اهلا بك اخي محمد نورت
ارجو قبول هذه الأضافة مني
حول قراءة الفاتحة خلف الإمام
فهذه المسألة من المسائل الخلافية الشهيرة ، وقد تشعبت فيها آراء العلماء إلى 4 أقوال رئيسية :
أولا : قول أبي حنيفة ، رحمه الله : بأن المأموم لا يجب عليه القراءة خلف الإمام سواء في السرية أو الجهرية ، وظاهر كلام البهوتي الحنبلي ، رحمه الله ، في منتهى الإرادات 1/248 ، يؤيد هذا القول ، وفيه :
ويتحمل إمام عن مأموم قراءة الفاتحة ، فتصح صلاة مأموم بدون قراءة لقوله تعالى :
(وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا) ، وحديث أبي هريرة مرفوعا :
(إنما جعل الإمام ليؤتم به ، فإذا كبر فكبروا ، وإذا قرأ فأنصتوا) ، رواه الخمسة إلا الترمذي وصححه أحمد في رواية الأثرم ، فلولا أن القراءة لا تجب على المأموم بالكلية لما أمر بتركها من أجل سنة الاستماع ، وحديث :
(من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة) ، رواه سعيد وأحمد في مسائل ابنه عبد الله والدارقطني ، وهو إن كان مرسلا ، فهو عندنا حجة . اهــــــ
والبهوتي ، رحمه الله ، احتج بآية ، لا تمنع القراءة في سكتات الإمام ، وهو ما أكده بعد ذلك بقوله : وسن لمأموم أيضا أن يقرأ الفاتحة وسورة حيث شرعت السورة في سكتاته . اهــــــ
وكذا حديث أبي هريرة ، بمفهومه ، لا يمنع القراءة خلف الإمام ، في سكتاته ، لأنه علق الإنصات على قراءة الإمام ، وعليه فلا مانع من القراءة بعد فراغ الإمام من قراءته .
وأما استدلاله بحديث : (من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة) ، فقد أقر بنفسه أنه مرسل ، والمرسل من أنواع الضعيف ، وسيأتي إن شاء الله ، مناقشة هذا الدليل بالتفصيل لأنه أصرح أدلة القائلين بعدم وجوب قراءة المأموم خلف الإمام ، وإن لم يكن أصحها ، ويكفينا في هذا المقام أنه معارض بأدلة أقوى منه ، منها ما رواه الجماعة من حديث عبادة بن الصامت ، رضي الله عنه ، مرفوعا : (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) .
وقوله ، رحمه الله : وهو إن كان مرسلا ، فهو عندنا حجة ، ليس على إطلاقه ، كما قرر الحنابلة ، رحمهم الله ، فهو حجة ، مقدم على آراء الرجال ، إذا لم يكن في الباب غيره ، وإما إذا عارضه ، ما هو أقوى منه ، كما هو الحال في هذه المسألة ، فهو غير معتبر ، بل إن الناظر المتأمل ، يجد أن أحمد ، رحمه الله ، إنما عنى بالضعيف الذي يقدم على آراء الرجال ، الحديث الحسن ، في اصطلاح المتأخرين ، وليس المرسل حسنا ، إلا إذا عضد بما يقويه ، فأين المقوي هنا ؟ .
ثانيا : قول مالك ، رحمه الله : بأن المأموم يقرأ معه فيما أسر ، ولا يقرأ معه فيما جهر به ، وهذا ما عرف عند المالكية ، رحمهم الله ، بمسألة السكوت إلى بدل ، في حالة الإنصات لقراءة الإمام ، والسكوت لغير بدل ، في حالة إسرار الإمام بالقراءة ، أو عدم سماعه ، فهنا يلزم المأموم أن يقرأ .
ثالثا : قول أحمد ، رحمه الله ، وهو قول مشابه لقول مالك ، إن لم يكن مطابقا له ، حيث أوجب القراءة إذا لم يسمع الإمام ، ولا يقرأ إذا سمع ، فعلق الأمر على قراءة الإمام .
رابعا : قول الشافعي ، رحمه الله ، وهو يرى الوجوب مطلقا ، في الجهرية والسرية ، واختاره البخاري ، رحمه الله ، وذكر الترمذي ، رحمه الله أن العمل على هذا الحديث (أي حديث عبادة المتقدم) ، عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين ، وهو قول مالك بن أنس وابن المبارك والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق يرون القراءة خلف الإمام) ، وقد أجمل الترمذي القول في هذه المسألة ، ومقصوده كما يقول الشيخ عادل بن يوسف العزازي ، حفظه الله في تمام المنة في فقه الكتاب وصحيح السنة : أن هؤلاء الأئمة كلهم يرون القراءة خلف الإمام إما في جميع الصلوات ، أو في الصلاة السرية فقط ، وإما على سبيل الوجوب أو على سبيل الاستحباب ، كتاب الصلاة (1/115) .
واختاره الخطابي ، والبيهقي ، والنووي رحمهم الله ، من الشافعية ، قال النووي :والذي عليه جمهور المسلمين القراءة خلف الإمام في السرية والجهرية . واختاره ابن حزم ، رحمه الله ، و من تابعه من الظاهرية ، رحمهم الله .
وممن اختاره من المعاصرين :
الشيخ سيد سابق ، رحمه الله ، في فقه السنة (1/95 _ 96) ، وساق له 7 أدلة ، من أبرزها :
حديث عبادة بن الصامت المتقدم ، وحديث أبي هريرة ، رضي الله عنه مرفوعا : (من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن ، وفي رواية : بفاتحة الكتاب ، فهي خداج هي خداج غير تمام) ، وقد علق عليه الخطابي ، رحمه الله ، بقوله : هي خداج : أي ناقصة نقص بطلان وفساد ، وحديث : (لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب) ، عند ابن خزيمة وابن حبان وأبو حاتم ، وحديث : (لا تجزئ صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) ، عند الدارقطني ، رحمه الله ، بإسناد صحيح ، وحديث أبي سعيد الخدري ، رضي الله عنه ، مرفوعا : أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر ، وفي بعض طرق حديث المسيء صلاته : (ثم اقرأ بأم القرآن) ، إلى أن قال له : (ثم افعل ذلك في كل ركعة) ، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ الفاتحة في كل ركعة من ركعات الفرض والنفل ، ولم يثبت عنه خلاف ذلك ، ومدار الأمر في العبادة على الاتباع ، فقد قال صلى الله عليه وسلم : (صلوا كما رأيتموني أصلي) ، رواه البخاري . اهـــــ ، ومعلوم عند الأصوليين ، أن فعل النبي صلى الله عليه وسلم يحمل على الاستحباب ، إلا في بيان الواجب المجمل ، فإنه يحمل على الوجوب ، وفعل الرسول عليه الصلاة والسلام ، هنا في بيان الصلاة الواجبة التي أتى الأمر بها مجملا في الكتاب .
واختاره ابن باز وابن عثيمين ، رحمهما الله .
واختاره الشيخ محمد الشنقيطي ، حفظه الله ، واستدل بحديث أبي هريرة المتقدم : (من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن ، وفي رواية : بفاتحة الكتاب ، فهي خداج هي خداج غير تمام) ، وحديث : (لعلكم تقرؤون خلف إمامكم ؟ ، قالوا : نعم ، قال : لا تفعلوا إلا بأم القرآن ، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها) ، وفي هذا الحديث رد صريح على من قال بوجوب الاستماع لقراءة الإمام مطلقا .
تحيتي لك