عرض مشاركة واحدة
قديم 10-01-09, 04:25 PM   #8
 
الصورة الرمزية okkamal

okkamal
المشرف العام

رقم العضوية : 2734
تاريخ التسجيل : Apr 2005
عدد المشاركات : 14,839
عدد النقاط : 203

أوسمة العضو
لاتوجد أوسمة لـ okkamal
رد: الدكتور مصطفى الفقى وهؤلاء


الملكة إليزابيث الثانية

بقلم د. مصطفي الفقي ١٦/ ١٠/ ٢٠٠٨
التحقت بالسلك الدبلوماسي المصري في نهاية عام ١٩٦٦، ونُقلت بعدها بأربع سنوات إلي القنصلية العامة في لندن، ثم السفارة المصرية بها.. وكانت التقاليد الملكية البريطانية ـ ولا تزال ـ تقضي بلقاءين سنويين بين صاحبة الجلالة وأعضاء السلك الدبلوماسي الأجنبي في بريطانيا،
من خلال حفلتين إحداهما شتوية داخل قصر «باكنجهام»، والثانية صيفية في حدائق القصر، وكان نظام السفارة المصرية يقضي بأن يصطحب السفير المصري معه الملحق العسكري واثنين أو ثلاثة من أعضاء السفارة.
من بينهم أحدث دبلوماسي فيها، وبذلك أتيحت لي الفرصة في سنٍ مبكرة أن أدخل قصر «باكنجهام» ضمن وفد السفارة، المصرية الذي تستقبله الملكة، ويتشرف أعضاؤها بمصافحتها وهم يتقدمون نحوها خلف سفيرهم،
وأمضينا عدة أيام قبل الحفل نستأجر بدلة التشريفة الرسمية التي سوف نرتديها يوم لقاء الملكة، مع بعض التعليمات البروتوكولية الخاصة بالانحناءة الخفيفة أمام جلالتها علي أن نخاطبها في البداية بـ «صاحبة الجلالة»، فإذا استطردت في الحديث تكون مخاطبتها بعد ذلك بعبارة «سيدتي».
وفي يوم الاحتفال تقدمنا سفيرنا الراحل السيد «كمال الدين رفعت» لنقف وجهًا لوجه ـ في حديثٍ قصير ـ مع الملكة «إليزابيث الثانية» وزوجها الأمير «فيليب»، الذي بادرنا بصوتٍ مرتفع، وهو من أصلٍ يوناني ويتحدث مثل شعوب البحر المتوسط دون التقيد كثيرًا بآداب الخطاب الملكي: «ما معني الجمهورية العربية المتحدة؟»،
وكان ذلك لا يزال هو الاسم الرسمي للدولة المصرية قبل صدور دستور ١٩٧١ الذي جعل اسم الدولة هو «جمهورية مصر العربية»، ثم أضاف زوج الملكة، بلهجة جادة لا تخلو من انفعال، قائلاً : «إن اسم مصر هو واحدٌ من أقدم الأسماء في تاريخ البشرية، ولا يجوز أن يختفي أبدًا»،
وأضاف الأمير «فيليب»: من قال لكم إنكم عرب؟، إننا عندما نتحدث عن منطقتكم نقول «مصر والدول العربية» تمييزًا لتاريخكم واحترامًا لحضارتكم! وبدت الملكة محرَجة من حديث زوجها الذي يفتقد اللياقة، وقد لا يخلو أيضًا من شبهة التدخل في الشؤون الداخلية لدولة محورية في العالم العربي،
ولقد علمت أن الأمير «فيليب» قد كرر نفس السؤال علي وفد السفارة المصرية الذي ذهب في العام التالي للمناسبة ذاتها وعندما علم أن كلمة «مصر» قد ظهرت من جديد في الاسم الرسمي للدولة أبدي ارتياحه لذلك، وتمني التركيز المستمر علي الهوية الأولي للدولة المصرية، وعندما ذهبت في عام آخر إلي الحفلة الصيفية في حدائق القصر،
ألزمنا البروتوكول البريطاني بأن ترتدي زوجات الدبلوماسيين قبعاتٍ لابد منها عند لقائنا الأسري بالملكة، في ذلك الحفل السنوي الصيفي المفتوح الذي تبدو فيه القيود البروتوكولية أقل من الحفل الشتوي داخل القصر،
ثم شاءت الأقدار أن أعمل بعد ذلك بسنوات في مؤسسة الرئاسة بالقاهرة، وأن أكون ضمن الوفد المصاحب لرئيس الجمهورية في زيارته الرسمية (زيارة دولة) إلي العاصمة البريطانية في الثالث والعشرين من يوليو عام ١٩٩١،
وتابعت عن قرب واحدة من طرائف تلك الملكة العريقة التي تتصف بالرقي والوداعة والهدوء، فقبيل وصول «الرئيس مبارك»
والسيدة قرينته إلي قصر «باكنجهام» للإقامة في الجناح المخصص تكريمًا لهما في الضيافة الملكية، كان لابد أن يتولي الحرس الجمهوري المصري تفتيش الجناح وحراسته قبل وصول الرئيس بيومٍ كامل علي الأقل، وقد فوجئ ضابط المفرقعات المصري بأن الأميرة «مارجريت» شقيقة الملكة ـ التي توفيت منذ سنوات ـ تدخل الجناح من بابٍ خلفي لتستخدم حمام السباحة فيه،
فيضطر الضابط المصري إلي إجراء عملية التفتيش من جديد فور مغادرة الأميرة له، فوقف علي باب الجناح محتجًا بسبب تكراره لعملية التفتيش بشكل مرهق، ثم رأي سيدة وقوراً تمضي من أمامه وهي تلبس رداءً أبيض وحذاءً خفيفًا، وتبتسم له في بساطة،
فظن أنها إحدي مشرفات القصر فاتجه إليها قائلاً بإنجليزية بسيطة: (يا سيدتي إنني كلما انتهيت من تفتيش الجناح فتحته الأميرة «مارجريت» من الجانب الآخر، فأضطر إلي إعادة التفتيش مرة أخري)، فابتسمت له قائلة: (لا تقلق.. سوف أحل لك المشكلة)،
وكان يتابعه علي الجانب الآخر من الردهة أعضاء مقدمة سكرتارية الرئيس المصري الضيف، وأدركوا علي الفور من ملامحها أن التي تحدث إليها الضابط هي الملكة «إليزابيث الثانية» ذاتها وصاحوا ينبهونه إلي ذلك، فكاد ينهار من فرط المفاجأة حتي فوجئ بها تعود إليه بابتسامة حانية والضابط الشاب ينظر إلي الأرض في اضطراب ويردد كلمة «الملكة.. الملكة»،
وقالت له: (لن تتعب بعد الآن فقد أغلقنا الباب الخلفي للجناح)، ثم داعبته بكلمات قليلة، بينما كاد هو يفقد الوعي، وزملاؤه ينظرون إليه علي الجانب الآخر بضحكات مكتومة ودهشة شديدة.
تلك هي ملكة بريطانيا، التي تعيش في بلاط «سان جيمس»، وتتربع علي عرش المملكة المتحدة منذ عام ١٩٥٣ حتي الآن، وتأبي التنازل لابنها الأمير «تشارلز» ـ الذي تجاوز هو الآخر الستين من عمره ـ عن العرش، لأن دفء الكرسي يجذب صاحبه إليه حتي النهاية..
إنها الملكة التي تصرفت بهدوء وشجاعة أمام الأزمات العاصفة التي اجتاحت عرش الإمبراطورية، التي كانت «لا تغرب عنها الشمس»،
وعرفت المآسي الكبري في حياة تلك العائلة التعيسة أحيانًا، رغم أبهة الحكم وجلال العرش، فمن شقيقة مدمنة رحلت عن عالمنا، إلي أميرةٍ متمردة أطاحت بسمعة ولي العهد، إلي زوجةٍ جديدة له لا تملك جاذبيةً تشدها مع زوجها نحو العرش المنتظر..
إنها إليزابيث الثانية الصامدة التي رحلت أمها منذ سنواتٍ قليلة بعد أن جاوزت المائة من عمرها.. فأبشري يا صاحبة الجلالة بطول العمر، أما أنت أيها الأمير «تشارلز» فإن انتظارك قد يطول كثيرًا!

الفريق «الليثي نـاصف»

بقلم د. مصطفي الفقي ٩/ ١٠/ ٢٠٠٨
في الصباح الباكر لأحد أيام صيف ١٩٧٣ كنت قنصلاً لمصر بالإنابة في العاصمة البريطانية واتصل بي المرحوم الدكتور «عبدالغفار خلاَّف»، المستشار الطبي للسفارة المصرية في لندن ليبلغني بسقوط الفريق «الليثي ناصف» قائد الحرس الجمهوري السابق والسفير المصري المرشح لدولة اليونان من شرفة الشقة التي يقيم بها في برج «ستيوارت» بمنطقة «ميدافيل»، وأن الفريق قد توفي بالفعل فور ارتطامه بأرض الشارع، وأن البوليس يطوِّق المنطقة،
كما بدأ توافد بعض الصحفيين إرضاءً للفضول الإعلامي بسبب أهمية الفريق الراحل، فتوجهت علي الفور إلي مكان الحادث، وما إن وصلت وصعدت إلي الطابق الحادي عشر، حيث كان يقيم، وجدت المشهد الحزين لأرملته وابنتيه، وكان واضحًا أن عنصر المفاجأة الأليمة قد أطاح بتوازن رفيقة حياته، التي كانت تبكي في حرقة، وتطالب بدفنه بعد الاتصال بالملك «حسين» عاهل الأردن والملك «الحسن» عاهل المغرب لأنهما من سلالة «النبي صلي الله عليه وسلم»،
وتضيف السيدة الحزينة التي تنحدر من أصول تركية واضحة أن هناك مؤامرة هي التي أودت بحياة الفريق «الليثي ناصف»، ورددت كثيرًا أنه تم الخلاص منه بسبب اعتزازه الشديد بالرئيس «عبدالناصر» حتي إنه أطلق اسم «هدي» و«مني» علي ابنتيه تيمنًا بابنتي الرئيس الراحل، وظلت السيدة المكلومة تتحدث بطريقة تلقائية أقرب إلي الهذيان منها إلي الكلام الواضح،
عندئذٍ وصل السفير «كمال رفعت» سفير مصر لدي المملكة المتحدة حينذاك والوزير المفوض «نبيل حمدي»، فحاولت زوجة الفريق الراحل إجراء مكالمتين تليفونيتين مع «عمَّان» و«الرباط»، ولكنها لم تنجح في ذلك حتي وصل ابنها الكبير من زواجٍ سابق لها، والذي كان يبكي بطريقة غير مسبوقة ويقول: «إن الفريق هو الذي رباني بعد وفاة والدي، فهو أبي الحقيقي»،
وهذا يدل علي شخصية «الليثي ناصف» النقية الطيبة، ولقد علمت يومها أن الفريق وأسرته قد انتقلوا إلي هذه الشقة قبل الحادث بيوم واحد، وأنها مملوكة لابن أحد المسؤولين في رئاسة الجمهورية المصرية وشريكه الراحل «نور الدين السيد» قائد «تنظيم ثورة مصر» الذي توفي بالسجون المصرية منذ سنوات قليلة.
وقد بدأت إجراءات التحقيق في الحادث للتفرقة بين احتمالات ثلاثة أولها أنه سقوط لا إرادي، لأن الفريق كان يعاني ضمورًا في المخ ولا يستطيع الاحتفاظ بتوازنه مع طول قامته، والاحتمال الثاني هو الانتحار، وهو احتمالٌ يكاد يكون معدومًا لمن يعرفون الفريق وإيمانه وخلقه،
أما الاحتمال الثالث فيحوم حول الشبهة الجنائية بقذف الفريق من الشرفة من الدور الحادي عشر في برجٍ عرف فيما بعد حالاتٍ مماثلة، منها سقوط الفنانة المصرية الشهيرة «سعاد حسني»، ولقد اهتم الرئيس السادات كثيرًا بالحادث وكان رئيس الديوان الجمهوري السيد «حافظ إسماعيل» يجري اتصالات يومية معنا في لندن لمتابعة التحقيق البريطاني في الحادث
وجري إيفاد كبير العائلة المرحوم «النبوي ناصف» وهو والد صديقي اللواء «نبيل» الذي عمل سنواتٍ في الأمانة العامة لمجلس الشعب بعد انتهاء خدمته في مباحث أمن الدولة والذي تربطني به صلة تمتد إلي أكثر من خمسةٍ وثلاثين عامًا كما حضر أيضًا الدكتور «صلاح سليمان» ابن أخت الفريق وهو أستاذ «السمعيات» الشهير بجامعة عين شمس،
ولكن الجانب البريطاني احتجز الجثمان قرابة أسبوعين كاملين لمزيدٍ من التحقيقات، وعقد جلسة حضرتها في المحكمة بالنيابة عن القنصلية المصرية وجري فيها الاستماع إلي أقوال ابنته الكبري «مني» وكانت فتاة عاقلة وهادئة، كما استمع إلي أقوال شاهد عيان كان يقف في شرفةٍ قريبة من شرفة الفريق حيث رآه وهو يترنح بجوار حافة شرفته حتي اختل توازنه وسقط مرتطمًا بأرضية الشارع،
عندئذٍ وافقت السلطات البريطانية علي الإفراج عن جثمان الفريق ليجري دفنه في وطنه عبر موكبٍ حزين توديعًا لقائدٍ عسكري تميزت حياته بالشرف والنزاهة واحترام الشرعية، فهو البطل الحقيقي لانقلاب ١٥ مايو ١٩٧١ الذي جري فيه اعتقال خصوم الرئيس «السادات» ليستقر له الحكم وتستتب له الأمور وكأنها «مذبحة القلعة»،
ولكن دون إراقة دماء، فلقد التزم «الليثي ناصف» بقسم الولاء لرئيس الجمهورية وتصرف كما يتصرف الكبار احترامًا للمنصب وتمسكًا بالشرعية الدستورية، ولكن يبدو أن من يري الكبار في لحظة ضعف فإن إبعاده يصبح مطلوبًا في كل الظروف!
ولقد تناولت الغداء ذات مرةٍ مع الفريق «الليثي» قبل وفاته بأسبوع تقريبًا علي مائدة القنصل العام السفير «محب السمرة»، ولاحظت أن ذلك القائد العسكري هادئ الطبع رقيق الخلق يمثل نموذجًا للعسكري المحترف، الذي لا تبدو له صلة بالسياسة من قريبٍ أو من بعيد، وبرحيله طويت صفحةٌ غامضة من صفحات التاريخ المصري المعاصر، رحم الله «الليثي ناصف» ابنًا بارًا للوطن ونموذجًا محترمًا للعسكرية المصرية


okkamal غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس