|
غادة السمان: الكتابة فرصة للحصول على مزيد من الأوكسجين

2008 الثلائاء 23 ديسمبر
حاورها عبدالرحمن سلامة:
غادة فؤاد السمان شاعرة عربية أصيلة فهى كما تقول على نفسها أنها لم تكن ليلى. وليس لها في العشــق قيـس.. أو جميل ، غادة تقرأ بنهم وتنام بلا انقطاع وتواصل التشرد بأرستقراطية ، وقبل أن تقع في حب القلم كانت تهوى الدرجات الهوائية والسباحة لذلك هوينا نحن كتاباتها وسبحنا في بحورها الشعرية ولفنا صدق كلماتها ، وهذه الشاعرة تقول أنها من مواليد الصفر..
لتاريخ الشطب والمحو والتماهي.. فـي شهر اجترار الخيبة.. من يوم الشؤم الـمتكرر. وهي أنثى لزمن غادر، بنت التجربة الـمستحيلة، عاشقة لـمستقبل زائل، واهمة كبيرة لحلم صغير، تتحايل على الـموات الدائم بالكتابة العقيمة، ريثما تستعيد الجدوى دورتها الناقصة، تستنهض بالحرف قامتها الحبيسة، تعلي رأسها بالكلمة أمام أمّة أدمنت تنكيس الرؤوس منذ نصف قرن ويزيد.
غادا هذيان متكرر لـمتلقّ ناء، مجنونة ودودة لراهن أحمق، طائشة نقيّة لسواد محتـّم، واصلت دراستها بعبثية أوصلتها السنة الثالثة فـي الأدب الفرنسي فـي جامعة دمشق كلية الآداب أسفرت عن انسحاب صامت، لتلتحق بفرع العلوم السياسية في مدينة بيروت. متوقفة عند عتبة السنة الثانية بعد أن استفحلت لديها أعراض الحمى الكتابيّة. أصدرت فـي العام 1989 مجموعتها الأولـى فـي دمشق بعنوان فـي العام 1991 أصدرت المجموعة الثانية فـي دمشق أيضا بعنوان الترياق.
التقيتها الفترة الماضية ودار بيني وبينها هذا الحوار الذي عرفت من خلاله مدى عشقها وحبها للكلمة والحرف المنور.
< لماذا تكتب غادة فؤاد السمان؟
- على الرغم من بساطة هذا السؤال، إلا أنّ وقعه صاعقا لو شئنا له ترجمة حرفية فاعلة وقادرة على التأثير في منطقة غير آمنة في أعماقنا محكومة غالبا بحساسية مفرطة، كأن نتوجه بسؤال مباشر لأحدهم بالقول لمَ تحيا؟
الكتابة كما يقول الكاتب الفلسفي "حسن عجمي " تحقيق للإنسانية، وأنا أقول الكتابة فرصة استثنائية للحصول على مزيد من الأوكسجين، وسيلة للتحرر الآني من أغلال الواقع الممل، محاولة للارتقاء من العادي إلى ما يستحق الحياة والتأمّل والتبصّر والوعي والنهوض وإن على مضض، أو على تكاسل حال الأمّة العربية جمعاء، فمجال النهوض محدود جدا ومؤطّر جدا ومرهون جدا. لهذا نملك دائما حجّة بليغة للتعبير عن تكاسلنا تصل أحيانا إلى حدّ المُباهاة، وبين مُباهاة وأخرى ننتبه قليلا إلى ما نحن عليه ونكتب لنجلد ذواتنا بالكلمة، وسيلتنا الوحيدة إلى الصراخ الصامت، الذي يؤكد ما تبقى فينا من أنفاس مهترئة.
< وهكذا أتكلم أنا ، بالتأكيد الإصدار الأول له معزة خاصة لديك؟
- وهكذا أتكلم أنا... معزته أو اعتزازي به إن شئت لم تكن من باب التراتبيّة كإصدار أول، إذ أنه كان من الجائز أن أكتبه اليوم أو بعد حين، وربما كان الأخير.
وهكذا أتكلّم أنا... كان ولا يزال لسان حالي ، والناطق الرسمي باسم الجملة العصبيّة، والبوصلة الدقيقة لجداول روحي ورؤاي ومخيلتي وتفكيري، وأقول جداول ليس لضيق الأفق بل ليسرها، فالتفكير والتأمّل والاكتراث بطبيعة ما يشغلني يأخذ حيّزا وفيرا للتركيز وليس للمفاخرة، شخصيّا لا تشغلني سوى تلك المسافة القائمة بين مهدي ولحدي، وما كل خطوه أخطوها وأوثّقها كتابيا أو شفاهيّا إلا لأقترب من مثواي الأخير، وقد اخترت أقصر الطرق وأعمقها وأصعبها على الإطلاق، وذلك عن طريق الذات وما تكتنفه من ثنايا وخفايا ومنعطفات وتلافيف.
فهل أنا راضية عن "وهكذا أتكلم أنا "؟ سؤال أحيله إلى الإصدار عينه، هل لازال ذاك الإصدار يحمل زهوه بي ويحتفظ لي بكامل ألقي يوم كان؟.
< الترياق الإصدار الثاني هل كان حقاً ترياقاً للقراء والإصدار الثاني في كل الأحوال يكون أكثر نضجاُ من سابقه ، كيف ترين هذا الترياق؟
- الترياق، كان وصفتي الخاصّة لعلاج ذاتي وما ينتابها من هواجس ومشاعر وأحاسيس ولواعج وإرهاصات، دونتها نبضةً، نبضة.. عشت حروفها بجميع الحالات والمواسم، تماهيتُ في ارتكابها كعاشق وكمجرم وكعرّاف وككاهنٍ وكناسك وكمتعبّدٍ وزنديق.
هل كان الترياق أكثر نضجا أو أقل؟ أتساءل غدا هل سأكون أكثر نضجا مما مضى أم أقل؟ سؤال أتركه في ذمّة النمامين لأنهم أكثر دقّة في التوصيف.
< صدر لك عن "دار الهادي" البيروتية كتاب نقدي بعنوان إسرائيليات بأقلام عربية: الدس الصهيوني أحدث دوياً هائلاً في الأوساط الثقافية والسياسية معـًا فهل كنتِ تتوقعين كل هذا الاهتمام بهذا الإصدار وما هو سر نجاحه في نظرك؟
- طبعا هناك "بعض التفاصيل " مجموعتي الشعرية الثالثة لا أعلم لمَ تأخذ نصيبها من تسليط السؤال. وبالعودة إلى سؤالكَ، قبل إصدار الكتاب "إسرائيليات بأقلام عربيّة" بأكثر من عام، في مطلع العام 2000 تحديدا، كان لي حوارا طويلا في مجلّة "الصدى " الإماراتيّة وقتها تحدّثت بإسهاب عن الإصدار قبل صدوره، وهذا الإسهاب لم يكن عن تفاصيل المسرود الوارد في المؤلَّف بل عن أصداء هذا المُؤلَّف الحدث، وأذكر أنني افتتحت الكلام بالعبارة التالية:"إسرائيليات بأقلام عربية سيهزّ كيان الثقافة العربية عبر أرجاء العالم العربي كافة" يومها نعتُ بالغرور والمبالغة والتهويل، وبعد إصدار "إسرائيليات بأقلام عربية " كان كل ما توقعته حرفيا بل أكثر، وما توقعته مدوّن داخل سياق الإصدار برشاقة وافية وثقة هائلة بالنفس بما جناه يميني وذهني الشغوف، حيث تتموضّع الكثير من العبارات التي كانت بمثابة مخطط بياني لبورصة التلقي المتوقعة، والتي جاءت مطابقة كلّيا لكافة المجريات التي أعقبت الإصدار منذ العام 2001 حتى اليوم.
تسألني عن سرّ نجاح الإصدار، أجزم أنه حقيقي بدرجة يعزّ على مثقفي ومتثافقي اليوم تعرية كينونتهم الفكرية وكيانهم المعرفي ليكونوا أنفسهم ويتوحدوا قولا وحبرا لدى ملامسة مرايا الرصد والتجسيد، فكم من وجوه نعرفها بأقنعتها ونجهل حقائقها وقت التعرية والمواجهة. وكم من أقلام تكتب خلاف ما تكتم وتضمر وتخفي؟!.
وهكذا أخذت على عاتقي وحدي حماية إصدار إسرائيليات بأقلام عربية بكل ما أوتيت من يقين وإرهاق وضرائب متعاقبة، في مجتمعات ثقافية هدَرَت دمي، وشلّت أوصال حضوري، وأحالتني إلى ثلاجة الوقت والتعطيل والإهمال.
لو أنّ كاتبا أميركيا أو أوربيّا حقق كتابه المبيعات الأولى في معارض دولية لدورتين متتاليتين واحتلّ العناوين العريضة لأهم الصحف، فهل يُمكن وقتها أن نتوقع تقهقرا لوضع هذا الكاتب المعنوي أولا والمادي بشكل مريع وإيقافه عن العمل قسريا، أليست الحكومة وهيئاتها الثقافية واتّحاداتها الناشطة التي تدّعي حماية الكاتب والتي تكلّف خزائن الدولة الشيء الكثير، هي المسؤولة عن حماية الكاتب ورعاية شؤونه ومصالحه؟ ثمّة مبتدِئات بالكاد يملكن قاموسا لتدوين جملة ركيكة، ومع ذلك أصبحن في مقدّمة الركب يترأسنّ منابر ويفتتحن مطبوعات ويشرفن على البورصات الثقافية وتوضع في تصرّفهّن أرصدة باهظة تدعم ظهورهّن بكل الترف الذي لم يحلمن به حتى في أشهى أحلامهنّ، وأنا التي أكتب منذ عقدين من الزمن وشهدَتْ بحقّ أبجديّتي المتميّزة أهم الأقلام العربية على امتداد الخارطة الثقافية، ومع ذلك لازلت مطالبة بتأكيد شرعيتي وأحقيّتي الإبداعية، لا لشيء سوى أني اعتمدت على رصيدي الفكري الروحي الإنساني بجديّة أعتزّ بها، لا على رصيد علاقات مشبوهة لا تخلُ من زيف ورياء، كلّ هذه الجدلية التي أعيش مدّها وجزرها كفيلة بجعل الإصدار وصاحبته، موضع الاكتراث والمُتابعة من قِبَل الذين يكرهون ويكرهون، ويتقنون جيدا كيف يكيدون الكيد وملحقاته، وكلّما أحكمت دائرة التنغيص والتعتيم والإعاقة حولي، كلّما أدركت نجاحي أكثر، الذي لم يعد سرّا يخفى على أحد.
|