[ALIGN=CENTER]التركيبة الثلاثية للإنسان:[/ALIGN]
قد قسم علماء النفس نشاطات الإنسان إلى ثلاثة أقسام في شكل ثلاث دوائر متشابكة هي المعرفة والوجدان والسلوك.
وإلى وقت قريب كانت دائرة المعرفة تحظى بتقدير أعلى وتعتبر هي المحرك الأساسي والرئيسي للسلوك وأن دائرتي الوجدان والسلوك هما دائرتين تابعتين لدائرة المعرفة، ولم لا والفكرة هي الأساس في أي شيء لأنها نتاج العقل والعقل هو المدبر والموجه لكل نشاطات الإنسان. بل كان ينظر إلى الوجدانات والمشاعر والعواطف على أنها نقاط ضعف في الإنسان عليه أن يتخلص منها أو يقلل منها في شخصيته كلما استطاع ذلك، فالإنسان العاقل يجب أن يتخفف كثيراً من مشاعره التي ربما تورده التهلكة. وكان الإنسان يقيم من حيث ذكائه العقلي وتوضع درجات لتميز البشر بناءاً على ذلك. ثم اكتشف العلماء أن الذكاء العقلي وحده لا يحقق النجاح أو التميز فبدأوا يتحدثون عن ذكاءات متعددة مثل الذكاء اللفظي والذكاء العملي والذكاء الاجتماعي وأخيراً الذكاء الوجداني.
وكانت الطفرة الهائلة في المعرفة الإنسانية الحديثة هي اكتشاف الذكاء الوجداني حيث تبين أن هذا النوع من الذكاء أكثر تأثيراً في نجاح الإنسان ونموه وتطوره وتألقه مقارنة بالذكاء العقلي التقليدي القديم. وتبين أن المشاعر والوجدانات والعواطف ليست ترفاً أو شيئاً كمالياً أو عيباً في النفس البشرية ، بل هي مصدر الطاقة المتجددة في هذه النفس وهي التي تعطيها اللون والطعم والرائحة وتعطيها المعنى والدافع .
[ALIGN=CENTER]مولد مفهوم الذكاء الوجداني :[/ALIGN]
وليسمح لي القارئ العزيز أن أنقل له الحدث الذي ولد فكرة الذكاء الوجداني في رأس
دانييل جولمان Daniel Goleman مؤلف كتاب " الذكاء العاطفي Emotional Intelligence " بنفس النص دون تدخل
" مازلت أذكر ذلك المساء شديد الرطوبة من أحد أيام أغسطس في مدينة نيويورك، حيث التجهم والتوتر السمة الغالبة على وجوه الناس. كنت في طريق عودتي إلى الفندق، وبينما كنت أصعد إلى الحافلة المتجهة إلى شارع ماديسون، شد انتباهي سائق الحافلة – وكان رجلاً في منتصف العمر أسمر اللون، ترتسم على وجهه ابتسامة دافئة – الذي حياني بود : " مرحباً، كيف حالك ؟"، وبعد أن أخذت مكاني سمعته يرحب بكل راكب يصعد إلى الحافلة وهو يشق طريقه ببطء شديد وسط زحام المدينة. وكانت ملامح الدهشة تبدو على ملامح كل راكب مثلي تماماً. ولأن الجميع استغرقهم المزاج الكئيب لذلك المساء الشديد الرطوبة، لم تحظ تحية السائق بالرد إلا من عدد محدود منهم. غير أنه مع تقدم مسيره وسط الزحام الخانق إلى وسط المدينة حدث تحول بطيء وسحري داخل الحافلة. فقد ظل السائق يجري "مونولوجاً" مع نفسه شد اهتمام جميع الركاب. سمعناه يعلق بصوت مرتفع على كل ما نراه من النوافذ حولنا مثل: "في هذا المحل تخفيض هائل في الأسعار"، أو "في هذا المتحف معرض رائع"، أو "هل سمعتم عن الفيلم الجديد الذي بدأ عرضه في هذه السينما؟.." ومع الوقت انتقلت عدوى ابتهاجه بما تتمتع به المدينة من إمكانات ثرية إلى الركاب.ونزل كل فرد في محطته، وقد خلع عن وجهه ذلك القناع المتجهم الذي صعد به. وعندما كان السائق يودع كلا منهم بقوله: "إلى اللقاء.. يوماً سعيداً.." كان الرد يأتيه بابتسامة جميلة على الوجوه. لقد انطبع هذا الموقف في ذاكرتي قرابة عشرين عاماً. وكنت وقتها قد انتهيت رأساً من إعداد رسالتي لنيل الدكتوراه في علم النفس . لكن الدراسات السيكولوجية في تلك الأيام لم تكن تبدي اهتماماً يذكر بالكيفية التي يمكن أن يحدث بها مثل هذا التحول . إذ لم يكن العلم السيكولوجي يعرف سوى القليل، وربما لم يكن يعرف شيئاً أصلاً عن آليات العاطفة. ومع ذلك فكلما تخيلت انتشار "فيروس" المشاعر الطيبة بين ركاب الحافلة، اعتبرت ذلك السائق مصلحاً يجوب المدينة، أو "باعث السلام في مجموعة من البشر"، بمقدرته السحرية على التخفيف من حالة التجهم الشديد البادية على وجوه الركاب، فإذا بقلوبهم تنفتح قليلاً، ويتحول التجهم المرسوم على الوجوه إلى ابتسامة".
ما زال للموضوع بقية
|