الموضوع: شياطين الشعراء
عرض مشاركة واحدة
قديم 25-03-06, 03:24 AM   #2

تقى
هيئة دبلوماسية

رقم العضوية : 3709
تاريخ التسجيل : Dec 2005
عدد المشاركات : 6,063
عدد النقاط : 10

أوسمة العضو
لاتوجد أوسمة لـ تقى

والغريب أننا نجد الشعراء أنفسهم يحاولون إقناعنا بارتباطهم بشياطينهم، ويروجون للوهم القائل بارتباطهم بالقوى غير المرئية، ويتباهون بتلك العلاقة، وذلك أنها تجعلهم في منزلة أعلى من سائر الناس، حتى ليزعم امرئ القيس أن الجن تخيره ما يشاء من شعرها:
تخيرني الجنَّ أشعارها
فما شئت من شعرهن اصطفيت
ويفتخر بتوابعه من الجنِّ، فيقول:
أنا الشاعر الموهوب حولي توابعي
من الجن تروي ما أقول وتعزفُ
وعلى هذا يفاخر الأعشى بوثاقة علاقته بشيطانه مِسْحَل ويمجِّده فيقول:
وَما كُنتُ ذا قولٍ وَلَكِن حَسِبتُني
إِذا مِسْحَل سَدّى لِيَ القَولَ أَنطِقُ
شَريكانِ فيما بَينَنا مِن هَوادَةٍ
صَفِيّانِ جِنِّيٌّ وَإِنسٌ مُوَفَّقُ
يَقولُ فَلا أَعيا لِشَيءٍ أَقولُهُ
كَفانِيَ لا عَيٌّ وَلا هُوَ أَخرَقُ
ويسميه الأعشى أخًا له،ويفديه بنفسه فيقول:
حَباني أَخي الجِنِّيُّ نَفسي فِداؤهُ
بِأَفيَحَ جَيّاشِ العَشِيّاتِ خِضرِمِ
ويقول:
دَعَوتُ خَليلي مِسْحَلًا وَدَعوا لَهُ
جَهَنّامَ جَدعًا لِلهَجينِ المُذَمَّمِ
وجهنام: شيطان شاعرٍ آخر.
وكذا حسان بن ثابت (رضي الله عنه) يدَّعي أن له جنيًا يلهمه الشعرَ فلا يحتاج إلى سرقة الشعر، بل إن شعرهم لا يشبه شعره، فشعره أمتن سبكًا وتحبيرًا فيقول:
لا أَسرِقُ الشُعَراءَ ما نَطَقوا
بَل لا يُوافِقُ شِعرَهُم شِعري
إِنّي أَبى لي ذَلِكُم حَسَبي
وَمَقالَةٌ كَمَقالِعِ الصَخرِ
وَأَخي مِنَ الجِنِّ البَصيرُ إِذا
حاكَ الكَلامَ بِأَحسَنَ الحَبرِ
ثم يبين حسان أن الأمر بينه وبين صاحبه من الجن شراكة في قول الشعر فيقول:
وَلي صاحِبٌ مِن بَني الشَيصَبانِ
فَطَورًا أَقولُ وَطَورًا هُوَه
والشيصبان من عظماء الجن بزعمهم..
ويشكو أبو عطاء السندي عجمةً ولثغة كانت في لسانه فلا يكاد يبين مع أنه شاعر مجيد، فيشكو حاله وعجزه عن إيصال بيانه للناس، بسبب هذه العجمة التي اشتكى منها حتى شيطانه فيقول:
أعوزتني الرواةُ يا ابن سليم
وأبى أن يقيم شعري لساني
وغلا بالذي أجمجمُ صدري
وشكاني من عجمتي شيطاني
فتمنيتُ أنني كنتُ بالشعرِ
فصيحًا وبانَ بعضُ بناني
وينسب إلى جرير قوله:
إني ليلقي عليَّ الشعرَ – مكتهلٌ-
من الشياطين إبليسُ الأباليسِ
ويمدح الفرزدق شعره من خلال مدحه شيطانه فيقول في قصيدة مدح بها أسد بن عبد الله القسري:
لَتَبلُغَن لأَبي الأَشبالِ مِدحَتُنا
مَن كانَ بِالغَورِ أَو مَروَي خُراسانا
كَأَنَّها الذَهَبُ العِقيانُ حَبّرها
لِسانُ أَشعَرِ أَهلِ الأَرضِ شَيطانا
ويجاوز الأمر ذلك إلى ما يُسمى بوحدة الشيطان بين شاعرين، وهذا ما زعمه الفرزدق في غير موضع، حينما يقول: «شيطاني وشيطان جرير واحد» وذلك حينما يقول بيتًا من الشعر ثم يتوقع أن يهجوه به جرير، ودون أن يكون هناك تواصلٌ بين الشاعرين، ومن ذلك قول جرير:
بِسَيفِ أَبي رَغوانَ سَيفِ مُجاشِعٍ
ضَرَبتَ وَلَم تَضرِب بِسَيفِ اِبنِ ظالِمِ
وقد توقع الفرزدق أن يهجوه جرير بقصيدة يضمنها هذا البيت، بحجة أن شيطانهما واحد، وذلك عندما ضرب الفرزدق بسيف فنبا وارتعشت يده، وهذا ما حدث بالفعل.
وفي قصة أخرى روي أن الفرزدق نزل بقوم من العرب فأكرموه وأحسنوا قراه. فلما كان في الليل دب إلى جارية منهم فراودها عن نفسها، فصاحت، فتبادر القوم إليها، فأنقذوها منه ولاموه على فعلته. فجعل يتفكر ويهيم، فقال له صاحب البيت: أتحب أن أزوجك من هذه الجارية؟ قال: لا والله وما ذلك بي. ولكن كأني بابن المراغة (يقصد جريرًا) قد بلغه هذا الخبر فقال:
وَكُنتَ إِذا حَلَلتَ بِدارِ قَومٍ
رَحَلتَ بِخِزيَةٍ وَتَرَكتَ عارا
فقال الرجل: لعله لايفطن لهذا. قال: عسى أن يكون ذاك. قال: فوالله ما هو إلا وقت يسير حتى مر بنا راكب ينشد هذا البيت. فسألوه عنه. فأنشدهم قصيدة لجرير فيها هذا البيت بعينه.
وهناك من الشعراء من يفاخر نظراءه بعظم شأن شيطانه برغم حداثة سنه هو؛ فيقول:
إني وإن كفإن شيطاني كبير الجن
يذهب في الأشعار كل فَنِّ
ولا يستطيع أحدٌ أن يعدَّ حديث الشعراء عن شياطينهم شاهدَ عدلٍ على وجود هؤلاء القرناء، ولكن يأتي ذكرهم على ألسنة الشعراء في معرض المباهاة، ولعلهم في أحسن أحوالهم يعنون بذلك قوة الإلهام والملكة، لا شياطين حقيقة، فلو أخذنا بتلك الأقوال مثلًا، فعلينا أن نقول: إن جميع شياطين الشعراء إناث، ما عدا شيطان أبي النجم العجلي لأنه صرح بذلك في شعره، حين قال:
إِنّي وَكُلُّ شاعِرٍ مِنَ البَشَرْ
شَيطانُهُ أُنثَى وَشَيطاني ذَكَرْ
فَما رَآني شاعِرٌ إِلا اِستَتَرْ
فِعلَ نُجومِ اللَيلِ عايَنَّ القَمَرْ
نت صغير السنِّ
وكان في العين نبوُّ عني


تقى غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس