عرض مشاركة واحدة
قديم 15-08-10, 03:35 PM   #3
 
الصورة الرمزية okkamal

okkamal
المشرف العام

رقم العضوية : 2734
تاريخ التسجيل : Apr 2005
عدد المشاركات : 14,839
عدد النقاط : 203

أوسمة العضو
لاتوجد أوسمة لـ okkamal
رد: تراجم أهل العلم


ويبين أهمية تصحيح التاريخ فيقول: "أنا مؤمن من صميم قلبي أن رسالة الإسلام جديرة بأن تستقبل من مظاهر العظمة في تهذيب الإنسانية أبهر وأزهر مما كان لها في الماضي ولن تستوفى هذه الرسالة مهمتها إلا بإرجاع الإنسانية كلها إلى نظام الفطرة الطاهرة وذلك متقف على شيء واحد هو أن يعرف العرب والسلمون من هم وممن هم وما هي رسالتهم في الحياة. ولن يكون ذلك إلا إذا بنوا مناهج تعليمهم وأسس ثقافتهم ومعالم أدبهم على هذه المعرفة والإيمان بلوازمها وتعميم طريقهم نحو أهدافها. ورأس ذلك وعموده تصحيح تاريخ العروبة والإسلام وتجريد مما دس فيه. لقد كان محب الدين رحمه الله فخورا جدا بأمجاد الإسلام ومفاخر المسلمين وكان يحزن كثيرا لبقاء بلك الأمجاد والمفاخر بعيدة عن أذهان الشباب المسلم خاصة والمسلمين عامة, وله في مجال تخليد الأمجاد الإسلامية وإظهارها بثوبها القشيب اللائق عمل عظيم لا يجوز أن يذكر محب الدين إلا ويذكر معه, هذا العمل العظيم هو ديوان مجد الإسلام للشاعر الكبير أحمد محرم, وقصة هذا الديوان يلخصها محب الدين رحمه الله في مقدمة الديوان بما مضمونه باختصار: لقد كان يقرأ في المدارس العثمانية شيئا من اللغة الفارسية وآدابها من جملة مقرراتها، وكان أستاذ تلك اللغة يبالغ أمامهم في وصف (الشاهنامة) للفردوسي، وبيانها المنظوم المعجز, ويحدثهم عن صاحبها وكيف أنه أحاط بتاريخ الفرس القديم ثم اتصل بأحد ملوكهم فأعطاه جناحا في قصره وكلفه بأن ينظم أمجاد الفرس فأقام في ذلك القصر ثلاثين عاما وهو ينظم الشعر الرائع في أمجاد فارس حتى بلغت الشاهنامة وهي الديوان الذي وضعه لذلك (ستين ألف بيت). كان يسمع محب الدين ذلك ويقول: "أليس في دنيا العروبة والإسلام من يقوم للعروبة والإسلام بمثل هذا العمل الأدبي الكبير ليتعرف شبابنا إلى أكمل قومية برأها الله في الدهر الأول وأعدها للقيام بأكمل رسالات الله, أيكون للمجوسية وظلمات الظلم كتاب يخلدها ولا يكون للفطرة السليمة الكاملة ورسالة الله العظمى من يدل عليها ويدفع الناس في طريقها (أليس من العار أن يكون للفرس الذين حفل تاريخهم زمن جاهليتهم بالشنائع ديوان مفاخر يغطي فيه البيان على العيوب ويلون ذا الوجهة منها بألوان زاهية ويسلط على ضئيل الخير منها شعاعا قويا مكبرا بأعظم المكبرات فتكون من ذلك (شاهنامة الفردوس) وأن يكون لليونان زمن وثنيتهم وأوهامهم لصبيانية ديوان مفاخر كالإلياذة تتغنى بها الانسانية إلى يوم الناس هذا والإسلام الذي لم تفتح الدنيا عينيها على أعلى منه رتبة, وأعظم منه محامد يجتهد مؤرخوه في تشويه صفحاته والحط من قدر رجاله". لقد بقيت هذه الفكرة تعمل عملها في نفس محب الدين رحمه الله حتى التقى بالشاعر أحمد شوقي رحمه الله وتحدث معه عن الشاهنامة والإلياذة واقترح على أمير الشعراء أن يكون اعظم أحداث امارته في الشعر إهداء مثل هذه الهدية إلى العروبة والإسلام وأدبهما وعظمتهما من ماضيهما وحاضرهما ومستقبلهما (وهذا كلامه), واستمع شوقي إلى هذا الحديث ولم يعد ولم يرفض ثم زار شوقي وفد في منزله لتجديد الحديث معه فبقي عند موقفه من الصمت والابتسام ثم ظهر بعد ذلك كتيبه عن دول الإسلام وعظماء التاريخ, ولعله كان من أثر ذلك الاقتراح.. ولكن المطلوب (كما يقول رحمه الله) كان أعظم من ذلك وقديما قيل: (اذا عظم المطلوب قلّ المساعد), ثم اتصل الأستاذ المرحوم بالشاعر الكبير أحمد محرم وقويت بينهما الصلة والمحبة فاقترح عليه ما اقترح على شوقي من تسجيل أمجاد الإسلام في ديوان من الشعر الرائع وقال له: "لعل الله قد ادّخر لك هذه المهمة واختارك لها لأنك أقرب شعرائنا إلى إخلاص القول والعمل وأكثرهم توخيا لمرضاته", فاستجاب أحمد محرم رحمه الله لهذه الدعوة, وكان من ذلك ديوان مجد الإسلام أو الإلياذة الإسلامية التي نظمها أحمد محرم رحمه الله وهو ديوان كبير يقع في 450 صفحة نظم فيه الشاعر أهم أحداث السيرة النبوية والغزوات والوفود، ويقول محب الدين رحمه الله في وصف هذا الديوان في مقدمتة: "إن أمجاد العروبة والإسلام أعظم من أن يحيط بها شاعر ولاسيما وأكثرنا لايزالون متأثرين بما شوهت الشعوبية من تاريخنا ومع ذلك كان ديون مجد الإسلام أعظم ما ظهر للناس حتى الآن مجموعا في كتاب واحد من ومضات هذه الأمجاد وستتمتع به نفوس محبي الأدب الرفيع والنظم البليغ أزمانا".
وأقول إن مما يؤسف له أن ديوان مجد الإسلام بقي طوال ثلاثين عاما مخطوطا ومحبوسا في الأدراج, والشاعر الكبير لا يجد من ينشره بتمامه رغم المحاولات الكثيرة مع المسؤولين الا ما كان من نشر محب الدين نفسه لفقرات منه في صحيفته الفتح وفي مجلة الأزهر، إلى أن مات أحمد محرم رحمه الله قبل نشره وكادت تضيع أجزاء منه إلى أن قامت مكتبة دار العروبة بنشره قبل حوالي ثمان سنوات تقريبا. إن ديوان مجد الإسلام من أعظم الأعمال الأدبية والشعرية في تاريخنا وهو عمل أدبي رفيع وشعر رائع بليغ, ومع ذلك فإني أكاد أجزم بأن ثلاثة أرباع المثقفين في البلاد العربية لا يعرفون شيئا عن ديوان مجد الإسلام ولا عن الشاعر الكبير أحمد محرم الذي نظمه وكذلك لا يعرفون شيئاً عن الديوان المستقل الذي نظمه أحمد محرم لسائر شعره. لقد حرصت الجهات المعادية للإسلام في الأوساط الأدبية والثقافية على إهمال الشعراء والأدباء الإسلاميين وحارب الأقلام المؤمنة وأعطت مكان الصدارة فيها للأدعياء من المارقين والملاحدة وذلك حرصا منها على تضليل الأجيال المسلمة وتسميم أفكار النشء وتشويهها.
إيمانه بامتزاج العروبة والإسلام:
يقول الأستاذ أنور الحندي في كتابه (أدباء ومفكرون): "ولست أعرف كاتبا كان أوضح رأيا في ربط الإسلام بالعروبة على النحو الذي يحقق فلسفة اليقظة وبناء النهضة كما يفعل السيد محب الدين الخطيب منذ سنوات طويلة فهو مؤمن بامتزاجهما واستحالة انفصامهما وهذه عبارته: "إن العروبة ظئر الإسلام و إن العروبة والإسلام كلاهما من كنوز الإنسانية وينابيع سعادتها، إذا عرف أهلها قيمتها وإذا أتيحت لهما أسباب الظهور للناس على حقيقتهما. وإذا ذلت العرب ذل الإسلام". ويقول: "إننا عرب قبل أن نكون مسلمين, وهذا حق, ولكن لم نكن شيئا قبل الإسلام".
كان المرحوم قوي الإيمان بخصائص الأمة العربية وأصالتها واستعدادها للخير وجدارتها بحمل رسالة الله وبطيب عنصرها ونقاء جوهرها، وصفاء فطرتها. ولقد أدرك محب الدين رحمه الله انهيار الخلافة الإسلامية وزوال الدولة العثمانية, وعاش في مرحلة من أحرج مراحل التاريخ الإسلامي الحديث وهي مرحلة خضوع العالم الإسلامي الضعيف للغزو الصليبي القوي وحضر احتضار (الرجل المريض) كما كان يسمي الأعداء الدولة العثمانية في أخريات أيامها وشهد النقلة الخطيرة في حياة المسلمين في تاريخهم الحديث من معالم الحياة الإسلامية وتقاليدها الأصيلة إلى الطراز الجديد من الحياة القائمة على أساس الحضارة الغربية الغازية والقائمة على الإلحاد والإباحية مع الانسلاخ التام من كل القيم والمثل والأخلاق وشهد إفلاس العنصر التركي وعجزه عن المضي في تحمل أعباء الرسالة الإسلامية، وشهد دعاة القومية الطورانية من ملاحدة الترك يتسلقون إلى مراكز السلطة في الدولة العثمانية وينهون الخلافة ويحاولون فرض القومية التركية على الشعوب الأخرى الخاضعة للدولة العثمانية