في القاهرة، استقبلت الدبابات وفرق الجيش استقبال أبطال التحرير من طرف المتظاهرين، وشاهدنا محاولات التآخي مع الجيش، والذي تم استغلاله اعلاميا بشكل واسع. كما شاهدنا بعض العناصر من الشرطة ومن الجيش يرون بشاراتهم الرسمية ويلتحقون بالمحتجين. لكن في امكنة أخرى حدث العكس من ذلك، فقد فتحت المدرعات العسكرية النار على المتظاهرين القادمين لاستقبالهم. قائد الجيش المصري سمير عنان الذي قاد وفدا عسكريا الى الولايات المتحدة من اجل التباحث مع البانتاغون رجع فورا الى مصر يوم الجمعة. وقد قامت الجماهير الغاضبة في بداية الثورة باحراق العديد من سيارات شرطة والكوميساريات اضافة الى مقر الحزب الحاكم. كما تم احراق مقر الولاية نفسها في الاسكندرية، نفس الشيء حدث في المنصورة وفي دلتا النيل حدثت مواجهات عنيفة، خلفت العديد من قتلى. كما حاول بعض المتظاهرين احتلال مقر التلفزة لكن الجيش أبعدهم عنه بقوة.
وقد ظهر اخيرا الدكتاتور حسني مبارك على شاشات التلفزة وأخذ الكلمة للاعلان عن تعديل فريقه الحكومي في الغذ ووعد بتطبيق اصلاحات سياسية وإجراءات جديدة من اجل "الديموقراطية" مع التأكيد على الصرامة لضمان أمن واستقرار مصر كما يقول ضد مشروع زعزعة استقرارها. لكن هذه الإقتراحات لم تزد سوى غضب الجماهير الشعبية وتكرس ارادة المتظاهرين لاسقاط النظام.
تمرد الهامش وردود فعل الامبريالية
شكلت ثورة تونس نموذجا للمتظاهرين بمصر، لكن التحديات التي تواجهها البرجوازية العالمية غير متشابهة في البلدين. فتونس تظل دولة ذات حجم متواضع حوالي عشرة ملايين نسمة، ويمكنها أن تشكل بالنسبة للامبريالية أهمية خاصة مهما من الدرجة الثانية خاصة بالنسبة للامبريالية الفرنسية التي ساندت نظام الدكتاتور بنعلي حتى آخر لحظة. لكن ذلك ليس هو شأن التعامل مع ثورة الكادحين في مصر التي تضم 80 مليون نسمة حيث تشكل أكبر تجمع سكاني في المنطقة. كما أن مصر تحتل مكانة استراتيجية مركزية واساسية في الشرق الأوسط، خصوصا بالنسبة للامبريالية الأمريكية الصهيونية. فالرهان الاستراتيجي الامبريالي يصبح اساسيا هنا. فسقوط نظام الدكتاتور مبارك يمكنه أن يخلق انهيارا جهويا مثقلا بالنتائج، ومن أجل ضمان حماية الدولة الاسرائيلية وتوازن القوة ما بين الفصائل الفلسطينية وبين فتح محمود عباس واسلاميي حماس. فدولة مصر ظلت لحد الآن تشكل عامل استقرار مصالح الامبريالية في الشرق الأوسط.
نفس الشيئ، فإن التطور السياسي في السودان الذي يتجه نحو انفصال في جنوب البلاد يفترض ضرورة تواجد نظام مصري قوي خاضع للمصالح الامبريالية للولايات المتحدة الأمريكية. فمصر تشكل اذن حلقة اساسية في الاستراتيجية الأمريكية في اطار الصراع العربي الاسرائيلي منذ أربعين سنة والذي تهدد الثورة الجماهيرية بها ترنح العديد من الدول المجاورة، ومنها على الخصوص الأردن وليبيا واليمن وسوريا والمغرب. وتفسر هذه الخلفية قلق الولايات المتحدة اتجاه ثورة الكادحين في مصر والتي توجد في وضعية غير مريحة اعتبارا للروابط التي تجمعها بنظام الدكتاتور مبارك؛ وتجد الامبريالية الأمريكية نفسها مجبرة للعمل بكل حزم على التواجد في الصف الأمامي عبر التصريحات اليومية لبراك أوباما وكلنتون لمضاعفة الضغوط المباشرة على مبارك بهدف محاولة الحفاظ على استقرار البلاد وانقاد النظام قبل كل شيء وتحقيق نقل سلمي للسلطة لخدام جدد للامبريالة والذي يشكل البرادعي احداها. لأجل ذلك صرح أوباما للرأي العام انه تحادث نصف ساعة مع مبارك بعد خطاب هذا الأخير لكي يعمل اكثر على ارساء عوامل الثقة. وقد سبق لهيلاري كلنتون أن صرحت بأن "قوى النظام يجب أن تعمل على الكثير من ضبط النفس" وأن الحكومة عليها أن تعيد بسرعة شبكات الاتصال. وفي الغذ وتحت الضغط الأمريكي تم فرض عمر سليمان الرئيس القوي للمخابرات العسكرية والمكلف بالمفاوضات مع اسرائيل في الشرق الأوسط، نائبا للرئيس. انه استغلال لمكانة الجيش الشعبية لدى المتظاهرين ليبقى محايدا.
التمرد في باقي الدول العربية
تمردات أخرى حدثت في نفس الوقت في الجزائر واليمن والأردن. في الأردن تجمع 4000 متظاهر في عمان للمرة الثالثة في ظرف ثلاث أسابيع من أجل ال

على غلاء الأسعار والمطالبة باصلاحات اقتصادية وسياسية، والمطالبة على الخصوص باسقاط الحكومة. وقد قامت السلطات باقالة الحكومة والبرلمان وببعض الاجراءات الاقتصادية الصغيرة وبعض الاستشارات السياسية. لكن التظاهرات امتدت نحو مدن أخرى كاربيد والكرك.
كما أدى القمع في الجزائر الى سقوط خمسة قتلى وأكثر من 800 جريح. وفي وسط الجزائر تم قمع مظاهرة بشكل عنيف في 22 يناير. في تونس، لم يوقف سقوط الدكتاتور بنعلي لا حدة الغضب ولا ضخامة القمع: حتى في السجون، كما حدثت اغتيالات جماعية منذ هروب بن علي. التعديل الحكومي، الذي تم تأخيره عدة مرات، تم في يوم 27 يناير، حيث تم ابعاد الوزراء الأكثر تعاونا مع النظام السابق مع الاحتفاظ دائما بنفس الوزير الأول، الذي لم ينجح في تهدئة الخواطر. واستمر القمع البوليسي الوحشي للجماهير الرافضة للامر الواقع مما جعلالوضعية تصبح مبهمة.
انفجار تمردات الجماهير العفوية يؤكد نفاذ الصبر لدى الجماهير والتي نراها اليوم عازمة على انهاء البؤس والقمع الذي تفرضه هذه الأنظمة الكومبرادورية بتعاون وثيق مع الامبريالية. لكنها تؤكد أيضا ثقل الأوهام عبر محاولة حصر الثورة في مطالب "الديموقراطية البرجوازية" و"سموم التغني بشعارات الوطنية": حيث ترفع في مختلف التظاهرات، الأعلام الوطنية بنوع من الافتخار.
سواء في مصر أو في تونس انحرف غضب الكادحين المستغلين وهم على ارض معركة الانعتاق والثحرر من اجل بدائل وهمية تتلخص في الديموقراطية البرجوازية. ومن تم تحويل كراهية الجماهير اتجاه النظام نحو كراهية الدكتاتور مبارك رأس النظام(كما هو الشأن في تونس مع الدكتاتور بن علي) فبعد بلورة بعض المطالب الاقتصادية لمواجهة البؤس والعطالة في كل من تونس ومصر هاهو التعتيم الاعلامي البرجوازي يحول الأنظار نحو مطالب "ديموقراطية" بورجوازية والتي تشكل ديكتاتورية الأقلية. وسيتيح ذلك بطبيعة الحال لبرجوازية الدول "الديموقراطية" لكي توحي للطبقة العاملة، على الخصوص في المتربول بأن "انتفاظة الجماهير" في تونس ومصر ليست لها نفس الأسباب الأساسية للصراع الطبقي العمالي القائم لديها الذي ينتجه احتضار الرأسمالية العالمية، بل هو تطلعا لنفس الاستغلال السائد بها.
تطور الصراع الطبقي عالميا
هذا البروز القوي للغضب الجماهيري الاجتماعي الكبير الناجم عن تعمق الأزمة العالمية الرأسمالية في دول المحيط والتي تشكل بؤرا اساسية للتوثرات الامبريالية والاستنزافات الحربية، يشكل عنصرا سياسيا جديدا ستأخذه الامبريالية العالمية أكثر فأكثر بعين الاعتبار. فبروز هذه التمردات ضد ارتشاء المسؤولين الكبار الذين ملأوا خزائنهم من دماء الكادحين بينما تموت الأغلبية الكبرى من الجماهير جوعا، لا تشكل حلولا بحد ذاتها في هذه البلدان في غياب الأداة السياسية الطبقية للكادحين. لكن هذه الحركات تشكل مع ذلك مؤشرا عن نضج الصراعات الاجتماعية المستقبلية والتي ستنفجر بقوة حتى في الدول الامبريالية الأكثر تصنعا في مواجهة نفس المشاكل من قبيل انخفاض مستوى المعيشة، الفقر المتزايد، بطالة الشباب انسداد آفاق المستقبل أمامهم.
نفس التمرد ضد نظام امبريالي رأسمالي عالمي يحتضر، يقوده الشباب والطبقة العاملة في كل مكان فقد رأينا في أوروبا، نضالات الطلبة في فرنسا، وبريطانيا، وايطاليا وقد رأنا مؤخرا في 22 يناير 2011 في هولندا ، تجمع 20.000 طالب ومدرس في الشارع بلاهاي أمام مقر البرلمان ووزارة التعليم. لقد كان ال

ضد الارتفاع القوي لرسوم التسجيل في الجامعة والتي استهدفت بالدرجة الأولى الراسبون في السنة الدراسية (وهي وضعية الكثير من الطلبة العمال الذين يضطرون للعمل من أجل تمويل دراساتهم) والذين أصبح عليهم أن يؤدوا 3000 أورو اضافية في السنة، بينما المشاريع الموازانية المقبلة فتستهدف الغاء 7000 منصب شغل في قطاع التعليم. لقد شكلت هذه الحشود احد أهم التظاهرات في البلاد منذ 20. وقد تعرض المحتجون لقمع عنيف ووحشي من طرف الشرطة بأمر من التحالف البرجوازي الحاكم.
هذه الهبات الاجتماعية تشكل مؤشر تقدم مهم في مجال التطور الدولي للصراع الطبقي في جميع البلدان بين الأممية البروليتارية من جهة والاليغارشية الامبريالية من جهة اخرى، حتى وإن ظهرت الطبقة العاملة في البلدان المغاربية والعربية كطبقة غير واضحة، أو كقوة مستقلة، وتظل غارقة في حركة من ال

الشعبي يسهل توظيفها عبر شعارات "الديموقراطية والوطنية والشوفينية والظلامية" في غياب الأداة السياسية للطبقة العاملة ومن اجل الاشتراكية والديموقراطية الشعبية.
وفي كل مكان من العالم، تتسع الهوة بين من جهة طبقة مهيمنة، البرجوازية، والتي تمدد الاحتقار والغرور الوضيع لثرواتها، وفي المقابل الجماهير المستغلة التي تغرق أكثر فأكثر في الفقر والحرمان. هذه الهوة تدفع نحو التقريب والتوحيد في نفس المعركة ضد الرأسمالية بروليتاريو جميع الدول عندما لا تستطيع الجواب على ادانة أولائك الذين تستغلهم وعبر اجراءات جديدة للتقشف، وعبر ضرب الهراوات وبالرصاص الحي.
التمردات والمعارك الاجتماعية ستتخذ بشكل حتمي أشكالا مختلفة في السنوات المقبلة وحسب جهات العالم. قوة وضعف الحركات الاجتماعية لن تكون في كل مكان متشابهة . هنا، الغضب، القتالية والشجاعة سيكونان مثاليان. هنا، المناهج وجماهيرية المعارك ستتيح فتح آفاق أخرى وفرض علاقات قوة لفائدة الطبقة العاملة، القوة الوحيدة في المجتمع القادرة على اتاحة آفاق مستقبلية للانسانية. وعلى الخصوص، التمركز وتجربة البروليتارية المعبأة في معاركها في الدول الموجودة في قلب الرأسمالية ستكون محددة. وبدون التعبئة الجماهيرية لبروليتارية الدول في المركز، التمردات الاجتماعية في المحيط سيكون محكوم عليها بالعجز ولن يمكنها أن تتخلص من عجزها من هذه أو تلك من اجنحة الطبقة المهيمنة. فقط الصراع الدولي للطبقة العاملة ، تضامنها، وحدتها، تنظيماتها، ووعيها برهانات معارك سيمكنها أن تجر في تيارها جميع شرائح المجتمع، بهدف اسقاط الرأسمالية المحتظرة وبناء عالم جديد.
يا عمال العالم ويا شعوبه المضطهدة انتفظوا