|
رد: ابي القاسم الشابي-دراسة وتذكير
يتبع
"إلى الشعب"ص 148/149
و لكن الزمن الموضوعي يبقى منفتحا على غد بالنسبة للظالم لأن نهاية الظلم معروفة:
" لك الويل يا صرح المظالم من غد إذا نهض المستضعفون و صمّموا"
أن الزمن الموضوعي بكل تمضهراته يصدر مقاومة ضد الذات التي تلجأ في اغترابها الى الشعور بالتفرد كتعويض لاواع عن حالة اللاتواصل التي تعيشها و تعبر عنه من خلال زمن آخر تنشده.
الزمن المجرد
ان الزمن المجرد أو المعياري للكتابة الشعرية لدى الشابي هو بلا محيــص زمن الطفولــة و العلاقة البدئية مع الطبيعة، هو زمن الراحة التي لا تحُدّ روح الشاعر في الواقع جسديا كان او موضوعيا، هو زمن الكتابة فمجال الطفولة هو مجال الذكريات المنتقاة و السعادة المنشودة و هو مجال الحكي الشعري ان صحّ التعبير:
" كم من عهود عذبة في عدوة الوادي النظير/ فضية الأسحار مذهبة الأصائل و البكور / كانت ارق من الزهور و من اغاريد الطيور/ و الذّ من سحر الصبا في بسمة الطفل الغرير / ايام لم نعرف من الدنيا سوى مرح السرور / و تتبع النحل الأنيق و قطف تيجان الزهور / و تسلق الجبل المكلل بالصنوبر و الصخور / و بناء اكواخ الطفولة تحت اعشاش الطيور / مسقوفة بالورد، و الأعشاب، و الورق النضير / نبنني فتهدمها الرياح فلا نضج و لا نثور / و نظل نبعث بالجليل من الوجود و بالحقير / لا نسأم اللهو الجميل و ليس يدركنا الفتور "
"قصيدة الجنة الضائعة ". ص 124/125/126
ان الشاعر يعيش هذه الصور القديمة و يتغذى بها في لحظات الألم الجسدي او الروحي، ان الطفولة هي المرآة التي تنعكس فيها كل الصور الجميلة و الآلام الخبيئة التي تشرع للنفس الحساسة الوعي العاطفي للظلم و القهر و الاستغلال و كأنها خبرات سابقة لها فالزمن المعقول و الزمن المعاش لا يخضعان لنفس المبدأ وهذا ما يجعل لحظة الكتابة منفصلة عن كل ما عداها، خاضعة لجاذبيتها الخاصة، مغايرة في علويتها رغم الألم الذي يصاحبها و لا شك أن سرعة أحدهما و بطء الآخر هو الذي يخلق حالة السأم و الإكتئاب التي يشعر بها الشاعر لأنه يعيشها في ذاته كما في جسده كما أن تراكب الأزمنة المذكورة ( المنشود و المتخيل، الجسدي و الموضوعي) لا يجعل لها نفس الإتساق و المرونة و التناسق( شعر الروح المفكر) بل إن الشاعر يعاني انفصالا في كل مرة بين الأنا المفكر و الأنا الشاعر و الأنا الإجتماعي و الأنا الفيزيائي فلا يجد لحظة الراحة و المصالحة إلا لحظة الإبداع و الخلق حيث يصير الجسد و الفكر و الروح كلا ضوئيا و الفرد جمعا حيث ينتقي التعاقب و التراتب و التراكب و الصيرورة لترتسم اللحظة اعلاء للحاضر و استشرافا للقادم.
ان الكتابة الشعرية تبدو كالحياة الحلمية التي تحتوي على تمفصلات لاواعية تجعل من تفجير البنى اللغوية أمرا ممكنا و لكن الكتابة الشعرية لا تنفي وجود روح واعية و عقل مفكر يصوغ المشروع لغويا كان حضاريا.
ان لحظة العودة الى عالم الطفولة أو عالم الطبيعة (الغاب) هي اللحظة الأثيرة لدى الشاعر و لها دلالات كثيرة فهي عودة الى الأصل الى وطن الروح حيث تنتفي حدود السماء و الأرض.
شردت عن وطني السماوي الذي ما كان بوحا واجما، مغموما
شُرِّدت عن وطني الجميل أنا الشقي فعشت مشطور الفواد يتيما
في غربة روحية ملعونة أشواقها تقضي عطاشا، هيما
ياغربة الروح المفكر انه في الناس يحيا سائما مسؤوما
"صوت تائه" ص 70
و هي حضن الراحة بلا منازع و تخلق التوازنات الموسيقية في القصيد.
إن الطفولة حقبة شعرية بشعورها
و دموعها و سرورها و طموحها و غرورها
لم تمش في دنيا، الكآبة و التعاسة و العذاب
فترى على أضوائها ما في الحقيقة من كذاب
"الطفولة" ص56
الزمن المنشود
تتنزل الصورة الشعرية ككينونة لغوية جديدة فتضيء الوعي الداخلي للشاعر من جهــــة و مستقبل اللغة من جهة أخرى فالشعر هو آلية اللغة للتجديد و التناسق الداخلي و اذا كانت الصورة تبدو لنا و كأنها حاضرة بالقوة في وعينا و شعورنا فذلك ينبع من أصالة روح الشاعر القادرة على إنتاج لحظة صافية تخلق الاتساق بين أعماق الإنسان.
ان عملية التخيل الشعري حين تبلغ زمنها المنشود في شعر الشابي تحول حروف اللغة الى نوتات موسيقية تلتحم بخرير المياه و هدير الصاعقة و حفيف الأوراق و رقة انسكاب الندى على مهجة الورد في الفجر الوليد.
يتمثل الوحي (L’inspiration) في شعر ابي القاسم الشابي حين تتحد الذائقة الشعرية بالمواضيع المثيرة لها و هي مواضيع قد تتصل بالفترة العالمية و الحساسية الكونية التي جعلت "بودلير" و شعراء الرومنطقية الأوروبيين بصفة عامة و من بعدهم شعراء المهجر ينحون منحى الحيرة الوجودية الشعرية و ما يسمى بألم العصر (Le vague à l’âme , le mal du siècle) .
إن الزمن المنشود في الشعر ليس إلا زمن الروح المتفصّي من دائرة الساعة و عجلة الليل و النهار، انه زمن حرّ بأشواقه، أصيل بقدمه، قوي باندفاعه الموتور نحو الأمام و هذا ما يكفل للشعر الخلود، إن الشعر هو العالم الحقيقي للزمن، حيث الحلم و الحرية، حيث تقف فوق الهوة السوداء و نملؤها معنى و جمالية.
ان الزمن المنشود بالنسبة للشابي بصفة عامة هو زمن الحقيقة، الزمن المطلق حين تتخلص الروح من صراعها الموتور مع الماضي والحاضر و المستقبل و تعلو فوق قوانين المادة الزائلة هو زمن تحاكي فيه اللغة آلاء السماء و تتحلل من عِقدها الإعتباطي مع البشر فتزمجر مع الموج وتتسامى مع الجبل وتتخلل الوريقات الصغيرة كنسمة السحَر.
هو زمن تسكر فيه روح الشاعر بالمجد فيصير كقائد الأوركسترا بالنسبة لعناصر الطبيعة ولمفردات اللغة يخضعها لسيطرته وجنونه الخلاق و يحبلها بماء شاء من موصوفات و أفكار و معان أبكار لم يجدها شاعر قبله، ان الزمن المنشود بالنسبة للشاعر هو زمن التحرر و لا يتم التحرر إلا بالتجاوز فتتحقق الذات على مستوى فردي (الأنا) و جمعي ( النبي و الشعب ) و كوني ( الشاعر ذاكرة الوجود) و هذه هي وظيفة الشعر في اللغة ووظيفة الشاعر في الحضارة انه وسيلتها الأجدر للتطور من الداخل و البقاء وفق وظائفها العضوية الأكثر حيوية .
اذا الشعب يوما اراد الحياة فلا بد او يستجيب القدر
و قالت لي الأرض لما سالت أيا أمّ هل تكرهين البشر
ابارك في الناس اهل الطموح و من يستلذ ركوب الخطر
والعن من لا يماشي الزمان و يقنع بالعيش عيش الحجر
هو الكون حي يحب الحياة و يحتقر الميت مهما كبر
و لو لا امومة قلبي الرؤوم ما ضمت الميت تلك الحفر
"إرادة الحياة"
إن الفلسفات التي تناولت مفهوم الزمن و حاولت إيجاد قراءة لا زمنية له ظلت ضمن حدوده لن مفهوم الزمن كمفهوم الفلسفة فالموقف المضاد للفلسفة هو بالضرورة موقف فلسفي.
هو الموت طيف الخلود الجميل، و كهف الحياة الذي لا ينوح
هنالك..، خلف الفضاء البعيد ، يعيش المنون القوي الصبوح
يضم القلوب إلى صدره، ليَأسوَ ما مضّها من جروح
و يبعث فيها ربيع الحياة، و يبهجها بالصياح الفَروح
"إلى الموت" ص68
هل قاوم الشابي غواية الموت و العدم، هل كان سبب الانخراط في هذه المخاطرة اليأس الحقيقي من الحياة في سجن جسدي( المرض) و سجن فكري ( الجهل و الاستعمار) سجن نفسي ( ألام الشعر و آلام الكتابة ) أم أن قراءته للموت كانت من قبيل الحب الأعمق للحياة؟ و من قبيل أن الزمن الذي يمر على تكوينه الجسمي و النفسي يختلف بشدة عن الزمن الذي يمر على أشباهه إن هذه العبقرية التي أنتجت أغاني الحياة و انطفأت شعلتها الجسدية عن عمر 25 سنة لا يمكن أن تفهم الزمن كما نفهمه بل ستفهمه انطلاقا من شروطها الزمنية و ستعدل إيقاع لغتها على أشواقها و تمزقها و انحداراتها فاللغة التي تصف التجربة يجب أن تحتفظ بقوتها معتقة من أجل صياغة اللحظة، اللحظة الزمنية الهاربة إن في صيرورتها أو في التفاتتها .
المراجع:
ديوان أغاني الحياة
|