في حركة عنصرية تحاول إذابة تلك الشعوب في العنصر الحاكم دون أية مميزات أو مؤهلات للقومية المتحكمة سوى القهر والغلبة وخاصة بعد تنكرها للإسلام. في هذا الجو افتقد محب الدين رحمه الله الأمة العربية والدور الذي يمكن أن تلعبه وقدراتها وخصائصها التي ترشحها للقيام بذلك الدور. لذلك تغنى بالأمة العربية وباستعداداتها ولكنه لم يفهم من العربية يوماً ما شيئا غير الإسلام، وكان ينال من الكتاب المسلمين الذين يفرقون بين العروبة والإسلام ويعتبرهم من جملة من ساهم في نجاح الحركة القومية البعيدة عن الدين. ولم يكن يوما ما قوميا عربيا، وكان يغضب إذا وضع في صف القوميين العرب الذين ساهموا في القضاء على الخلافة الإسلامية, وإنما كان يدعوا كما قال: "إلى الحكم الذاتي الذي يبرز خصائص الأمة العربية في ظل الإسلام والخلافة".
لقد كان رحمه الله يؤمن بالسر العظيم الكامن وراء اختيار الله تعالى للعربية لغة لكتابه وللأمة العربية حاملة لأكمل رسالاته، يقول رحمه الله: "وأمجاد العروبة لا ينفك تاريخها من تاريخ الإسلام بحال فإذا حيل بين الإسلام والعروبة كانت العروبة جسما بلا روح, وكان الإسلام روحا بلا جسد, وهذا تاريخنا العربي من بدايته إلى اليوم لا نراه ازدهر وانتعش, وكان مظهر العز والقوة إلا في الأدوار التي كان الإسلام يزدهر فيها وينتعش ويأخذ نصيبه من العز والقوة ويكذب من يظن أن العرب تنمو عزتهم بروح أجنبية غير روح الإسلام". (مقدمة مجد الإسلام).
ويقول رحمه الله في تعليقه على ديوان مجد الإسلام: "وستتمتع به نفوس محبي الأدب الرفيع والنظم البليغ أزماناً وأزماناً إلى أن يوجد الشاعر الذي يكتشف سر الله في اختياره العربية لغة لتنزيله, والعروبة بيئة لأكمل رسله, وأهلها أصحابا وأعوانا على حمل رسالته إلى آفاق آسيا وأفريقية ثم إلى أوروبا".
وفي حديثه عن شيخه طاهر الجزائري رحمه الله يقول: "من هذا الشيخ الحكيم عرفت عروبتي وإسلامي, منه عرفت أن المعدن الصدئ الآن الذي برأ الله منه في الدهر الأول أصول العروبة ثم تخيرها ظئراً للإسلام إنما هو معدن كريم لم يبرأ الله أمة في الأرض تدانيه في أصالته وسلامته وصلابته وعظيم استعداده للحق.
وإلى هذا كان يدعو رحمه الله إلى الأخذ بأسباب القوة وبكل نافع من نتاج الحضارة الحديثة مع المحافظة على المثل والقيم والأخلاق القديمة لأن الخير كله قديم, وكان يركز على إصلاح المدارس ومناهج التعليم ووسائل الإعلام.
هذه قبسات من أفكار محب الدين رحمه الله ولمحات من حياته حاولت فيها قدر الإمكان أن أقدم خلاصة عن الناحيتين اللتين قصدتهما. وقبل أن أختم كلمتي هذه أتوجه بهذا النداء الحار إلى كل من قصي بن محب الدين الخطيب نجل المرحوم, وفضيلة نائب رئيس الجامعة الإسلامية الشيخ عبد العزيز بن باز, والوجيه الفاضل السيد محمد نصيف صديقي المرحوم الكريمين أن يبذلوا كل ما في وسعهم لجمع المقالات المشتتة التي كتبها المرحوم في مختلف الصحف وخاصة في الزهراء والفتح والأزهر ونشرها للعالم الإسلامي حصيلة فكرية رائعة وثروة ثقافية كبرى تعتبر من عيون ما أنتجه الفكر الإسلامي الحديث, وكذلك طبع مذكراته إن وجدت.
ونصيحتي للشباب المسلم أن يقرأ كل كتاب أو رسالة أو تعليق كتبه محب الدين رحمه الله.
وأخيرا وبعد جهاد مضن كريم استمر قرابة قرن كامل أعطى خلاله محب الدين رحمه الله للإسلام نور عينيه وحياة قلبه وثمرة قلمه وفكره وأسهر ليله وأعمل نهاره, بعد كل هذا فقد سكن ذلك القلب الكبير الذي كان يخفق بحب الإسلام وخبا نور تينك العينين, وهدأت تلك اليد المرتعشة التي حملت القلم للدفاع عن الإسلام والمسلمين دهرا طويلا وسقط ذلك اليراع وتحطم، لقد مات محب الدي


okkamal غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس