|
رد: الثورة بين دعات الحق وعلماء السلطة
وأصبحت سنة هرقل وقيصر بديلا عن سنة أبي بكر وعمر؟!وقد عبر عن هذا التراجع سديف بن ميمون الأديب والخطيب الثائر على بني أمية في قوله: (اللهم صار فيئنا دولة بعد القسمة، وإمارتنا غلبة بعد المشورة، وعهدنا ميراثا بعد الاختيار للأمة…) وقد شاع مفهوم أنه لا يأتي زمان إلا والذي شر منه بين العامة والخاصة، فأدى ذلك إلى شيوع روح اليأس من الإصلاح، والخوف من المستقبل،والركون إلى الحاضر، وعدم الرغبة في التغيير كما حث على ذلك القرآن في قوله تعالى: {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} [الرعد: ١١ ] كما حالت هذه الروح دون الاستبشار بالمستقبل مع وجود الأحاديث الصحيحة التي تبشر بعودة الخلافة الراشدة على ج النبوة، وبظهور هذا الدين من جديد حتى يملأ الأرض عدلا بعد أن ملئت جورا… إلخ.
كما أدى فهم أحاديث الاعتزال من الفتنة كحديث: ((إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخاصة نفسك، ودع عنك أمر العامة))وغيرها من الأحاديث في هذا الباب - إلى شيوع الروح الفردية،يقول الإمام الثوري: من دعا لظالم بالبقاء فقد أحب أن يعصى الله ،وهنا يؤكد الإمام الجويني أن وجوب نصب الإمام حكم شرعي معلل بقصد حماية الدولة والقيام بمصالح الأمة بحراسة الدين وسياسة الدنيا، فإذا كان وجود الإمام يفضي إلى خلاف هذا القصد بحيث يؤدي إلى ضياع الدولة وحقوق الأمة ومصالحها،وجب شرعا خلعه، ونصب إمام قادر على القيام بما وكل إليه؛ إذ ترك الناس بلا إمام خير لهم من إمام يقطع طريقهم، ويسفك دماءهم، ويستحل محارمهم؛ إذ الإمامة إنما وجبت لغير هذا القصد، وقد نص كثير من علماء السلف على مهمة الإمام التي هي أقل ما يجب عليه القيام ;410;ا لتجب عليهم ;410;ا الطاعة، له كما قال علي بن أبي طالب –رضي الله عنه -: (حق على الإمام أن يحكم بما أنزل الله، وأن يؤدي الأمانة، فإن فعل ذلك كان حقا على المسلمين أن يسمعوا وأن يطيعوا ويجيبوا إذا دعوا)،وشاع مفهوماسمع وأطع وإن ُأخذ مالك وضرب ظهرك) ، وحمل هذا اللفظ مالا يحتمل،بل صار بعد ذلك أصلا من أصول الاعتقاد، بل هو السنة والإجماع ومن خالفه رمي بالابتداع؟! مع أن الحديث يمكن أن يحمل على وجوب الطاعة للإمام حتى لو أقام الإمام الحد على المسلم، أو قضى عليه لخصمه من ماله بالحق، ولا يكون ذلك ذريعة للخروج عليه، أو ترك طاعته فيما فيه طاعة لله ورسوله، وفتح الطريق على مصراعيه للاستبداد السياسي، والظلم، وتعطيل الحدود والحقوق، وهذا الحديث جزء من حديث حذيفة بن اليمان في الفتن، وقد رواه مسلم عنه ليس فيه هذا اللفظ وقد استدركه عليه / إلا في رواية أبي سلام الحبشي في صحيح مسلم، ح رقم ( ١٨٤٧الدارقطني في الإلزامات والتتبع ح رقم ( ٥٣ ) وقال: (هذا عندي مرسل، أبو سلام لم يسمع من حذيفة). وقال المحقق في الحاشية: (فهذه الزيادة ضعيفة لأنها من هذه الطريقة المنقطعة) وكذلك جاءت هذه الزيادة في رواية سبيع بن خالد أو خالد بن خالد اليشكري كما عند أبي داود، ح رقم ( ٤٢٤٤ ) إلا أن سبيعا هذا قال عنه الحافظ: (مقبول) فلا يقبل منه مثل هذا التفرد في حديث مشهور عن حذيفة.كما أن الراوي عنه مجهول، وقد قال الألباني عن هذه الراوية إسناد ضعيف)/ في السلسلة الصحيحة وهنا يكمن الفرق الجلي بين نصوص الشارع التي جاءت لكل زمان ومكان،وأقوال الأئمة التي هي فهم لهذه النصوص، ومراعاة لكيفية تطبيقها على الوجه الصحيح في عصرهم، فلا يمكن لأقوالهم مهما اجتهدوا أن تكون كنصوص الشارع التي هي وحي جاء لكل أهل عصر، فلم يقل الشارع (كونوا مع من غلب) لقد كان المنع من الخروج حكما معللا، وهو أن يأمن الناس، وتقام الحقوق والحدود والجهاد… إلخ، فإذا فاتت هذه المقاصد فلا معنى للمنع من إسقاط السلطة –إذا استطاعت الأمة – ولهذا فالتحقيق هو الجمع بين النصوص وعدم ضرب بعضها ببعض، بل العمل بها كلها حسب الإمكان، مع مراعاة المصالح الكلية والمقاصد الشرعية كما قال العلامة المعلمي: (كان أبو حنيفة يستحب أو يوجب الخروج على خلفاء بني العباس؛لما ظهر منهم من الظلم، ويرى قتالهم خيرا من قتال الكفار)إلا أن هذا كله لم يحل دون انحلال الدولة، وسقوط الأمة، وضياع دار الإسلام على يد الاستعمار الذي جاء فوجد شعوبا قد تم تغييبها عن واقعها، تنتظر السلطان يدفع عنها، بعد أن تنازلت له عن حقوقها قرونا طويلة باسم الدين وباسم السنة،ليعبث العابثون ويسخر منها الساخرون؟! وعلماء الزور يروجون لمشروعية الاستبداد وعدم وجوب الشورى، وجواز توارث الحكم،وحرمة الخروج على السلطة مهما بلغ انحرافها وفسادها،ومهما سفكت من الدماء،ومن هنا نعلم أن التظاهر ليس خروجا بحال من الأحوال لأن علماؤنا يعرفون الخروج الذي يأخذ معنى البغي هو :الخروج علي الإمام الحق بغير حق،فلو خرجوا علي الإمام الحق-وهو الذى اختارته الأمة عن طواعية وقام بحفظ الدين وسياسة الدنيا- بحق لا يعدوا بغاة،فهل الظالم المتحكم في مقدرات الأمة والذي والي أعداؤها ونهب ثرواتها وأجرم في حق أبناؤها إمام حق سبحانك هذا بهتان عظيم فالواقع أن الحاكم هو الذى خرج علي إجماع شعبه وخرج علي منهج ربه وخرج عن مقتضيات وظيفته التي حددها الشرع ،فضلا عن أن هناك شروط للخارجين حتي نصمهم بذلك أنه لابد لهم من شوكه أى أنهم يحملون السلاح ولهم رئيس مطاع يقود تمردهم ضد الحاكم الشرعي فهل المتظاهرون كذلك؟ أم هو التشويه المتعمد لإيجابية الشعب هذا أمر والأمر الآخر هل الخروج على ظلم الحاكم ممنوع شرعا ؟ نورد الأدلة والقارئ يحكم بعدها فالقاعدة أن القول بحجته وليست بجلالة قائلة.
حكم الخروج
يقول ابن حجر (وقولهم كان يرى السيف يعني كان يرى الخروج بالسيف على أئمة الجور وهذا مذهب للسلف قديم لكن استقر الأمر على ترك ذلك لما رأوه قد أفضى إلى أشد منه ففي وقعة الحرة ووقعة ابن الاشعث وغيرهما عظة لمن تدبر وبمثل هذا الرأي لا يقدح في رجل قد ثبتت عدالته واشتهر بالحفظ والاتقان والورع التام.......وهذا النص الجلى من ابن حجر يوضح لك ان الخروج على ولاة الجور كان مذهب ثابت للسلف من قديم ، وان عدم الخروج لم يكن عقيدة ثابتة عندهم كما يدعى جمهرة من المتأخرين ، بل الخروج على الجائر هو الاصل وان قولهم بعدم الخروج بعد ذلك انما هو فتوى لدفع أعظم المفسدتين ،لهذا نرى أبا حنيفة tمن أجود الناس رأيا في هذه المسألة كعهدنا به من فقيه لا يجاريه احد من الأئمة كما صرح بذلك الشافعي tفقد كان أبو حنيفة tيرى الخروج ، وهذا ثابت عنه كما في أحكام القران للجصاص ج1 وقد ساعد أبو حنيفة زيدا في خروجه وأمده بالمال وكان ينصح الناس ويأمرهم بالوقوف إلى جانبه وفى هذا الوقت الدقيق كان أبو حنيفة يجهر بأفكاره في قوة وثبات فالمشهور من مذهبه جواز قتال حكام الجور والظلمة، والقول بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالسيف. وننقل ما ذكر الإمام الجصاص – رحمه الله – عن أبي حنيفة في هذا المسألة، وقد رد الإمام الجصاص وأغلظ القول على من أنكر على أبي حنيفة مذهبه في الخروج على أئمة الجور وقولهم بأن أبى حنيفة يرى إمامة الفاسق فقال: "وهذا إنما أنكره عليه أغمار أصحاب الحديث الذين بهم فُقِد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى تَغلب الظالمون على أمور الإسلام، فمن كان هذا مذهبه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كيف يرى إمامة الفاسق". ولقد أيد الإمام أبو حنيفة وساعد كل من خرج على أئمة الجور في عصره، ورأي أبو حنيفة واضح جلي أنّ الجهاد لتخليص الناس والمجتمع المسلم من سطوة الحاكم الجائر المبتدع أفضل من قتال الكفار الأصليين. وكذلك ذكر الجصاص أن كبار التابعين قد نابذوا الحجاج بالسيف، وقد ذكر أبن أبي يعلى في ذيل طبقات الحنابلة عن الإمام أحمد في رواية : " من دعا منهم إلى بدعة فلا تجيبوه ولا كرامــة ، وإن قدرتم على خلعه فافعلوا ".والمشهور من مذهب الإمام أحمد ، تحريم خلع الإمام الجائر ، غير أنه يمكن التوفيق بأن قوله بالتحريم يحمل على عدم القدرة لأنه حينئذ فتترجح المفسدة ويبقى الظلم بل قد يزداد .ومن علماء الحنابلة الذين ذهبوا إلى القول بخلع الجائر ، ابن رزين ، وابن عقيل ، وابن الجوزي ، رحمهم الله .وقد نقل العلامة محمد بن إبراهيم الوزير اليماني - رحمه الله - في هذه المسألة كلاماً نفيساً لأئمة السلف في كتابه العواصم والقواصم : " قال القاضي عياض : ( لو طَرَأَ عليه كفرٌ،أو تغييرٌ للشرع،أو بدعةٌ،خرج عن حكم الولاية،وسقطت طاعته،ووجب على المسلمين القيام عليه،ونصب إمام عادل إِن أمكنهم ذلك،فإن تحققوا العجز ، لَم يجب القيام (صحيح مسلم شرح النووي 12\229).انتهى فإذا عرفت هذا ، تبيّن لك أنهم لا يعيبون على مَن خرج على الظلمة،لأن جوازه منصوص عليه في كتب فقههم،ولو كان محرماً عندهم قطعاً،لم يختلفوا فيه،
|