الموضوع: المتنبي
عرض مشاركة واحدة
قديم 04-01-09, 06:23 AM   #10
 
الصورة الرمزية حسين الحمداني

حسين الحمداني
هيئة دبلوماسية

رقم العضوية : 11600
تاريخ التسجيل : Sep 2008
عدد المشاركات : 5,666
عدد النقاط : 10

أوسمة العضو
لاتوجد أوسمة لـ حسين الحمداني
رد: المتنبي


بحوث مهرجان المتنبي السادس في محافظة واسط

25- 27/ 3/ 2007

تناصات المتنبي

مع الثقافة العالمية

الشاعر والناقد د. محمد تقي جون

توطئة

كان لابد لشاعر إنساني كبير بحجم المتنبي أن يتناص فكراً وروحاً مع شعراء وعلماء وثقافات إنسانية حية، وكانت النظرة القاصرة جداً من النقد العربي المحافظ قد جعلت المتنبي أكبر سارق بدلا من أن يكون أكبر متماس مع كل فكرة سامية كانت قبله أو معاصرة له؛ فقد اتهمه الصاحب بن عباد بأنه كان يسرق معاني أبي تمام ويزعم انه لا يعرفه" وقد أوغل العميدي في ظلمه له حتى اتهمه بسرقات مفضوحة التهافت؛ فقد اتهمه بالسرقة من بديع الزمان الهمذاني الذي ولد بعد وفاة المتنبي بأربع سنوات! واتهمه أيضا بالسرقة من شخصية وهمية هو أبو الفتح الاسكندري بطل مقامات البديع، وسبب ذلك يعود إلى النقد العربي الذي يرى إن المبتدع والمخترع في الشعر قليل؛ فمهما احترس الشعراء فانهم سيقعون في السرقة. فالجاحظ يرى ان المتقدمين قالوا كل شيء ولهذا فالمعاصرون لابد ان يكونوا شركاء في معانيهم سرقة او استعانة . على ان موضوعة السرقات أريدت حجر عثرة في طريق الشعر الجديد المعتمد على المعاني؛ توليدها واستيفائها.

وفكرة التناص تعيد للمتنبي براءته من التقليد وتصحح فكرة السرقات فهي أكثر من وقع حافر على حافر كما يفهمه النقد المعاصر؛ فاليوت في (الأرض اليباب) جعل قصيدته مليئة باستعارات من أبيات وعبارات لشعراء وكتاب نثر في الماضي والحاضر لأنه أراد أن يثبت انه بعد قراءاتنا لأي شاعر تصبح بعض أبياته جزءاً من خبرتنا الشخصية أو التراكم الذي يكوّن ثقافتنا وليس ثمة سرقة أو سطو.

في هذه الدراسة ننأى بالمتنبي بعيداً عن أرضه العربية وعصره العباسي منفتحاً على الثقافة الإنسانية كلها فانه لسمو شاعريته وفكره تناص مع الكثير من تلك الافنان المزهرة الطيبة، وفي الغالب كان مبعث هذه التناصات سمو الفكر والشاعرية، وهناك تناصات كان وراءها التأثر والتأثير كما سنشير إلى ذلك.

المتنبي وسير فانتس

في أبيات له قالها في معركة الحدث (344هـ/ 955م) يعرض المتنبي صورة ساخرة لجبن الروم تناص فيها مع الروائي الإسباني سافاديرا سير فانتس في شخصية (دون كيشوت) التي مثلت فارساً يعيش في عالم بعيد عن الحقيقة وقد اراد به سيرفانتس السخرية من الابطال الرومانسيين وقصص البطولة المدَّعاة حتى زمانه الذي راجت فيه تلك القصص بشدةٍ ولكن الواقع الغربي تناقض معها فهو مليء بالهزائم أمام الأتراك المسلمين. وقد عانى الكاتب نفسه ذلك فقد أسره الأتراك وسجنوه في الجزائر اربع سنوات تمكن من الفرار بعدها.

صمم سير فانتس شخصيته ليكون جباناً حد الضحك " طويل ونحيل يقارب الخمسين من العمر، يبدو خداه وكأنهما يقبلان بعضهما داخل فمه، ورقبته طولها نصف ياردة"، وبرغم تنوع تفسيرات (دون كيشوت) عبر القرون الا ان الضعف الجسماني، واختياره لخصومه يقنعانا بصفة الجبن، فقد هاجم اولا طاحونة هواء ومنها جاء المثل يصارع طواحين الهواء، اما عدوه الثاني فكان قطيعا من الاغنام هجم عليه بقوة وشراسة أي انه يختار أعداء لا يملكون قوة او هو يصارع اللاشيء ولكن عندما يظهر الرعاة يؤدبونه أي إذا ظهر المقاتل الحقيقي فانه يطوي سيفه ورمحه وبطولاته الاسفنجية. وتلك الفكرة ترجمها المتنبي في وصف الروم قوم سيرفانتس يقول المتنبي:

والعيان الجلي يحدث للظن زوالا وللمراد انتقالا



واذا ما خلا الجبان بارض



طلب الطعن وحده والنزالا




أي ان العيان يزيل ما يحدث الظن دائما، وان الجبان يظن نفسه شجاعا اذا كان وحده فيتخيل نفسه قادرا على قهر كل شيء عظيم ويقنعنا بان سيرفانتس تأثر بالمتنبي أن المتنبي غزا اسبانيا بشعره حتى قال ابن رشيق " وجاء المتنبي فملأ الدنيا وشغل الناس". وسيرفانتس نفسه يعترف بان رواية دون كيشوت حكاها له رجل عربي. وبهذا نقطع بأن سير فانتس تأثر بالمتنبي.

المتنبي وأدب الملحمة

التناص الثاني للمتنبي مع الملاحم؛ ومعروف ان العرب دون الامم لم يعرفوا الملاحم الا ان المتنبي المتنوع الثقافة كان على علم بخفايا وتفصيلات تلك الملاحم ولذا خاطب عضد الدولة الفارسي بثقافة الملحمة. وهذا دأبه فعندما مدح هارون بن عبد العزيز الاوراجي المتصوف، استعمل اساليب المتصوفة في مدحه، وعندما مدح طاهر العلوي استعمل افكار الشيعة ومصطلحاتهم مثل (الوصي)، و (النواصب). وبالمثل فانه مدح عضد الدولة بثقافة الملحمة فكان ذلك منه آلية جديدة في فن المدح. والفرس كبقية الامم الملحمية يعطون الفرس اهمية بطولية تكمل بطولة الفارس فيقوم باعمال خارقة فحصان (رستم زال) المسمى (رخش) عثر عليه بعد جهد اذ لا يوجد حصان يتحمل قوة كفه، وبمساعدة الحصان قتل رستم السبع الهارب والثعبان الهائل والساحرة الشمطاء وقائد الجن وقطع سبعة جبال شواهق مرصودة ومحروسة بالعفاريت.

ولم يكن العرب جاهلين بأهمية الخيل أو تاركين تسميتها ولكن طريقة تسميتهم للخيول تختلف عن طريقة الفرس، وقد ورث العرب معرفة الخيل والعناية بها من اسلافهم الاشوريين والبابليين فدخول الخيل المعركة احدث تبدلات في اساليب قتال الكشيين. وميز الاشوريون الخيل في القتال حسب الوانها. وهو ما نجد نظيره عند العرب؛ ففي حين فضل العبسيون الخيول الدهم في معاركهم لملاءمتها القتال في الصحارى، استعمل فاتحو الأندلس الخيول الشقر لقوتها وصبرها في القتال بأجواء باردة ووعرة .

وأورد المتنبي نفسه نحوا من اربعين نوعا للخيول المحاربة في ديوانه. اما علة تسمية العرب لخيولهم فهي للتعريف بها وحفظ انسابها اذ انهم اهتموا بتثبيت سلالات الخيول الاصيلة والفوا الكتب في انساب الخيل مثلما الفوا في انسابهم. وغاية ما أراده العرب من خيولهم ان تتحلى بالسرعة وهو ما يدل عليه أسماء خيولهم كـ(الطيار) و ( النعامة) و ( الدموك).

وواضح ان النفس مختلف بين العرب والفرس؛ فخيول العرب واقعية اما الخيول الفارسية فهي ملحمية خارقة فهم يزعمون ان امهات خيول الملك برويز مثل شبديز وكلكون لم يكنّ يحبلن من ذكر بل كان هناك فرس من حجر وحينما يطلبن الفحل يذهبن ويمسحن جسمهن بهذا الحجر وشبديز هذه عدت من عجائب الملك كسرى برويز الاثنتي عشرة، وقد نقش رسمه على الصخر وفوقه الملك.

إن إدراك المتنبي حقيقة أن الشعوب الملحمية تمنح الحصان اسما بطوليا حمله على ذكر أسماء خيول عضد الدولة فقال في مدحه:

بفارس (المجروح) و (الشِمال)



أبي شجاع قاتل الأبطال




فالمجرح والشِمال فرسا عضد الدولة ويدلان على البطولة فالمجروح يشير الى كثرة خوضه المعارك الطاحنة وجرحه فيها، والشِمال يدل على الشؤم أي: شؤم العدو. ولم يذكر المتنبي اسم فرس لممدوح آخر حتى سيف الدولة الذي أطال المكث عنده وذكر بطولاته فلم يترك لها حدودا الا وقف على مشارفها. وقد حاول المؤرخون الغربيون ان يضيفوا ذلك الى سيف الدولة في معركة خرشنة ( 339هـ 950 م) التي احتاجت الى سند بطولي خارق فقال شلمبرجة:" ان الجواد الجبار الذي كان يركبه سيف الدولة قفز من قمة الجبل قفزة عجيبة فنجا بها من القتل". ولكن المتنبي حين ارخ المعركة لم يشر الى هذا الذي اضافه الغربيون مما الفوه من النفس الملحمي لانه خاطب سيف الدولة بثقافته العربية. ولعل المتنبي المَّ بحكايات الشاهنامة المعروفة في بلاطات الفرس التي جمعها لاحقا الفردوسي (411هـ/ 1020م)، وفي هذا التناص نقطع بأن المتنبي تأثر بتلك الحكايات ولكن نقلها بشكل واقعي الى شعره .


حسين الحمداني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس