة ، وبالعملة الصعبة ، والنتيجة بيتك ثمن للعملية ، فتعرضه للبيع ، فسبحان مالك الملك ومثل آخر : كُلية تكلفة زراعتها 1000000 ليرة ، وكل شيء تملكه ثمن لهذه العملية، صمام القلب تكلفته 500 الف ليرة ، فالإنسان إذا عافاه الله فهو غني وغني بالمعنى الحقيقي .هناك موضوع دقيق بعض الشيء ، وقبل الوصول اليه ، يقول تعالى :
[النحل :75] إذا كان العبد مملوكا لا يقدر على شيء ، فهل يكون مالكا ؟ أي متصرفا في مُلك الآخرين ؟ هذا مستحيل ! لكن مابال الآية الكريمة تقول : "في بِضع سنين للهِ الأمرُ مِن قبلُ ومن بَعد،ويومَئذٍ يفرحُ المؤمنون" [الروم :4]
فتبصَّر يا أخي المؤمن ، الأمر دائما بيد الله فكيف نفسر قوله تعالى
[الإنفطار:19] الآن ، الأمر لله وفي آية أخرى :" للهِ الأمرُ مِن قبل ومن بعد وفي آية اخرى:" ثمَّ رُدُّوا إلى اللهِ مولاهمُ الحق،ألا لَهُ الحُكمُ وهو أسرعُ الحاسبين" [الأنعام:62] وفي آية اخرى :
[القصص:70]
وفي الدنيا لمن الحُكم ؟ أليس الحُكم لله ؟ بلى ، مثال آخر :
[هود:123]
[الشورى:53]
بيد من كانت إذن ؟ هنا العلماء وقفوا وقفة رائعة قالوا : الحقيقة أن الأمر بيد الله من قبل ومن بعد والحقيقة أن الحُكم لله دائما والحقيقة أنه إليه يُرجع الامر كله دائما . لكن الكفار الغافلون الشاردون الضعاف يرون أن الأمر بيد زيد أو عبيد في الدنيا والحُكم بيد فلان والأمر بيد فلان أما إذا كان يوم الدين ،ترى كل الخلائق قاطبة أن الأمر بيد الله وأن الحُكم لله وأنه الى الله تصير الامور ، فالبطولة أن ترى هذا الشيء في الوقت المناسب . إذن حتى الكفار والشاردون وحتى أعتى الكفرة سوف يرون أن الامر بيد الله وأن الحكم لله وأنه إليه يُرجع الأمر كله . ولكنهم في الدنيا لا يرون الله عزوجل ، يرون أولياء من دونه . يرون مراكز قوى في الحياة، هم يعبدونها من دون الله . ويوم القيامة يرون الحقيقة .
إذن القضية قضية وقت فقط ، إما أن ترى الحق في الوقت المناسب قبل أن يفاجئك الموت ...أو أن تراه يوم القيامة فيكون حسرة أية حسرة؛ إذن البطولة لا أن تنتظر الى أن ترى مع الآخرين الحقائق ، البطولة ان ترى الحقيقة في الوقت المناسب كي تستفيد منها .
هناك شيء آخر : لماذا لا يكون العبد مالكا مطلقا ؟ قيل : لأنه لا يستغني عن كل شيء : فلو فرضنا أن ملِكا عظيما يستغني عن كل أفراد رعيته ، فهل يستغني عن الهواء أو عن الماء أو عن الطعام أو عن الزواج؟ لذلك حين طلب هارون الرشيد الخليفة العباسي الذي ترامت أطراف دولته إلى أقاصي الدنيا . كأس ماء قال له وزيره وكان ذكيا يا أمير المؤمنين بكم تشتري هذا الكأس لو مُنع عنك ، قال : بنصف ملكي ، قال : فإذا مُنع اخراجه ، قال : بنصف ملكي الآخر ، قال إذن مُلكك يساوي كأس ماء .
في بعض متاحف القاهرة ملِك من فراعنه مصر الكبار اسمه توت عنخ آمون كُشفت مقبرته بأكملها ، كما دُفن معه طبعا من الذهب والحلي والاغراض ما لا سبيل لوصفه ، ولكن وقفت عند نقطة واحدة : أن هذا الملك مات شابا في الثامنة عشرة من عمره ، حيث إن التابوت قصير جدا والجثة قصيرة جدا ، قلت وقتها سبحان الله ! مهما كان الإنسان مالكا ولديه من الثروات مالديه تبقى الحياة بيد الله عزوجل ، فمصر كلها كانت بيده ، مقدرات مصر كلها بيده ، ومع ذلك توفاه الله في الثامنة عشرة من عمره ، فالمقبرة عامرة بالذهب وبشتى أنواع الحلي وبشيء تحار به العيون ومع ذلك مات في سن مبكرة . فما أغنى عنه ماله ولا رد الموت ملكه . إنه مُلك، ولكنه عارية(لم يستفِد منه) .
قال بعض الأمراء لبعض الصالحين وقد التقيا يوماً:" سَلني حاجتك ؟ فقال له الصالح : "أليِّ تقول؟!" قال الأمير: نعم ، قال الصالح : لي عبدان هما سَيِّداك . قال الأمير : ومن هما ؟ قال الصالح : الحرص والأمل؛ الحرص على الدنيا والأمل المديد هما عبدان عندي وهما سيداك ، فقد غلبتُهما وغَلَباك ، وملكتُهما ومَلَكاك.
فالإنسان يكون ملِكا اذا سيطر على شهواته .
بعض الصالحين قال : كنت أمر بعسفان فوقع بصري على امرأة جميلة ، فمال اليها قلبي ،فاستعنت بالله واتقيتُ ومررت ، فلما نمت تلك الليلة رأيت يوسف عليه السلام في المنام فقلت له : أأنت يوسف ؟ قال: نعم ، فقلت الحمد لله الذي عصمك من امرأة العزيز ، فقال لي: والحمد لله الذي عصمك من العسفانية .... هذا هو المُلك الحقيقي ،أي عندما تطيع الله عزوجل .
سيدنا يوسف لما جاء إلى قصر العزيز كان عبداً في القصر ثم صار بعد سنين ملِكا ، وكان يمر في موكبه بعد أن صار عزيز مصر،فرأته جارية كانت تعرفه منذ أن كان عبداً ، فقالت: سبحان الذي جعل العبيد ملوكا بطاعته وسبحان الذي جعل الملوك عبيداً بمعصيته!!!! فالحقيقة هي : من تحقَّق من مُلك سيده كأنه ملك كل ملك سيده .
حكي عن شفيق البلخي أنه قال : كان ابتداء توبتي أن رأيت غلاما في سنة قحط يمزح زهوا والناس تعلوهم كآبة ، فقلت له : ياهذا ما هذا المرح ؟ ألا تستحي ؟ أما ترى ما فيه الناس من المحن ؟ فقال لا يحق لي أن أحزن ولسيدي قرية مملوكة أدخر فيها كل ما أحتاج ، فقلت في نفسي: إن هذا العبد لمخلوق ولا يستوحش لأن لسيده قرية مملوكة، فكيف يصح أن أستوحش أنا وسيدي مالك الملوك فانتبهت وتبت - الغلام لقنه درسا في التوبة - إذن بعضهم يقول دبر أو لا تدبر ، فالمدبر هو الله سبحانه:
كن عن همومك مُعرضا وكل الأمور الى القضى
وابشر بخيرٍ عاجـــــــل تنسى به ما قد مضـــى
فَلَرُبَّ أمرٍ مُسخـــــــطٍ لك في عواقبه رضــــا
ولَرُبَّما ضاق المضيــــــق ولربما اتسع الفضـــــا
اللهُ يفعل ما يشـــــــاء فلا تَكُن معترضــــــا
اللهُ عوَّدَك الجميـــــــل فَقِسِ على ما قد مضــى
ولَرُبَّ نازلة يضيق بها الفَتَى ذرعاً نزلت وعند الله منها المخرج
ضاقَت فلما استحْكمَت حلقاتها فُرِجَت وكنت أظنُّها لا تُفرج
.
من آداب الإيمان بأن الله هو الملك ، أن يكون العبد بما في يدي الله أوثق منه مما في يديه ،
إذا أردت ان تكون أغنى الناس فكن بما في يدي الله أوثق منك مما في يديك ، إذا أردت ان تكون أقوى الناس فتوكل على الله
إذا أردت أن تكون أكرم الناس منزلة فاتَّقِ الله .
كان الحاتم الأصم صائما يوما فلما أمسى قُدِّم إليه فطوره فجاءه سائل فدفع ذلك الفطور إليه ،فحُمل إليه في الوقت ذاته طبق عليه كل ألوان الأطعمة فأتاه سائل آخر فدفع اليه كل ذلك ، ففتح بصره فإذا دنانير في الوقت نفسه بين يديه ، فلم يتمالك أن صاح : "الغوث من الخَلَف "(أي من التعويض بالخير). وكان في جيرانه من يسمى "خلفا " فتسارع الناس إليه وقالوا يا أخي لم تؤذى الشيخ وما زالوا به حتى جاؤوا به الى الشيخ وقالوا هذا خلف جاءك معتذرا ، فقال إني لم أعنيه إطلاقا إنما عجزت عن شكر الله عز وجل على ما يعاملني به من الخَلَف فكلما أنفقت شيئا أعطاني الله خيرا منه .
فمن عرف أن الملِك هو الله وحده : إستَنكف أن يتذلل لمخلوق ، وقال بعضهم : أيجمل بالحُرِّ أن يتذلل للعبيد وهو يجد من مولاه ما يريد؟ ، أطلب تعط ، يقول لك الله تعالى:كُن لي كما أريد أكن لك كما تريد" ، أيليق بك وقد عرفت أن الله هو الملك ولا ملك سواه أن تتذلل لسواه؟ من عرف الله لم يحتج إلى عون المخلوقين وفتنتهم وبذا تستغني عن الناس ، والاستئناس بالناس من علامات الإفلاس.
رأى بشر الحافي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في النوم فقال له: يا أمير المؤمنين عِظني ، فقال له : "ما أحسن عطف الأغنياء على الفقراء طلبا للثواب وأحسن من ذلك تيه الفقراء على الأغنياء ثقة بالله" .
فاذا وثقت بالله عز وجل الله لا يخيِّبك ،و من جلس إلى غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه.
قيل لبعض الشيوخ أوصني ، فقال : كُن ملِكا في الدنيا تكن ملكا في الآخرة ، فقال وكيف أفعل ذلك ؟ قال : ازهد في الدنيا تكن ملكا في الدنيا ، إستغنِ عن الرجل تكُن نظيره واحتج اليه تكن أسيره ، أحسِن اليه تكن أميره ،
سُئل الحسن البصري : بم نُلت هذا المقام ، قال : باستغنائي عن دنيا الناس وحاجتهم الى علمي .
قال سفيان بن عُيينة : بينما أنا أطوف بالبيت إذ رأيت رجلا وقع في قلبي أنه من عباد الله الصالحين ، فدنوت منه فقلت : هل تقول شيئا ينفعني الله به ، فلم يردُّ علي جوابا ، ومضى في طوافه فلما فرغ صلى خلف المقام ركعتين ، ثم دخل الحجر فجلس فجلست اليه، فقلت ياسيدي هل تقول لي شيئا ينفعني الله به ؟ فقال هل تدري ماذا قال الله عز وجل : أنا الحي الذي لا أموت هلمُّوا إليَّ أطيعوني أجعلكم أحياء لا تموتون - عند ربهم يرزقون - .
الانسان اول ليلة في قبره يقول الله عز وجل له : " عبدي رجعوا وتركوك وفي التراب دفنوك ولو بقوا معك ما نفعوك ولم يبق لك إلا أنا وأنا الحي الذي لا يموت " قال ألم تسمع ربك يقول : أنا الحي الذي لا أموت فإن اطعتموني جعلتكم أحياء لا تموتون في جنة عرضها السماوات والأرض ، أنا الملك الذي لا أزول هلموا أطيعوني اجعلكم ملوكا لا تزولون ملوك الدار الآخرة أنا الملك الذي اذا أردت شيئا قلت له كن فيكون، هلموا أطيعوني أجعلكم كذلك أي كلما دعوتموني أُجِبكم ، كلما سألتموني أعطيتكم انا عند ظنكم:" ولئن سألني أحدكم لأعطينه ولئن دعاني لأجيبنه" .
هذه بعض التعريفات والآداب والحدود في شأن اسم الله الملك ، والحمد لله رب العالمين .
============
توقيع : زهرة الياسمين
إجعل لربِّكَ كلَّ عِزَّك يستقرُّ ويثبت
فإذا اعْتَزَزْتَ بِمَن يموتُ فإنَّ عِزِّك ميِّت
|